أنت مَن طوّقني بالأمان حين عصفت الرياح واليقين حين تاهت بي كل الطُّرُق، أحفظ لك الكلمات كما تُحفظ الأمانات، وأردّ لك ابتساماتٍ حين تغيب ُعني سعادتي، لست أرجو شيئًا سِوى دوام حضورك، لأن حضورك يبدّد حزنًا أشعر بوجوده ويزرع في فؤادي بُستانًا مزهرًا.
أبحثُ الآن عن منطقٍ يفتقرُ إلى اليقين الكامل ليوجّهني نحو الثبات المحتوم، فتلتهمني نصفُ يقظةٍ تظهرُ في هيئةٍ صاخبةٍ فترهبُ الأملَ المفرطَ في فجرٍ آخرَ تبعثرتُ فيه، حتى تضجُّ في مسمعي أصداءُ البؤس الذي لطالما سرقَ مني السكينة، فافتقرتُها حتى عُدتُ غريبًا.
الحكيم هو من وعيَ على أن للكلمات ميزانًا أدقّ من ميزان الذهب، فلا يُبدي بكل ما يشكوه في صدره، ولا يسلّم أسراره لريحٍ عاتية، فإنّ زلة البوح قد تصنع خطيئة زاخِرة بالندم حين تُسكب الهموم في أيدٍ لا تكسوها، وهناك فرقٌ شاسع بين رفيقٍ يقتسم معك ثِقلك ليخفّ عنك، وآخر يضاعف وطأتك فيجعل وجعك ثقيلًا عليك!
أُمسكُ قلمي لأصوغَ من هذا الهدوءِ الموحش فنونًا من إفلاتٍ دَثيم، فنونُ الهجرِ الذي يحلو له أن يلبسَ ثوب الأنس والقسوة معًا، وفنونُ الصبرِ الذي تبدو عليه ركودٍ من فهمٍ عميقٍ، وأَمنحَ لسكوتي ثوبَ دفاعٍ مَتين! لا أتنكّرُ لأوجاعي ولا أنكرُ لطفَها حين كانت شمسًا صغيرة تُنقِّي هذا القلب الرَقيق، لكنني أرفضُ أن أحيا على رهقِ انتظارٍ أبديٍّ، أو أن أستثمرَ عمري في مراثٍ تُكرّر نفسها.
أُحاولُ أن أُثبّتَ روحي في موضعٍ لا يتزحزح، أُغريها بالثبات وهي تُراوغني بانسيابٍ عصيّ لا أستطيع الخلاص منه، وفي مهبِّ هذا الليل المُبهم أكتشفُ أنَّ العزلةَ ليست خواءً أبدًا، هي ساحةٌ مُكتظّة بأشباحٍ سوداء تتناوبُ على جسدي مِرارًا وتكرارًا، تقتلعُ من ذاكرتي ما أودعتُه فيها وتزرعُ رمادًا يُحاوطني كل ما حاولت الرحيل.
«أفهم مرة اللي قالته وردة «إنسان لقى نفسه فيك من بعد توهانه» لأن به قلب واحد قادر يمنحك حياة، حياة قادر تلمسها تحسها وتستشعرها تصحى الصبح بإشراقة لأنه معك حَيّ في قلبك، ذكراه تطمنك وجوده دليل لمسرّاتك هذا غير أفعاله وأقواله ومحبته اللي تورد مُحياك وتزهر بجوفك»