تَمَاْيُز
3.39K subscribers
848 photos
36 videos
57 files
33 links
إِنْ يَغْلِب اَلصَّبرُ فَالْعُقْبَى لِمُصطَبِرٍ
أَوْ يَغْلِب اَلْوَجدُ فَالدُّنيَا لِمَن غَلَبَا
Download Telegram
إنّ المصدر الرئيسيّ لكلّ هذا الشغف هو التفكير بما هو غائب وبالمستقبل، والذي يمارس في حالة الإنسان، تأثيرًا قويًا جدًا على كلّ أفعاله. هذا هو الأصل الحقيقيّ لكلّ اهتماماته وآماله ومخاوفه: تلك المشاعر التي تؤثر فيه أعمق بكثير إذا ما قورنت بأي شيء من المتعة والمعاناة التي يخضع لها الوحش. فمن حيث قدرته على تأمُّل الماضي والذاكرة، والتبصر إلى الأمام؛ يمتلك الإنسان، إذا صح التشبيه، آلة لتكثيف متعه وآلامه وتخزينها. ولكنّ الوحش ليس لديه شيء من هذا القبيل، فمتى تألّم يكون ذلك وكأنّه يعاني الألم أول مرة، على الرغم من أنّ الشيء نفسه لا بدّ قد حصل له مرات لا تحصى. هو لا يملك القدرة على تجميع مشاعره، وهذا سبب مزاجهِ غير المكترث والهادئ، وكم يُحسد على ذلك! ولكنّ التأمُّل يتدخّل لدى الإنسان، مع كلّ المشاعر التي يثيرها. ولأنّ الإنسان لديه نفس عوامل المتعة والألم، المشتركة بينه وبين الوحش، فإنّ هذا يطوّر قابليته للسعادة والتعاسة، إلى درجة يدخل فيها الإنسان في وقتٍ ما حالةً من السعادة التي قد تصل إلى حد الموت، وفي وقت آخر يرتمي إلى أعماق اليأس.

– آرثر شوبنهاور| تهمة اليأس
كونه يزدري سعادته ومأساته، فضائله ورذائله، ونفسه باعتبارها مقياسًا لكلّ الأشياء، فإنّه لا يأمّل أي شيء من نفسه ويريد أنْ يرى في كلّ الأشياء هذا العمق اليائس. تكمن قوته في ترك نفسه؛ وإذا فکر في نفسه فإنّه يقيس المسافة بين نفسه وبين هدفه السامي، ويشعر كما لو أنّه يرى خلفه وتحته مجرد كومة صغيرة من النفايات. سعى المفكرون القدماء إلى السعادة والحقيقة بكلّ قواهم، ويقول مبدأ الطبيعة الظالم: إنّه لن يعثر أحد في يوم ما على ما أُجبروا على البحث عنه. لكن بالنسبة للذي يبحث عن اللاحقيقة في كلّ شيء ويتحالف بطواعية مع المأساة فربّما سيجرب شيئًا أخر، خيبة من نوع آخر: شيئًا لا يمكن التعبير عنه، حيث السعادة والحقيقة ليسا سوى شعاع كاذب يدنو منه، فتفقد الأرض جاذبيتها، وتصبح أحداث وقوى الأرض كحلم، وينتشر حوله ضياء الصحو كما في أمسيات صيفيّة. بالنسبة للذي يرى تلك الأشياء كما لو أنّه بدأ يستيقظ للتو، وكما لو أنّ غيمات قليلة فقط من حلم هارب ما تزال تحوم حوله. يومًا ما هي الأخرى ستختفي أيضًا، من ثمّ سيكون النهار.

– فريدريك نيتشه| شوبنهاور مربيًا
هناك الكثير ممّا يمكن قوله عن إضاعة الحياة، لكن الذي ضُيّع فقط هو حياة ذلك الإنسان الذي واصل العيش مخدوعًا على نحو ما بأفراح الحياة أو أحزانها، بحيث إنّه لم يصبح أبدًا بصورة حاسمة وأزليّة واعيًا كروح، كذات، أو ما يرقى إلى نفس الشيء. آه، وأيّ بؤس بحيث يواصل العديد من البشر على هذا المسار، مخدوعين بأسعد الأفكار! أيّ بؤس بحيث إنّنا منغمسون فيه، أو بتشجيع الجموع البشريّة على الانغماس في كلّ شيء واستخدامها لتزويدها بالطاقة من أجل مسرحية الحياة، لكن دون تذكيرها أبدًا بهذه الحقيقة. أيّ بؤس يصيب البشريّة عندما تُحشَد وتُضَلّل بدلًا من تفريقها، بحيث يكسب كلّ فرد مرة أخرى: الروح الأسمى، الشيء الوحيد الذي يستحق العيش من أجله، ويكفي العيش فيه إلى الأبد. أعتقد أنّ بوسعي أنْ أبكي بأزليّة على وجود مثل هذا البؤس. عندما يَسكت ضجيج الحياة العلمانيّة، ويصل الزحام المضطرب أو الخامل نهايته، عندما يكون كلّ شيء هادئًا حولك كما هو في الأبديّة، سواء كنت رجلًا أو امرأة، ثريًا أو فقيرًا، مستقلًا أو تابعًا؛ تسألك الأبديّة، وكلّ فرد بين هذه الملايين عن أمر واحد فقط: إنْ كنت قد عشت يائسًا أم لا.

– س. كيركيغارد| المرض حتّى الموت-1848م
يحيا الإنسان، من الميلاد إلى الموت، مثل عبد مملوك لخارجيّة ذاته على غرار الحيوانات. لا يعيش الحياة بكاملها، وإنّما يحياها بخمول بملء إرادته وبطريقة أكثر تعقيدًا. حياته تسير وفق قواعد لا يعرف أنّها موجودة، ولا أنّ حياته تسير وفقها، وأفكاره، عواطفه، أفعاله، لا واعية كلّها ليس بسبب افتقارها إلى الإدراك، ولكن لانعدام وعيِيِّن فيها. أتابعُ، بتفكير شارد، التاريخ العاميّ للحيوات العاميّة، وأرى كيف أنّها خاضعة تمامًا في كلّ شيء للسليقة اللاواعية، للظروف الخارجيّة الغيريّة، لدوافع من نمط عائليّ ومن حاجة ملحة إليه. كم مرات سمعتهم يتلفظون بالعبارة نفسها التي ترمز إلى تمام اللامعقوليّة، تمام اللاشيء، تمام الحمق الناطق بحيواتهم. إنّها تلك العبارة التي ينطقون بها بصدد أي متعة ماديّة: «هذا ما سيأخذه الواحد منّا من الحياة».. إلى أين سيأخذه؟ ولأجل ماذا سيأخذه؟ سيكون من المُحزن إيقاظهم من الظلّ الذي هم غارقون فيه بسؤال من هذه الأسئلة. ماديّ تمامًا مَن يتحدث هكذا، لأنّ كلّ إنسان يتحدث هكذا هو ماديّ، وإنْ على نحو غير واعٍ. لا أعرف عبارة أكثر مأساويّة ولا أكثر تعرية لآدميّة الإنسان من هذه.

– فرناندو بيسوا| اللاطمأنينة
عندما يفتح الجد في رواية إميل كليرمون بموسهِ براعم الزهور ليُسلّي حفيدته، فإنّ ما يظهر لعينَي الطفلة المنتشية، إنّما هو داخل تفاصيل منظمة. إنّ صورة الطفلة هذه لا تقوم إلّا بالتعبير عن إحدى حالات السعادة الراسخة لعلماء النبات. كتبَ جوفروا في كتابه المادة الطبّية: «إنّنا نعرف، ولا يمكن أنْ نعرف دون لذّة، بأيّ مهارة أمكن تنظيم فروع النباتات، وهي مزيّنة بأوراقها وبأزهارها وبثمارها، في البراعم». هل علينا أنْ نلاحظ أنّ لذّة تأمُّل هذه الزهور قد كبرتها إلى أبعد الحدود؟ فأنْ نرى في البرعم والزهرة والثمرة؛ هو أنْ نرى بعينَي الخيال. يبدو إذن أنّ الخيال هو أمل مجنون في الرؤية بلا حد، كما يظهر للحالم أنّه بقدر ما تكون الكائنات صغيرةً، تكون الوظائف فعالة. فالكائنات التي تعيش في فضاء صغير، تعيش زمنًا سريعًا، فبسجننا للحُلميّة نقويها. لهذا السبب تكون أحلام اليقظة التصغيريّة قوية ونافعة جدًا، وهي مناقضة لأحلام يقظة الهروب التي تحطم الرُّوح. هكذا يريد الخيال الدقيق أنْ يتسلّل إلى كلّ مكان، وهو لا يكتفي بدعوتنا إلى أنْ ندخل في صداقتنا، بل يدعونا إلى أنْ نتسلل أيضًا في كلّ صدفة لنعيش فيها.

– غ. باشلار| الأرض وأحلام يقظة الراحة
Forwarded from منارة الفن | Beacon of Art (Mary)
Age_Nicolaisen,_Jerome_Eaton_editor_The_Pocket_Encyclopedia_of_Indoor.pdf
12.2 MB
حين نتحدثُ عن الفن، لا يمكن أن تكون الطبيعة والنباتات بِمنأى عنهُ، حيثُ يستلهم الكثير من الرسامين والمصممين الألوان والتقسيمات منها، وعليهِ أُشارككم موسوعة The Pocket Encyclopaedia of Indoor Plants.

هذا الكتاب ليس مجرد دليلٍ للعناية بالنباتات، بل هو معرضٌ فنيٌ مُصغر. اللوحات الملونة في صفحاته تُظهر النبات كمنحوتةٍ حية.

التناظر الهندسي في الأوراق، وانحناءات الساق، وتداخل الضوء والظل، يجعلنا ندرك أن الطبيعة هي المُعلم الأول لكل فنان.

وهذا التأثر بالجمال النباتي هو ذاته ما
نراه مجسدًا في فن التوريق (الأرابيسك) في الزخرفة الإسلامية، حيث لم يقف الفنان عند حدود التأمل، بل نقل انسيابية الجذوع المتشابكة وحركة الأوراق إلى جدرانٍ ومخطوطاتٍ تنبض بالحياة والنماء المستمر.

الكتاب تذكيرٌ ملهم بأن الفن لا يقتصر على لوحةٍ معلقة، بل قد يتجلى في تفاصيل ورقة نباتٍ نتأملها.

📌زُوروا موقعنا الإلكتروني عَبر الضغط على الرابِط أدناه:
https://bnscience.org
قد أدى انفصال الإنسان بالتدريج عن الطبيعة، هذه الطبيعة التي لا يزال من مخلوقاتها رغم أنّه يواجهها كخالق بشكل يتزايد باستمرار، أدى إلى نشوء قضية من أعمق قضايا الوجود الإنسانيّ، فهناك أساس حقيقيّ للحديث عن «الطبيعة المزدوجة» للإنسان. إذ أنّه مع استمرار انتمائه للطبيعة؛ أوجد «طبيعة مضادة» أو «طبيعة عليا». لقد أنشأ من خلال العمل نوعًا جديدًا من الواقع: هو واقع حسيّ وفوق حسيّ في الوقت ذاته. وليس الواقع في أي حال مجرد تراكم لوحدات منفصلة تقوم إحداها إلى جانب الأخرى دون رابطة فيما بينها. فكلّ شيء ماديّ متشابك مع كلّ شيء مادي آخر، وهناك بين الأشياء علاقات متعددة، وهي علاقات واقعيّة كواقعيّة الأشياء الماديّة ذاتها. ولا يتشكل الواقع من الأشياء إلّا في ارتباطها بغيرها من الأشياء، وكلّما زادت هذه الارتباطات غنى وتعقيدًا، زاد الواقع هو الآخر كذلك. إنّ العلاقات الجديدة بين الإنسان والطبيعة، وبين إخوته من البشر، قد تغلغلت في هذه الكتلة من المادة وأضفت عليها مضمونًا ووصفًا جديدًا لم يكونا لها من قبل. وهكذا، فالإنسان، أي الكائن العامل، هو الخالق لواقع جديد، ولطبيعة متفوقة، وأعجب نتاج لها هو العقل.

– إرنست فيشر| ضرورة الفن
إذا كان هنالك تمييز نوعيّ فيما يتعلق بجميل الطبيعة، فإنّه ينبغي تعقبه في درجة التعبير التي لما هو ليس من صنيع البشر، أي عبارته. الجميل في الطبيعة هو ما يظهر على أنّه أكثر ممّا يكون عليه حرفيًا، في موضعه ومحله، من دون قابلية تأثر. لن تكون هنالك مثل تلك العبارة الموضوعيّة، ولكنّها لا تختزل ولا ترد إلى الذات، فالجميل الطبيعيّ يدل على أوليّة الموضوع في التجربة الذاتيّة. والمرء لا يدركه إلّا بما هو ذلك اللازم الذي لا يُفهم ولا مناص منه، ذلك الذي يُنتظر مُستشكلًا حله. فلا شيء ينتقل بالتمام من الجميل الطبيعيّ إلى الآثار الفنّية أكثر من ذلك الطابع المزدوج. من هذا المنظور تحديدًا، الفن هو تقليد للجميل الطبيعيّ بدلًا من أنْ يكون تقليدًا للطبيعة. والجميل الطبيعيّ ينمو بقدر ما ينمو مقصد الاستعارة الذي يطعن فيه من دون أنْ يفك شفرته، وبقدر ما تنمو الدلالات التي لا تتموضع على العكس من اللغة الدالة، ولهذه الدلالات على الإطلاق ماهيّة تاريخيّة. عبارة «ما أجمله!» إنّما تتناسب مع التركيز الموتور بالنظر إلى الآثار الفنيّة، وليس مع الطبيعة، فالإدراك الخام يعرف أكثر من غيره عن جمال الطبيعة.

– ثيودور أدورنو| نظريّة استطيقيّة-1969م
لا شَكّ أنّ ثمّة آلاف الإغراءات تنحرف بنا كلّ يوم عن جادة الصواب، لكنّ أشدها خطرًا هو محاولة الإنسان أنْ ينسلخ عن طبيعته التي وُلد بها، وأنْ يضع نصب عينيه مُثُلًا عُليا ومبادئ أخلاقيّة يعجز عن بلوغها، بل لا ينبغي عليه من الأساس أنْ يفكر فيها. وهذه الإغراءات أشد أثرًا وخطرًا على البشر من وساوس النفس العادية، وسبب خطورتها أنّها ترتدي-ظاهريًا-قناعًا وهميًا اسمه المثالية والأخلاق. ما يحدث في الحقيقة أنّ الخيال البشريّ يجرب إمكانات المستقبل المتاحة أمامه، لكنّ الحياة لا تسمح بتحقق هذه الأمنيات، فسرعان ما تتبدد أحلام الطفولة والشباب، غير أنّ الإنسان رغم ذلك لا يتوقف عن أنْ يمنّي نفسه ببلوغ آمال ليست من نصيبه، فيعذب نفسه بمتطلبات فوق طاقته، ويُثقل روحه، وهذا هو حال كلّ واحد منا. لكن في لحظات اليقظة الداخليّة نشعر أنْ لا سبيل أمامنا ولا خلفنا إلّا القبول بمواصلة الحياة بحلوها ومُرها، وبكلّ ما فيها من مزايا وعيوب. الحقيقة أنّ أرواحنا لا تتوق إلى شيء أكثر من توقها لأن تنضج نضوجًا هادئًا لا تقيده القيود، وعند تلك اللحظة يصل الإنسان إلى التوافق مع هذا العالم.

– هرمان هسه| أنت جواب السؤال
من الخطر الاعتماد الزائد في الأمور الأخلاقيّة على قضايا الدافع والإرادة، وحيث إنّ الفعل الصالح عرضة للشك في دوافعه؛ فإنّ كانط أخطأ في افتراض أنّ الإرادة لها اليد العُليا في المسائل الأخلاقيّة، فالأهم في مثل هذه المسائل هو ما تفعله وليس ما تريده أو تنويه. كما أنّ فكرة كانط التي اعتبرها حقيقيّة عن الإرادة تبدو بعيدة كلّ البعد عن أنْ تحظى بالاستحسان، مقارنةً مثلًا بمفهوم الإرادة عند توما الأكويني. فالإرادة عند الأكويني ليست دافعًا عقليًا غير مشروط، بل هي نوع من التوجه الأولي في وجودنا، ونزعة داخلية إلى الخير أو الطبيعيّ موجهة نحو صلاح المعيشة؛ فبالنظر إلى وجودنا الجسديّ فنحن لدينا رغبة في الخير ليست اختياريّة في حد ذاتها، فمسائل الاختيار كما رأى الأكويني تعتمد في النهاية على تكوين أجسادنا الماديّ؛ فهو مفهوم للإرادة يتمتع بقبول أكثر من معظم نظائره الحديثة. يقع كانط في خطأ جوهريّ في كتاباته الأخلاقيّة، وهو افتراض أنّ الفرق الأخلاقيّ المهم هو الفرق بين النزعة الطبيعيّة والالتزام. إنّ كانط قبل غيره هو من أدى بالفكر الأخلاقيّ إلى المساواة الزائفة بين الأخلاق والواجب.

– تيري إيغلتون| مشكلات مع الغرباء
ما زال يوجد في جميع الشعوب أفراد لا يستطيعون القبول بأنّ كلّ الوعود التي قُدمت للنوع البشريّ بإقامة إمبراطورية يحكمها الحقّ والعقل والحقيقة؛ ليست غير وعود كاذبة، إنّهم يعتقدون أنّ العصر الحالي ليس غير فترة تُمهد لما هو أفضل. لكن، ما هو الشعب بالمعنى العالي للكلمة إذا نظرنا إليه من رؤيا عالم روحي؟ إنّه جماعة من البشر تعيش في أمة، تكرر نفسها دون انقطاع، روحيًا وطبيعيًا، حسب قانون خاص يستطيع الإلهيّ تبعًا له أنْ يتفتح في قلب تلك الجماعة. إنّ كلية هذا القانون هي التي تجمع ذاك الجمهور من البشر، في العالم الأبديّ كما في العالم الأرضيّ. الحبّ إذًا ليس افتتانًا عابرًا، الحبّ الحقيقيّ لا يتعلق أبدًا بالفاني، إنّه يستيقظ ويشتعل في حضرة الخالد كي يخلد أخيرًا إليه. من لا يرى نفسه من زاوية الخالد يجهل الحبّ؛ حبّ الوطن غريب عليه. إنّ الذي تبدو عنده الحياة اللامرئيّة خالدة، دون الحياة المرئيّة، يستطيع أنْ تكون له سماء ووطن في السماء، لكنّه لا وطن له في الدُّنيا، لأنّ هذا يجب أنْ يُعد أيضًا من مظاهر الخلود، لكن من الخلود المرئيّ الذي تدركه الحواس. إنّ من يجهل هذا الحبّ يثير الشفقة.

– يوهان فيخته| خطابات إلى الأمة الألمانيّة
أيظن أصحاب فكرة الجنسية الدينيّة أنّه لو عمَّ الإسلام العالم لأمكن إنشاء دولة واحدة تضمُ الإنسانيّة كلّها؟ إنّهم يظنون هذا الظن وينادون بوجوب الدعوة إلى هذا الوهم، غير معتبرين بعلم ولا بتاريخ. فاختلاف أمزجة الشعوب وطبائعها وتباين مراميها وتعارض غاياتها ليس منشأه «وجود الغواة من الأمراء ذوي المطامع في السلطة»، بل اختلاف الأقاليم والأجناس والبيئات وتباين المطالب العموميّة وتعارض الغايات الشعوريّة وتنائي الأقطار، ولذلك لا يمكن التفكير بضم أَبناء دين واحد منتشر في الأصقاع في دولة واحدة إلّا على أساس غير واقعيّ. وقد يُحتج بأنّ المُسلمين تنقصهم ازدياد المعارف والفنون ليتحدوا في دولة واحدة، والحقيقة أنّ هذا ينقصهم ليعلموا بطلان هذه الفكرة. فالشعوب المسيحيّة التي بلغت ذروة التمدن والعلم لم يُمكن اتحادها في دولة واحدة، مع أَنّ المسيحيين يعدون أنفسهم إخوة في الدين، وتعاليم رسالتهم أوصتهم بالأخوة. أخوة الدين لا يمكنها أنْ تحلّ محل الأخوّة القوميّة، ولذلك خابت الدولة الدينيّة العامّة المطلقة في جميع الأديان على السواء. وكلّ دعوة لإعادة هذه الدولة هي تغرير وشعوذة.

– أنطون سعادة| الإسلام في رسالتيه-1942م
إنّ استهلاك مقولة الدولة الإسلاميّة ضربٌ من نوستالجيا مستحيلة، تُخايل وعيًا منفصمًا ومنفصلًا عن التاريخ والواقع، وقد لا يكون من وظيفة له سوى دغدغة عواطف المؤمنين بجنة في الأرض لكسب ولائهم لمشروع سياسيّ يُسربل نفسه برمزيّة دينيّة. ومن يتكلم على «دولة مدنيّة مرجعيتها إسلاميّة» كمن يتكلم على دولة دينيّة تحكُمها العلمانيّة؛ يجمع بين ما لا يمكن الجمع بينهما، جمع تخليط وتهجين. والحيلة أنّ التسمية المهجنة ازدهرت هذه الأيّام، أكثر من ذي قبل، بعد إذ خيض صراع صامت على معنى الدولة المدنيّة: بين من عنوا بها الدولة غير الدينيّة، ومن عنوا بها الدولة التي لا يحكمها العسكر. لكن تمييز الأخيرين عن دولة العسكر ما كان يكفيهم أمام جمهورهم، فكان لا بدّ لهم من إضافات للتدقيق في الهُويّة، لتولد بذلك مقولة «الدولة المدنيّة ذات المرجعية الإسلاميّة». وهذه أشبه ما تكون بمقولات أخرى مثل «الاقتصاد الإسلاميّ»، و«القنبلة النوويّة الإسلاميّة». إنّ أيّ حديث اليوم في علاقة الدين بالدولة من مدخل الإلحاح على «إسلاميّة الدولة» أو أسلمتها أو إقامة نظامها على أحكام الدين، إنّما هو يزعم لنفسه دورًا رساليًا ليس له.

– عبد الإله بلقزيز| الدين والدولة
يعتبر إنشاء أموال الحكومة أو «السيولة» ليس سوى مصادرة احتياليّة لحقوق أصحاب المِلكيّة الخاصة، والتي لا تقل قبحًا عن عمليات عصابة إجراميّة. بالإضافة إلى أنّ أي تنظيم حكوميّ يتدخل بما يحق للمالك فعله بممتلكاته يعني «الاستيلاء» على ممتلكات شخص ما بأسلوب يوازي عمليات الابتزاز أو السرقة أو التدمير. ولكن في الوقت الحالي يمثل فرض الضرائب، وتوفير السيولة للحكومة، والتراخيص الحكوميّة: أمورًا شرعيّة بخلاف الجرائم، ولا يحق لضحية التدخل الحكوميّ-بخلاف ضحية الجريمة-الدفاع عن نفسه ماديًا ولا حماية ممتلكاته. إنّ فرض ضريبة حكوميّة على الممتلكات أو الدخل؛ ينتهك حقوق المِلكيّة أو الدخل بقدر ما تفعل السرقة، ويتناقص في كلتا الحالتين وارد الفرد المنتج من السلع ضد إرادته ودون موافقته. العلامة المميزة لانتهاكات الحكومة لحقوق المِلكيّة الخاصة هي أنّها، على خلاف الأنشطة الإجراميّة، تعتبر شرعيّة ليس فقط من قبل وكلاء الحكومة القائمين عليها، بل من قبل عامّة الشعب أيضًا (وحتّى من قبل الضحية نفسها أحيانًا). ومن ثمّ، في مثل هذه الحالات، قد لا تدافع الضحية قانونيًا عن نفسها ضد هذه الانتهاكات.

– هانز هوبه| الديمقراطيّة: الإله الذي فشل
في النظام الديمقراطيّ يوافق المواطن حتّى على القانون الذي هو ضد إرادته، لأنّ القانون هو الإرادة العامّة. وهكذا فإنّ المواطن لا يعطي، في الحقيقة، موافقته بالمطلق على أي مضمون معيّن، بل بالأحرى على النتيجة التي تترتب على الإرادة العامّة بنحوٍ مجرد، وهو لا يدلي بصوته إلّا لتوفير إمكانية حساب الأصوات التي تمكنه من معرفة هذه الإرادة العامّة. إذا جاءت النتيجة مخالفة لمقصد عدد من الأفراد الذين أدلوا بأصواتهم، فإنّ هؤلاء يكتشفون أنّهم أخطؤوا في معرفة مضمون الإرادة العامّة. ولأنّ الإرادة العامّة بالنسبة لهم تتناغم مع الحرية الحقيقيّة، كما يتابع روسو مؤكدًا، فإنّ المهزومين انتخابيًا لم يكونوا أحرارًا. وبهذا المنطق اليعقوبيّ يستطيع المرء، كما هو معروف جيدًا، أنْ يسوغ حكم أية أقلية للأكثرية، حتّى مع ادعاء الالتزام بالديمقراطيّة. غير أنّ جوهر المبدأ الديمقراطيّ، أي التأكيد على نوع من التطابق بين القانون وإرادة الشعب يتم الحفاظ عليه. وبالنسبة إلى المنطق القائم على التجريد، فليس ثمّة، في الحقيقة، أي فرق بين ما إذا كان المرء يساوي إرادة الأكثرية أو إرادة الأقلية بإرادة الشعب.

– كارل شميت| أزمة البرلمانات
كانت الأفعال المتأتية عن واجب متناقضة مع الأخرى المتأتية عن ميل، من وجهة النظر الموضوعيّة، فإنّها ليست كذلك من وجهة النظر الذاتيّة، والإنسان لا يحق له فقط، بل ينبغي عليه أنْ يربط بين المتعة والواجب؛ ينبغي عليه أنْ يطيع عقله وهو مبتهج. وإذا ما تعلقت طبيعة حسيّة بطبيعته الرُّوحيّة فإنّ ذلك لم يكن لكي يتخلص منها كعبء ثقيل، أو يلقي بها كقشرة خشنة، كلا، بل لكي يحتضنها على النحو الأكثر حميميّة داخل ذاته العليا. ولمجرد أنْ جعلت الطبيعة منه كائنًا حسيًا عاقلًا، أي إنسانًا، تكون قد سنت له التزامًا بأنْ لا يفرق بين ما جمعته، وأنْ لا يترك وراءه الحسيّ حتّى في أنقى لحظات التعبير عن جزئه القدسيّ، وأنْ لا يقيم انتصار أحد الجزئين على قهر الثاني. وعندما تنبع الأخلاق من صلب كليته الإنسانيّة، كخلاصة للتأثير الموحد لكلا المبدأين، وعندما تتحول إلى طبيعة لديه؛ عندها فقط يغدو تفكيره الأخلاقيّ مُحصنًا. تُطرح فكرة الواجب في الفلسفة الكانطيّة بصرامة على قدر من الشدة من شأنها أنْ تُفزع كلّ بهاء، ويمكنها بسهولة أنْ تغري عقلًا ضعيفًا بالانطلاق في البحث عن الكمال الأخلاقيّ على درب رهبانيّة قاتمة.

– فريدريك شيلر| البهاء والوقار-1793م
ينبغي أنْ تكون حياتنا بأكملها متناغمة على نحو مماثل؛ فتصوير الطبيعة البشريّة على أنّها دائمة الانقسام بين العقل والعاطفة، وأنّ حياتنا الأخلاقيّة في صراع سرمديّ بين كليهما؛ هو أمر مهين وانهزاميّ. كما أشار شيلر إلى أنّ كانط ربّما كان يصف بدقة الحالة المؤسفة للحياة البشريّة اليوم، لكنّ الحياة لم تكن دومًا هكذا، ولا داعي لأن تستمر على هذا النحو للأبد. ولوضع أساس لاستعادة هذا التناغم الذي طال غيابه عن الطبيعة البشريّة؛ شجع شيلر على إحياء الحس الجماليّ في أوجه الحياة كافة. كتب هيغل لاحقًا أنّ فلسفة كانط «تُشكّل أساسًا ونقطة انطلاق للفلسفة الألمانيّة الحديثة»، ويمكننا إضافة أنّ فيخته وشيلر-كلّ بطريقته الخاصة-أوضحا الاتجاهات التي يجب أنْ تتخذها هذه الانطلاقات. فمن وجهة نظر الفلاسفة الذين جاءوا بعد كانط، كان مفهوم الشيء في ذاته لا يمكن إدراكه، وتصور أنّ الطبيعة البشريّة منقسمة على نفسها؛ مشكلتان يحتاجان إلى حلول. وقد عبّر هيغل في مقال سابق عن إعجابه باعتراضات شيلر على وجهة نظر كانط فيما يتعلق بالطبيعة البشريّة.

– بيتر سينجر| هيغل-مقدمة قصيرة
اللون الأسود، هو أبعد من أنْ يكون لون الفراغ والعدم، بل هو بالأحرى الصبغة الفعالة التي تقوم بإظهار المادة العميقة، وبالتالي، المادة الحاكية عن كلّ الأشياء. وإذا كان الغراب أسود، فذلك في نظر ميشيل ليريس ناجم عن «طبيعة أطعمته»، هو أسود «كالدم المتخثّر أو الحطب المتفحم». فالأسود يُغذي كلّ لون عميق، وهو المأوى الحميميّ للألوان. على هذا النحو يحلم به الحالمون المثابرون. بل يُريد الحالمون الكبار بالأسود أنْ يكتشفوا: «الأسود في السواد»، هذا الأسود العنيف الذي يشتغل تحت السواد المنهك، أسود المادة ذاك الذي يُنتِج لونه، لون هاوية. على هذا النحو يستعيد الشاعر الحديث عن حلم اليقظة لأولئك الكيميائيين الذين يبحثون عن أسود أكثر سوادًا من الأسود. يجد د.لورنس عمق بعض إحساساته ضمن عمليات قلب موضوعيّة مشابهة، وذلك بقلب كلّ الإحساسات. إنّنا نعيش إذن في قفا العالم، مثلما يُضيف لورنس. فالعالمُ الحقيقيّ للنار هو عالم مظلم، نابض، أكثر سوادًا من الدم، أمّا عالم النور الذي نعيش فيه فهو ليس إلّا وجهه الآخر. والأمر مُماثل في شأن الحبّ، فالحبّ الحقيقيّ متوحش وحزين، إنّه نبض ثنائيّ في الظلمات.

– غ. باشلار| الأرض وأحلام يقظة الراحة
لم يكن زمن العالم يحتاج إلى ما يُثير الوقوف طالما كان مُتصلًا بالزمن الدوريّ. يكبح الدوريّ الفزع المحتمل من خطيّة لا نهائيّة يكون فيها كلّ حدث فريدًا لا يتكرر، حيث يختفي كما لو أنّه لم يحصل أبدًا. على العكس، يقدم الدوريّ الشعور بالاستمراريّة في الزمن، ويُعد حتّى يومنا هذا جزءًا من خبراتنا الأوليّة: فصول السنة المتكررة، دورات الشمس والقمر، بما فيها "تيارات" المد والجزر التي تنتج منها، ودورات الحياة النباتيّة. بها استرشد المرء في المجتمعات الزراعيّة، حيث كانت عمليات الطبيعة تُحدد إيقاع البذور والحصاد وصيد الأسماك، وتُكوِّن مع الأعراف والطقوس الاجتماعيّة المتوافقة معها نوعًا من زمن عضويّ. مع ذلك، فحيثما يعايش المرء هذا الزمن الدوريّ العضويّ؛ يمكنه أنْ يدعم الإدراك الواقع تحت الشدة في مواجهة الزمن الخطيّ الذي ينقضي بلا رجعة. الأمر، بالمناسبة، كما لو أنّ نشاط الزمن الاجتماعيّ يبدو في الحال أقرب إلى التململ الهزليّ. في كلّ الأحوال، يمنح الزمن الدوريّ زمن العالم سمة عضويّة، ويلائم تمامًا تزمين زمن الحياة وزمن العالم، ولا سيما أنّ إيقاع الجسد الخاص منظم دوريًا أيضًا.

– سافرانسكي| الزمن ما يفعله بنا وما نصنعه منه
إنّ الإسقاط المستقبليّ قد يكون في الحقيقة استحضارًا للماضي، والمستقبل إسقاطًا للماضي. ولكن حتّى لو استطعت خرق المستحيل، وأنشأت وعي الماضي بواسطة حواضر باطلة، فإنّ هذه الحواجز بالتأكيد لا تستطيع أنْ تفتح لي المستقبل، وحتّى ولو تصورنا المستقبل بواسطة ما كنا قد رأيناه، فإنّه يبقى علينا، من أجل إسقاطه أمامنا، أنْ نملك أولًا الإحساس بالمستقبل. إذا كان الإسقاط المستقبليّ استحضارًا للماضي؛ فإنّه على كلّ حال استحضار مشتق، وكيف نستطيع الاستباق إذا لم يكن لنا حس المستقبل؟ إنّنا نؤمن كما يقال «بالمماثلة»، بأنّ هذا الحاضر غير القابل للمقارنة سوف يمر، شأن جميع الحواضر الأخرى، ولكن لكي يكون هناك تماثل بين الحواضر المكتملة والحاضر الفعليّ، يجب على هذا الأخير ألا يعطى فقط كحاضر، وعليه من أجل إقامته، وبكلمة موجزة: يجب ألا يكون مجرى الزمن من الزاوية الأصلية مجرد المرور من الحاضر إلى الماضي، وإنّما أيضًا المرور من المستقبل إلى الحاضر. إذا استطعنا القول بأنّ كلّ إسقاط مستقبليّ هو استحضار مشتق للماضي، فإنّنا نستطيع القول أيضًا بأنّ كلّ استحضار للماضي هو إسقاط مستقبليّ مقلوب.

– موريس مرلوبونتي| ظواهريّة الإدراك