أَطْلال مُفردة.
2.42K subscribers
77 photos
4 videos
1 file
2 links
كل محاولاتي ميّتة .
Download Telegram
الحنان وحده لا يصنع أمًّا .
هذه الفترة بسطتُ قلبي على الطاولة ، وضعتُ عليه أمومتي المؤجلة ، ومن دفئي ما يكفي لشتاءين ، ومن عنايتي ما يصلح لترميم طينةِ روح ، ومن حلمي ما يكفي لتغذية شجرةٍ من الطمأنينة ، أصبحتُ أخلع نصف نومي ليحصل الآخرون على راحةٍ كاملة ، أرتّب أيامهم كما تفعل الأمهات ، أجفّف غيمَ حزنهم قبل أن يهطل ، وأزرع في نومهم حلمًا آمنًا ، ورغم كل ذلك ، قد أبدو فاشلةً بعض الشيء في أمور الرعاية ، كأنني أُجيد سكب الحُب لكنني أجهل القياس ، كما أن هناك ثغرةٌ ما ، تجعلهم يواصلون التطلّع من نافذتي ، يبحثون عن ضوءٍ أكبر ، ضوءٍ لا أملكه ، لأنّه منكِ وحدكِ يا أمي .
.. ᷂أكثِرو ᷂من ᷂الصّلاة ᷂على ᷂النبي ٌ🩶.
᷂اللهمُ ᷂صل ᷂وسلِم ᷂على ᷂نبيّنا ᷂مُحمدﷺ
كلما أوغلتَ في المسير ، باغتك الحنين ككمينٍ خفيّ ، يشدّك من أطراف روحك ، ويعيدك خطوةً إثر أخرى ، حتى تجد نفسك أمام مشهدٍ قديم ، وجهٍ بهتت ملامحه ، أو صوتٍ شوّهه الغياب ، أو تفصيلةٍ هامشيّة كانت تسندك دون أن تدري ، لتدرك متأخرًا أن ما ظننته نسيانًا ، لم يكن سوى ذاكرة نائمة أيقظتها عبثيّة الحياة .
بك شيءٌ لا ينطفئ ، يشبه الفانوس الأخير في مدينةٍ نكبتها الحرب ، بقي ليدلّ الغرباء على الخراب .
لا شيء يُرهقني أكثر من شعور التعدّي الذي لا يُعلن عن نفسه ، لكنه يترك بصماته على زجاج مشاعري ، ألمح أثر الأيادي دون رؤيتها ، وأُجبر كل ليلةٍ أن أكنس الغبار عن ما ظننتُه لي .
لم أعد أقاتل لأُخرجك ، بل تركتك في الزاوية الأبعد تنكمش كأمنيةٍ خائبة .
أنا امرأة لا تعترف بقانونٍ يحدّ من شغفي ، ولا تنصاع لقواعدٍ تُجرّدني من حقّي في احتكارك ، امرأة تلفّك بذراعها ، تضعك في قلبها كما تُخفى المجوهرات ، خشية أن تُلمح ، أن تُشتهى أو تُسرق ، امرأة لا تُطيق فكرة أن تكون مشاعًا .
حين تُقرر أن تُحب بكاملك ، لا تنسَ أن تُخفي بعضك ، أن تُبقي لك زاوية لا يطأها أحد ، زاوية تعرفك ، تُذكّرك بما أنت عليه ، لأنك إن أحببت دون قيد ، أصبحتَ تابعًا لما يهوى لا لما ينبغي .
ستفهم يومًا ، أن النصف الذي قبلت به لم يكن كرمًا منك ، بل كان جوعًا ، وأنّ عفوك لم يكن رفعة خُلق ، بل كان صراعًا داخليًا أنكرت فيه صوت العقل وأسكته بأملٍ أحمق .
في نهاية هذا اليوم سأغفو دون أن أفتقدك ، دون أن أراجع ملامحك ، ودون أن أحملك في جيب الفكرة الأخيرة قبل النوم ، ودون أن يلسعني فراغك ، سأنام هذه الليلة خفيفةٌ منك ، وكان ذلك أعظم انتصارٍ لم يُصفَّق له أحد .
رأيتُ أيامي تعضّ أصابعها وتبكي ، كأمٍّ عجوزٍ فُجِعت بأبنائها دفعةً واحدة ، فأدار لها الزمانُ ظهره ، فذبلت الحياةُ في عينيها ، وتقوّست الأمنياتُ العتيقة في صدرها .
أُخبر نفسي أنني كنتُ أستحقّ الطمأنينة ، وكنتُ أستحقّ أن لا أُؤكل حيّة ، لا أن أنجو بأطراف خيبةٍ بالية ، وبقشرة حياةٍ لا تُؤكل ، وبذاكرةٍ تمضغ الأمان القديم ثم تبصقه .
أنا اليوم لا أُخفي سوء مزاجي ، بل أضعه على الطاولة ، وأدعوه ليأكل معي ، وأقدّم له من ضحاياه طبقًا دسمًا .
أنا في مزاجٍ سيء ، أشعر أنني خرابٌ يمشي على قدمين ، وفي مثل هذا المزاج ، أجد أني أمتلك الحقّ الكامل في أن أخلع قفّازات اللطف ، أن أحرّض لُغتي على الجريمة ، وأمارس عربدتي المتعجرفة ، أن أستدعي أظافري من تحت صبرها ، وأخدش الوجوه ، أنا اليوم مشوّهة بما يكفي لأصفع العالم بكلمة ، وأنا في مزاجٍ يجعلني أكتب رسالةً للكون مفادها " أنني وحشٌ قاتل حتى العظم " ، وأشعر أنني قادرة على ارتكاب أبشع ما في النُبل ، وفي حالتي المزاجية هذه ، أبدو أقرب للذنب المتعمد ، للكلمة التي قُصِد بها الذبح لا الحوار ، أشعر أنني لا أُجيد إلا الصدّ والتواء الحواجب والتهكّم ، أحتاج أن أُخاصم الجميع دون تبرير ، أن أطفئ هاتفي وأُغلق النافذة ، أن أُشيّع قلقي إلى قبرٍ لا تاريخ له ، أريد أن ألعن الأشياء بلغةٍ مؤدبة ، أن أقتل الذكريات وهي تبتسم ، أن أصفع الحنين قبل أن يصفعني ، أنا في مزاجٍ يُشبه الذئب حين يُنتزع منه فريسته ، وأنا اليوم وحشٌ أدبي خرج من قفصه وهو يضحك ، يعضّ على رقبته كلماتٍ دامية ، ويكتب بدمه الشتائم ، أشعر أنني قادرة على نزع أرواحهم من أعينهم ، وتمزّيق ابتساماتهم الزائفة بأسناني ، وغرس أصابعي في قلوبهم ، كل ما فيَّ مسعور في حالتي المزاجية هذه ، أحتاج أن أُدمِّر ترتيب أفكاري ، أن أُبعثر نُضجي المتعب ، أن أُري العالم نسختي التي خبّأتها كثيرًا خلف المروءة والذوق العام ، وأقول بصوتٍ بارد " أنا لستُ بخير ، ولن أكون اليوم مشروعةً للشفاء " .
يا للأسى على امرأةٍ حسناء ، يتساقط من أطراف أنوثتها كلُّ هذا الركام .
كان الانتظار رجلًا يسكن عتبة قلبي ، هادئ الملامح ، طويل البال ، يلبس ثيابًا من الصبر ، ويضع في جيبه وعودًا غير مكتملة ؛ في الأيام الأولى كنت أُصغي له حين يتحدّث عن الغد ، وعن الخطى القادمة ، عن الرسائل التي ستصل ، والأحضان التي تنتظر عند الأزقة ، كنت أصدّقه ، وأفتح له الباب كل ليلة ، أقدّم له قلبي مجلسًا ، وأملأ له كأس الرجاء ، فيرتشفه على مهل ، ثم يقول "قريبًا" ، لكن الوقت مرّ ، وها هو الآن عجوزٌ أحدب ، يمشي في روحي متّكئًا على عصا من الخيبة ، تسند أنفاسه تنهيدة طويلة ، وقد نسي أسماء الذين وعدني بهم .
كلما ساءت حالتي ، زاد اشتهائي لارتكاب الجرائم العاطفية ، مثل أن أترك أثرًا باردًا في صدر من ظنّ أنني دافئة دائمًا .
كان بارعًا في صناعة الفردوس من التفاصيل ، وكان رجلاً يُتقن لغة المبالغة في الحُب ، علمني الحُب بمقاييس مترفة ، فأطعم قلبي من طبقه الأول ، وسقاني من كؤوسٍ لا تُقدَّم في حانات العشاق العاديين ، أغرقني في البذخ العاطفي حدّ التخمة ، حتى نسيتُ أن للحُب وجوهًا أخرى غير التي رسمها لي ، ومن بعده كل محاولةٍ للحُب بدت تمثيلية مبتذلة ، ينقصها الإخراج ، ويفشل فيها البطل قبل أن يبدأ المشهد ، وكل حُبٍ يطرق بابي منذ غيابه يبدو فقيرًا ، ناقص التفاصيل ، باهت الذائقة ، مرتبك الترتيب ، ولا ملامح له .