هذه اللحظات تحديدًا تستوجب أعّتى الوجوم فهي شديدة التحوّل عند المقاومة إلى مُعضلات الهموم، لم يعدّ الليل يغوي للسهر الطويل فمَا كان مثلما سَبق قصير وسريع الرحيل، فالأعين المُضطربة تبحثُ عن سكونٍ يأوي جفافها قبل أن ينامُ الليل على أجفانها حتى لا تضطرّ إلى نهارًا عقيبًا تدفعُ فيه ثمَن إجحافُ البقاء.
يُخيّل لي كثيرًا لو أنني كنتُ أشدُّ قسوة في تلك اللحظات تحديدًا، فهل الحُزن حينها سيهابُ هيئتي ورجفة أعصابي؟
ربما سأكون أكثرُ يقينًا ولا أُحسن شيئًا عدَا الثأر الذي انتزعه بغتةً دونَ رحمة، أن أمتلك هذا الثأرُ على حِين غرّة قبل أن تشرقُ شمس الغياب الحارِقة على أجفاني النائِمة، فأُراود عندها دأبي في وجوه كل العابرين والماكثين بإمتلاك حُريّتي الدائِمة.
ربما سأكون أكثرُ يقينًا ولا أُحسن شيئًا عدَا الثأر الذي انتزعه بغتةً دونَ رحمة، أن أمتلك هذا الثأرُ على حِين غرّة قبل أن تشرقُ شمس الغياب الحارِقة على أجفاني النائِمة، فأُراود عندها دأبي في وجوه كل العابرين والماكثين بإمتلاك حُريّتي الدائِمة.
عناقه كان حنونًا وكثيفًا، أغدقني من بعدها أرَقُّ الكلمات على آمال اللقاء المُنتظر، ذلك اللقاء الذي لطالمَا أردَّته كذهول الأول ودهشته البهيّة!
عندمَا سكنَ ليلي بعتمته استدرجتُ صوتك مِن ذاكرتي فصرتُ الحاضر حتى في هذا الغياب، أحبُّ اللحظاتَ التي تفصلني عن لُقياك وأُفضِّلُ أن أملأها بذِكراك وبحديثك الذي ظلَّ مُعلقًا بين ضلوع فؤادي لأستذكرك فتهدأُ العواصِف العاتية في داخلي.
Forwarded from ردهة. (أ)
لطالما شذبتُ أوجاعي بهيئة رتيبة، وأضمرتُ حُزني بوجهٍ لا يقِرّ بالألم محالة، فأنا امرأة تظهرُ في أقسى أيامها جبلًا من المهابة، وكم من مرةٍ أُوغِلتُ في الترفّع حتى قسَى قلبي تحت وطأة الأنفة، وأعرف تمامًا أنّ المسافة بيني وبين الآخرين ليست سوى عمرًا من الكبرياء المَرهون بالكرامة، وإن ضاقت بي الأرض بما رحبت فلن أستسقي من مَعينٍ لوّثته الأيادي القاتِمة، وإنّني أدلُّ دروب الرحيل كلها حتى ولو وصل الأمر إلى الهُجران والبقاء وحيدًا عن العامّة.
في فؤادي الرَقيق عُقَدٌ مُبهمة تتشابك تدريجيًا، أتعقّبها عند كل ليلة قاتِمة لأفككها لكنّها تتفاقم بداخلي على الأرجح، أنتزعها فَزعًا خيطًا إثر خيط، خشية أنّ يبقى بين أضلعي ألمٌ مدفون لم أمزقه بشدة! فالأهمّ عندي حينها ألّا تُفزع سَكينتي التي لطالما شذّبتها مِن بين كل هذا الخَراب.
كل الحروف مِن بعدك ضَجيج، فقد آلفتك مِن بين آلاف الكلمات والقلوب والرسائل، ولم أمِلْ إلا لوطنِ حروفك وعذب كلماتك التي لن تنالها كل الأخريات.
استبدَّ بي المآلُ حتى انهدّت كل مسالكُ الآمال التي كنتُ أعرفها، الطريق كله قسَمني بضياعه دون وِصال ومع ذلك بقيتُ مرتهنًا لبلوغٍ أعلم استحالته، وأتقدّم نحو تلك الغاية وإن تدنّست خطواتي بالسراب، فلا شيء يتكفّل بإذابة هذه العبارات المُخمِدة وتشتيتها ولا يُنهي هذا التراكم العالق بي سوى الفناء، وعندها فقط لا أزيد كلمة أخرى على هذه النهاية الحتّمية.
لا أودّ أن أسمع حسيسًا يجعلني أعود لآثار فَزعي الذي لطالما حاولت مرارًا الخلاص منه، أريد أن أمعن النظر فيه دون اكتراثٍ كل يوم حتى وإن بعث لي القلق.
رياحَ ليليةً حادّة تتسلّل عبر شقوق الجدار، تجرحُ مخالبها العنيفة في أضلعي فتُذيب دفء عظامي الواهِنة حتى أغرقُ كاملاً في ارتجافُ الإحتضار، تسعل بشدة في صفحاتُ أيّامي أسماءًا صدّقت يومًا أنها فَنَت وماتت، غير أنها مازالتُ تنمو ببشاعة وحسرةً في أحشاء الذاكرة الغيرُ مَنسيّة، تضجُّ في مسامعي أصوات أموات تتدحرج فوق القبور دون أرواح تعي ثقل هذا الوجود المتقلّب، فيها وجوه مُنهِكة تنسى الرحيل وتحدّق بي بظلام أسود متوحّش!