قد أبدو لك امرأةً خرجت من كهوف الحكايات الأولى ، تزرع على نافذتك ضحكتها لتشرق قبل الشمس ، تحوك من خصلات شعرها وشاحًا تدثرك به قبل أن يبرد قلبك ، تفرش على مائدة صباحك بسمتها كخبزٍ ساخن يملأ قلبك شبعًا ، وتسكب في فنجانك شيئًا من عاطفتها ليعتدل مزاج يومك ، وتسند صباحك بكفّها كما يُسند الفلاح جذع الشجرة العتيقة ، وتجعل من أصابعها أنهارًا صغيرة تغسل عنك غبار التعب ، تهبك من روحها ما يكفي لتشعل حروبك وتربحها ، امرأةٌ بدائية في الحب ، لكن بدائيتها هي الحضارة .
تبًّا للبشرية حين تُطالبك بأن تبيع نفسك لتشتري مكانًا بينهم ، والمجد ، كل المجد ، للوحدة التي تمنحني عرشًا من العزلة .
لطالما كان في داخلي ظلٌّ أصرُّ على نفيه ، أُخفيه في قبوٍ رطبٍ تسرّبت جدرانه من زمنٍ بعيد ، قبوٍ تتعفن فيه الحقائق وتنام فيه الأحلام مكبّلةً بقيود النسيان ، فقط لأنني أردتُ أن أبدو ملساء الحواف ، صالحةً للعرض في واجهة هذا العالم البليد .
في الليلة الماضية ، جلستُ في مكتبي كجابي الضرائب ، وارتديتُ قميص الجرد ، لا كموظفٍ في الشركة ، بل كأمين مخزن لسنواتي العاطفية ، قلبتُ دفاتر أيامي كما تُقلب دفاتر شركةٍ على وشك الإفلاس ، ورأيتُ كم كنتُ سخيةً في العطاء ، فادحةً في الخسارة ، سجلت أوزان الخيبات وأحصيت أرغفة الحنين التي خبزتها لغير جائع ، وجرار الدفء التي سكبتها في قلوبٍ من حجر ، وفي صباح اليوم ، وضعتُ هذه الأحمال في ساحة الشمس ، علَّ أشعتها تعقّم رطوبة الوهم العالقة فيه ، وإن استعصت على الجفاف ، سأحرقها حتى تصير رمادًا ، وأذرّيه في وجه الريح ، لم أعد أحتمل أن أكون مستودعًا يسرق منه الآخرون بلا فاتورة ، ولم أعد أرغب في استنزافٍ مجاني ، ولا في تجارةٍ لا مردود لها ، لقد أعلنتُ إفلاسي ، وأعلنتُ معه استقلالي .
كان بيتًا متشقّق الجدران ، نوافذه مكسورة ، وسقفه يرشّح الماء ، حاولتُ أن أُرمّم ، أن أُقيم الحجارة المائلة ، لكن الحواف الجارحة كانت تقطع أصابعي في كل محاولة ، حتى صرتُ أنزف أكثر مما أبني .
أنت لم تعشقني حقًّا ، بل عشقْت ظلّ محبتي حين يعانقك ، ووجودي الذي ينساب في محيطك ، ومحاولاتي التي تبثُّ الحياة في أيامك ، أحببت تلك المحاولات التي استنزفت بها روحي لأبقيك قائمًا ، وفرحي الذي يطلُّ عليك كنهار جديد ، وحزني الذي يهبط نحوك كليلٍ دافئ ، كنت تحب أن تكون علّة وجودي ، لا وجودي نفسه .
كان ينبغي أن تنفذ لا أن تثرثر ، أن تخلع جلدك طبقةً طبقة حتى تنكشف عظامك لي ، أن تخلع عن روحك غبار الغرباء حتى تصير نقيًا على مقاسي ، كان ينبغي أن تنفي ذاتك القديمة لتولد بي من جديد ، أن تُسقط ظلّك في هوّتي ، وتترك ملامحك تذوب في ملامحي ، أن تجرّد نفسك من كل زوائدك حتى تصير قابلاً لأن تُسكب في وعائي ، كان عليك أن تكون لي تمامًا ، وأن تفعل الكثير ، والكثير جدًا ، كي تبقى حيًّا في داخلي .
كان عليّ أن أقاومك قبل أن تصبح جزءًا من كيمياء دمي ، قبل أن تتكاثر في داخلي ، وقبل أن تتحول إلى وباءٍ يهاجم مناعتي ، لكنني تهاونت ، حتى صار فصلك عني يعني تمزيقي .
أحمد الله كثيرًا أن في هذه الدنيا نواميس لا تتبدّل ، وقوانين تُمسك بزمام الفوضى ، وعقوبات تُقيم ميزان العدل ، وفوق كل ذلك إلهٌ عادل لا تغيب عنه زفرات الأرواح ، ولولا هذا العدل السماوي ، لكنتَ اليوم غريبًا تحت التراب ، في أول فصول غيابك الأبدي ، تُقاس فيه دماؤك ككفارة لما أزهقته مني ، إنني أبغضك بصدق ، حتى ليخيّل إليّ أن كراهيتي لك تكاد تصير كائنًا يتنفس بين أضلعي .
هو ليس من سلالة السطور التي تُقاد بترتيبٍ صارم ، بل من نسل الكلمات الشاردة ، تلك التي تولد خارج النص فلا يملك الكاتب أن يطوّقها ، كأنها جملة اعتراضية في روايةٍ جادة ، تُفسد النظام لكنها تمنح النص نسيم الحياة وهويته .
الحياة وحشٌ خفيّ ، يتربص بكل ما أحبّه ، يقتنصه من يديّ قبل أن ألملم أجزائه ، يبتلع كل دفءٍ أحاول احتضانه ، ويبتز كل حنانٍ أرغب في نقله إلى قلبي ، صرتُ نصف إنسان ، ونصف عاطفة ، أتنقّل بين فراغاتٍ مبتورة وذكرياتٍ ممزقة ، أحاول أن أُعيد ترتيب قلبي على ما تبقى من أطياف الحب ، لكن كل محاولة تصطدم بأسنان الحياة الحادة ، التي ترفض أن أمتلك شيئًا كاملًا ، وكأن الكون بأسره يتهكّم على نصف قلبي المحروق ، ونصفه الحيّ الذي يركض في صحراء من الرماد ، باحثًا عن روح الأشياء التي ابتلعتها الحياة في فمها الأسود .
صباحي هذا ليس صباحًا ، بل فراغٌ معلّق بين ليلين ، كأن الفجر تراجع عن ولادته ، حتى أن الشمس نسيت طريقها إلى نوافذي ، والنهار عالقٌ عند حافة الأمس ، فرحيلك أوقف زحف الزمن ، فتوقّف عدّاد الأيام منذ الأمس ، وكأن عقارب الساعة أُصيبت بالشلل .
لقد أيقنتُ أن للعدم قسوةً تُخفي في جوفها بذرةً للحضور ، وأن كل انطماسٍ ليس سوى مقدّمةً لانبجاس نورًا أعنف ، وأنّ الهلاك في جوهره ممرًّا خفيًّا نحو حياةٍ أرحب ، هكذا تُعلّمني النهايات أنها ليست فصلًا أخيرًا ، بل سُلمًا مُخبّأً في العتمة ، يقودني كل مرةٍ إلى شرفة البدايات .
كنت أُخفي حاجتي إليك ، وأشيّد من كبريائي سدًّا أعبره نحوك بوقارٍ مُتكلّف ، وأُلقّن نفسي أن الكبرياء يحفظني من الهزيمة ، غير أني الآن أمزق ذلك القناع بأظافري ، وألوك كبريائي كما يلوك الوحش فريسته ، أعضه حتى يتناثر بين أسناني ، وأبتلعه مع غصّاتٍ من الغضب والشتائم ، فقط لأقول لك : خذني إلى صدرك ، ودعني أُهزم فيك هزيمةً لا تُشبه سوى حنانٍ يقتلني ثم يبعثني حيّة فيك .