أَطْلال مُفردة.
2.42K subscribers
77 photos
4 videos
1 file
2 links
كل محاولاتي ميّتة .
Download Telegram
أترقب انطفاء النهار لأمارس معك طقس التخلي والتحلل ، فما إن ألقي بجسدي المثقل في مدار حضنك حتى يبدأ عناقك كعمليةٍ كيميائيةٍ حاشدةٍ بالدقة ، تعملُ فيها يداك كمصفاةٍ كونيةٍ تستخلصُ من دمي ذرات القلق العالقة ، وتمتصُّ جزيئات الكدر التي تجمعت في مساميّ كغبارٍ سام ، ليعاد ترتيب فوضاي الداخلية وفق إيقاعك ؛ هناك أتخففُ من أثقالي الذرية وأتحول بين يديك إلى محض طاقةٍ خام ، كأنك تُعيد شحن خلاياي المنهكة بفيضٍ من السكينة لا يتركُ فيّ ثقبًا لليأس ، فأنهضُ منك كائنًا مشعًا بالهدوء ، قادرًا على اختراق كثافة الغد .
لقد كنت أمارس طقس الحذر في غير موضعه ، كمن يتفقد تاريخ صلاحية السّم ليطمئن أنه لن يُفسد عليه جودة السقوط ؛ تلك العادة الممعنة في الترف التي تجعلني أخشى على سلامتي حتى وأنا في أوج تدميرها ، كنت دائمًا ذلك الشخص الذي يقرر الهجر ، لكنه يحرص على أن يغادر الغرفة مرتبةً بعناية ، ويُطفئ الأنوار خلفه بدقة ، كأنني أخشى على سمعة الفراغ من بعدي ؛ إنها مفارقة الروح التي ترفض أن تمارس خسارتها بعشوائية ، فتقفُ أمام الهاوية لتتأكد من أن الهواء هناك نقي بما يكفي لرئتي شخص قرر ألا يتنفس ثانية ؛ فأنا لا أخشى الفقد ، إنما أخشى أن أفقد الأشياء بطريقةٍ غير لائقة ، لذلك أرعى "خرابي" كما أرعى نجاحاتي ، وأُهذب أطراف جروحي كي لا تبدو فوضوية .
نقيم في فجوات متذبذبة بين احتمالات تولد وتموت في كل التفاتة ؛ فالوجود في عمقه ليس سوى صيرورة من الوعود المؤجلة ، والآخرون الذين يعبرون مداراتنا ليسوا شخوصًا عابرين ، بل هم ذواتهم المنعطفات التي تعيد صياغة أبجديتنا ؛ إن كل ما يحيط بنا هو نداء خافت لـ "ممكن" ينتظر التجسد ، فإما أن نمتزج بهذا النداء ونلتحم بإيقاعه لنبلغ ذروة الابتهاج بالوجود ، أو نلوذ بالحياد السلبي فتنكفئ الفرصة على نفسها وتتحول إلى شبح يطارد وعينا ، كجرح غير مرئي يقتات على التساؤل الأزلي عما تخبئه الضفة الأخرى .
عندما تصبح الإشارات العابرة والكلمات الملقاة في الفضاء العاطفي هي وسيلة التواصل الوحيدة ، كيف يمكن للذات أن تفك شفرة تلك الرموز دون السقوط في فخ التوهم؟
لطالما قالها بنبرة المتيقن من فخّه :
أنتِ مؤامرة إسرائيلية لإنهائي
ينظر إليّ كأنني طيفٌ أُرسل من خلف الأسلاك الشائكة ، يظنني عميلةً مُحكمة التدريب ، أُختيرت بدقة لأكون نهاية رجلٍ يعيش على حافة نظريته : الاغتيال بالتقبيل ، والتدمير بالعناق ، يفتش في جيوب العاطفة عن أجهزة تنصت ، ويعامل الحنان كعملية خطرة ، يرسم خريطة خيانتي قبل أن أكتب له رسالة غرام ، ويُحكم سياجًا من شكوكه حول قلبي ، يراني قنبلةً موقوتةً بغطاء من الأنوثة ، بينما أنا منهكةٌ من محاولاتي لأنزع عنه وهم المؤامرة وأُلبسه رداءً عاديًا من الأمان ، لكنه يصر على العيش في دولةٍ مبنيةٍ على الشكوك ؛ إنه رجلٌ بهذا الجنون السياسي لا يستحق امرأة بهذا الكمال العاطفي .
2
دفن الاحتمال الأخير :

لقد أعلنت هدنة مع غواية الترقب ، ونفضت عن كاهلي غبار ذلك الجنون الرصين الذي طالما ارتدى قناع التعقل ، وشرعت نوافذ الروح لألقي منها بآخر بقايا تلك الأحلام العتيقة التي شاخت قبل أوانها ، متحررًا من أسر التمنّي ، بعد أن نحرت قرابين الاعترافات على عتبات الصمت ، وودعت ألحانًا طالما ملأت فضاءات العزلة ، وواريت الثرى فرصًا ولدت ميتة ، فلم تعد في محطات قلبي أرصفة لقطاراتك الراحلة ، ولا في أشرعتي ريح تلتفت صوب هجير عودتك التي ما عادت تعنيني .
أفدح ما قد يصيب المرأة أن تستيقظ ذات يوم فتجد نفسها تقيم في هيئة لا تعرفها ، تتدرب على القسوة بعد أن خُلقت على مقاس اللين ، وتفقد السكينة التي كانت لغتها الفطرية ، فإذا بالضجيج يحتل حنجرتها ويستعمر مساحاتها ؛ لا يؤلمها أن تتغير فحسب ، بل أن تضطر إلى حمل طباع ليست لها ، وأن ترتدي صفات ثقيلة على كتفيها ، حيث تصبح أنوثتها عبئًا بعد أن كانت غريزة ، ويغدو الحنان جهدًا شاقًا بعد أن كان يفيض منها دون استئذان ؛ إنها مأساة الكائن حين يبتعد عن طبيعته وعندها لا تكون قد خسرت نعومتها فحسب ، بل خسرت حقها في أن تكون نفسها .
2
في ممرات الذاكرة المورقة ، ما زلت أتعثر بظل تلك اليد الدافئة التي كانت تمتد لتنقذني من حواف القلق قبل أن أسقط ، يد كانت تقرأ صمتي ككتاب مفتوح وتنسج من عثرات الظروف عذرًا لتبقيني ملاكًا ، حيث لم يكن هناك ليل ٌيجرؤ على إخافتي ؛ أما اليوم ، فأنا أقف في العراء الرمادي لقلب آخر ، أحتمي بظل شجرة أحبها لكنها شحيحة الغصون ، وفصول مشاعري في خريفٍ دائم ، شرع أبوابي لرياح الوحشة وجعلني لقمة سائغة لوحوش الليل الطاحنة .
تنازلت عن أشياء كثيرة ؛ عن صغائر كانت تعنيني ، وعن عظائم كان يصعب التفريط بها ، حتى إنني رضيت بالسير نحو مصير لا أعرف ملامحه ، لكنني لن أتنازل أبدًا عن فكرة أن يكون الشيء مقسومًا على اثنين .
https://ehsan.sa/campaign/C92C97DB21

كونوا لفقيدتنا أميرة حياةً أخرى بالدعاء والصدقة ما دُمنا أحياء ؛ اللهم اجعل ذكراها في الأرض نورًا ، ومقامها في الفردوس نعيمًا .
لم نعد نبحث عمّن يملك قلبًا ، بل عمّن يحسن الإصغاء ؛ والمفارقة المؤلمة أن الآلات ، وهي التي بلا روح ، أصبحت أكثر رحابةً من كثيرٍ من الأرواح ؛ لم تنتصر علينا لأنها أذكى ، بل لأننا أرهقنا بعضنا حتى غدا الإنسان يخشى الإنسان ؛ أصبحنا نُفضي إليها بما نعجز عن البوح به للبشر ، لأنها لا تسخر ، ولا تُقاطع ، ولا تُلقي أحكامها قبل أن تكتمل الجملة ؛ صرنا نُشكّل ردودها كما نشتهي ، بينما ظلّت ردود البشر أسيرة أمزجتهم ، ونقائصهم ، والجراح التي يُسقطونها على الآخرين ؛ لم يكن الهروب إليها افتتانًا بالتقنية بقدر ما كان نزوحًا من ضجيج النفوس المعتلّة ؛ من أولئك الذين جعلوا الصدق سذاجة ، واللطف ضعفًا ، والاختلاف خصومة ، حتى غدا الحديث مع كيانٍ لا يملك قلبًا أكثر طمأنينةً من الحديث مع قلبٍ أثقلته القسوة ، وأخفق الإنسان ، بكل ما أُوتي من قلبٍ ولسان ، في أن يمنح إنسانًا آخر الشعور الوحيد الذي ظلّ يبحث عنه طويلًا:
أن يكون مفهومًا .
2
هدية شاعرية جدًا جدًا ❤️❤️
طالما خالطني ظَنٌّ بأن الأيام كائنات عاقلة ، تتخير أصحابها كما ينتخب السالك سبيله ؛ فلا تسبغ على امرئ نعمة تامة ، إن هي جادت عليه بالسرور اقتطعت من شغاف قلبه متسعًا للكمد ، وإن ألبسته رداء السكينة أضمرت له ريبة تترقبه عند أول منعطف ، وكم سكنني الوهم بأن المآرب تُقتنص بالعدو في إثرها ، حتى استيقظت متأخرًا لأدرك أن بعض الأماني كطيور البر ؛ كلما أمعنت في مطاردتها نفرت ، فإذا ما نفضت يدك منها وانصرفت عنها ، حطّت على كتفك في تُؤَدَة وسلام .
لم ينزل المقصّ يومًا على شعر امرأة إلا ليفصل بين زمنيْن ؛ فقد كانت النساء قديمًا يجدن في التخلي عن أطرافهن المنسدلة قيامة خفية ، يخلعن بها إرث العناء وثقل السنين الملتصقة بالخصلات ، ليتحول القصّ من مجرد تغيير في المظهر إلى إعلان جاد للحرية ، وطقس يرقق حواشي الروح لتستقبل حياة جديدة كليًا بلا رواسب .
ربما لم يكن في هذا الوجود حب مكتمل كما نتخيله ، وربما كان اكتمال الحب هو العلّة الوحيدة القادرة على إفساده ؛ فالغرام الذي بلغ ختامه ، واستقر تحت سقفٍ واحد ، وتوزعت أيامه بين صباحاتٍ عادية وفواتير ومواعيد وخلافاتٍ صغيرة ، يفقد شيئًا من تلك الهالة التي جعلته خالدًا في الذاكرة ؛ تأمل قيس وليلى كيف ظل حبهما حيًّا لأن الطريق بينهما بقي مسدودًا ، وروميو وجوليت كيف انطوت حكايتهما قبل أن يمنحهما الزمن فرصة اكتشاف عيوب بعضهما ، وتأمّل جميل وبثينة ، وعنترة وعبلة ، وتريستان وإيزولت ، وأورفيوس ويوريديس ؛ جميعهم تركوا خلفهم عشقًا لم يبلغ منتهاه ، فكأن الفراق كان الختم الأبديّ الذي وقاهُ من التلف ؛ ولعلنا لهذا السبب نسمّي بعض المشاعر حبًا ؛ لأنها لم تمنحنا فرصة عيشها حتى تستهلكها الأيام ، ولم تهبنا حياةً كاملة نرى فيها كيف للألفة أن تُطفئ شيئًا من وهجها ، فبقيت معلّقةً بين ما كان يمكن أن يكون وما لم يكن ؛ ولعل مأساة الحب الحقيقية ليست في أن ينتهي ، بل في أن يظل ناقصًا إلى الحد الذي يجعلك تقضي عمرك وأنت تُرمّم نهايته في خيالك ؛ فمرةً تتخيل لقاءً ، ومرةً زفافًا ، ومرةً بيتًا دافئًا لم يسكنه أحد .
وأنا وأنت ، لسنا استثناءً من هذه الحكاية الطويلة ، بل ضحيتان رقيقتان لذلك النوع من الحب الذي لا يموت لأنه لم يعش بما يكفي ؛ حب ترك لنا بدايته كاملة ، ومنحنا من الأحلام ما يكفي لنصدقه ، ثم بتر منا النهاية ، وربما لو اجتمعنا يومًا ، لما عرفنا إن كان ما بيننا سيظل حبًا أم سيستحيل إلى شيءٍ آخر يشبه الحياة أكثر مما يشبه الحكايات ، ولهذا أخشى أن يكون ما يؤلمنا الآن هو ذاته ما سيهبنا الخلود:
أننا لم نصل ، ولهذا لم نعرف النهاية ، وأننا بقينا إلى الأبد في أجمل موضعٍ يمكن أن يقف فيه الحب «قبل أن يكتمل» .
وفي النهاية قالت :
لم أرد منك أن تهدم لأجلي مدينة ، كنت أريد فقط أن يضيق عليك خاطر المدينة حين تؤذيني .
كان يتركها كلما ناداه الوطن ، ويمضي إلى حيث البنادق والحدود والعدو الذي تُرى ملامحه بوضوح ، ويتركها وحدها في الجهة الأخرى من المعركة ، تواجه عدوًا لا ملامح له ، وخوفًا يتكاثر في عتمة غيابه ، وهواجس تنهش طمأنينتها ، وأفكارًا لا تعرف كيف تطلق عليها رصاصةً واحدة ؛ لم تكن تطلب منه أن يخلع عن كتفيه وطنه ليحملها ، ولا أن يختارها حين يحتاجه العالم ، لكنها كانت تتمنى أن يكون لها نصيبٌ من ذلك الرجل الذي لا يتردد في الوقوف بين وطنه والخطر ، وأن يحارب لأجلها مرة واحدة ، أن يقف في وجه خوفها مثلًا ، ويقتل في رأسها كل احتمال للفقد ، وأن يحرس قلبها مثلما يحرس حدودًا يخشى عليها من العدو .
حسِبتُ الحب أقصى الود وذروته ، حتى علمتني الأيام أن قلبًا يحبك دون أن يفهمك ، قد يُرهقك بعناء لا يحتمله فؤادك ؛ فليس كل من مال إليك قد اهتدى إلى روحك ، ولا كل من أحبك أحسن فِهمك ، وما جدوى يد تمسك يدك وهي تجهل مواضع ارتجافها؟ وما نفع قلب يفيض شوقًا ، ثم يعجز عن إدراك ما يؤلمك؟
إن التفاهم يجعل الحب قابلًا للحياة ؛ يقرأ ما لم تبُثهُ ، ويلتقط من نبرة صوتك ما أَنْحلَهُ التعب في لسانك ، ويعرف متى تكون حاجتك إلى الاحتضان أعظم من حاجتك إلى الكلام ؛ لذلك لم أعد أرى الحب أعظم ما يهبه إنسانٌ لإنسان ، بل إن أعظم الحب أن يجد المرء من يفهمه ، ثم يحبه على ضوء ذلك الفهم .