#حكايات_وردة🌸
~الجزء الأول~
☆☆☆☆☆
انهمكت وردة على هاتفها الذكي بينما أصابعها النحيلة البيضاء تضغط بسرعة على الشاشة الملساء،
بالرغم من أن كافتيريا الجامعة كانت في أوج ازدحامها عند العاشرة و النصف كانت هي غير عابئة بالزحام الذي يضايقها غالبا لتدافع الشباب على نوافذ الطعام، مرت عدة دقائق و شعرت بشيء بارد على وجهها،
انتبهت أخيرا و ابتسمت لصديقتها التي كانت تحمل عبوة السفن أب و الشطيرتين كالعادة،
جلست قربها و ناولتها حصتها بينما جلست محدقة في المكان المكتظ بالشباب بقلق.
- وردة، لنذهب للإستراحة، المكان مزدحم هنا اليوم.
قالت فاطمة بينما عدلت خمارها الأخضر على كتفها و تفقدت محتويات حقيبتها، تنهدت بضجر لروية وردة منهمكة على هاتفها لتسحبها بالقوة كطفلة و تغادرا كافتيريا الكلية نحو البهو الواسع،
ضربت فاطمة صديقتها بقوة على كتفها و قالت بفظاظة:
- لقد تعبت من مزاحمة الكافتيريا لشراء الطعام كل يوم بينما أنتي ملتصقة بالهاتف هكذا، من الغد فصاعدا لن أشتري لك شيئا لتتعلمي المزاحمة في مكان الشراء مثل بقية الخلق!
زمت وردة شفتيها و نفخت خدها لتبدو كطفلة صغيرة بملامحها البريئة، خبأت هاتفها في حقيبتها لتقول برجاء:
- لكن يا فطوم! أرجوك أرجوك! أنتي تعرفين أنه يراسلني في مثل هذا الوقت كل يوم، و لا أستطيع ألا أرد عليه!
ضيقت فاطمة عينيها و قالت:
- و ما دام حبيب القلب يهتم لك هكذا ألا يعرف أنك تكونين مشغولة في هذ الوقت كل يوم؟ أليس لديه هو الآخر محاضرات؟ أم أنه عاطل و يخدعك؟
أطلقت وردة صيحة منزعجة و قالت:
- إنه ليس حبيب القلب! إنه صديقي! كما أنه ليس عاطلا و أخبرتك مئة مرة أنه يدرس في كلية الهندسة، السنة الرابعة!
أومأت فاطمة بعدم اهتمام لتدخلا للاستراحة و تجلسا مع زميلاتهما في المقاعد، بدأت فاطمة في التهام طعامها بسرعة بينما بدأت وردة بشرب عبوة المياه الغازية،
ابتلعت فاطمة اللقمة بسرعة و قالت:
- لقد أخبرتك يا وردة أن الصداقات الإلكترونية هذه كلام فارغ؛ و جميعهم مخادعون همهم فقط امضاء وقت و قتل ملل مع فتاة تصدقهم و تسليهم.
أضافت فاطمة بحقد:
- جميعهم ذئاب!
ألم تسمعي عن قصة سهام التي سرق الولد من الفيس بوك صورها و أنشأ بها حسابا و هميا و صار يبتزها بها؟
الجميع في النت يكونون وهميين؛ يتصنعون اللطف و الرقة و المرح حتى لو كانوا لئيمين، و ما أن يملوا منك حتى يتركوك و يبحثوا عن أخرى تسليهم،
أتمنى ألا يكون صاحبك هذا مثل هؤلاء، و لتأخذي رأيي فالأفضل أن تتملصي منه و تتركيه من الآن.
هزت وردة رأسها و القت بلفافة الشطيرة الفارغة في أقرب سلة مهملات،
ابتسمت ابتسامة حالمة و قالت:
- إنه مختلف؛ إنه يشبهني و لذلك أثق به.
أعتقد أننا نفكر بالطريقة نفسها، و لنا أفكار مشتركة و حتى أشياء مشتركة في حياة كل منا، و ما دامت صداقة بحدود و كل منا يراعي حدود الأخلاق و الآخر فلا بأس،
أنا أراه إنسانا رائعا مهذبا، و لا اريد أن أخسره.
هزت فاطمة رأسها بخيبة أمل و نظرت لساعة معصمها الرمادية، هبت واقفة و قالت:
- من الافضل أن نذهب للمحاضرة قبل أن يأتي الدكتور.
حدقت وردة عبر زجاج حافلة المواصلات و هي تقطع الكبري نحو أمدرمان و منزلها، بينما الشمس في نهاية النهار تكاد تزول خلف الأفق، أخرجت هاتفها لتتفقد تطبيقها الأخضر المحبب و ترى رسالة صوتية جديدة من عمر:
' ما رأيك أن أتصل بك ؟'
' أنا أحب التواصل بالمكالمات مع أصدقائي الأعزاء، عندما نتحدث دوت رسائل يكون الحديث أجمل، دائما ما أشترك في خدمات المكالمات للتواصل مع أصدقائي،
أتتذكرين تلك الصديقة من السنة الثانية التي أخبرتك عنها؟
كنا نتحدث لساعات بالهاتف كل يوم، الصداقات العميقة فقط تتطلب ذلك، و أتمنى سماع صوتك'
أزدادت ضربات قلبها و هي تستمع لصوته على سماعات هاتفها السوداء بينما تراقب النيل الممتد بشموخ للا نهاية،
ابتسمت و هي تفكر في أن صوته جميل، ليس غليظا أو خشنا حتى، ماذا لو غنى أغنية؟ أو رتل بعضا من آيات الذكر الحكيم بذلك الصوت الآسر؟
أعادها صوت الكمساري للواقع لتتدارك وصول الحافلة لحي المهندسين و تسرع بالنزول قبل تحرك الحافلة مجددا،
أدخلت هاتفها في حقيبتها و عدلت خمارها الأزرق ليغطي ما كاد ينحسر من رأسها ثم أسرعت نحو طريقها المألوف للمنزل،
استمر خافقها بالهيجان و هي تفكر، عمر، و صوت عمر،
لكنها من جهة أخرى لا تستطيع الحديث بالهاتف؛ هي لم تتحدث قط مع رجل في الهاتف غير والدها و خالها عبد الرشيد، و حتى كانت تتعمد ألا ترد على مكالمات أبناء خالها و و أعمامها في هاتف والدتها لتقول كلمة ألو،
ظل داخلها مضطربا و هي لا تدري كيف ترد عليه،
بالنسبة لها فالرسائل مناسبة، لكن ربما يحزن،
وصلت وردة أخيرا لمنزلها، طرقت الباب لتستقبلها أختها الصغرى، أسرعت بتهالك للداخل، ثم ألقت التحية على والدتها و وضعت الحقيبة لصلاة العصر قبل أن يحل المغرب.
حاولت وردة الابتعاد عن هاتفها قدر المستطاع لكي تتمكن من التهرب من عمر قدر الإمكان،
ابتسم
~الجزء الأول~
☆☆☆☆☆
انهمكت وردة على هاتفها الذكي بينما أصابعها النحيلة البيضاء تضغط بسرعة على الشاشة الملساء،
بالرغم من أن كافتيريا الجامعة كانت في أوج ازدحامها عند العاشرة و النصف كانت هي غير عابئة بالزحام الذي يضايقها غالبا لتدافع الشباب على نوافذ الطعام، مرت عدة دقائق و شعرت بشيء بارد على وجهها،
انتبهت أخيرا و ابتسمت لصديقتها التي كانت تحمل عبوة السفن أب و الشطيرتين كالعادة،
جلست قربها و ناولتها حصتها بينما جلست محدقة في المكان المكتظ بالشباب بقلق.
- وردة، لنذهب للإستراحة، المكان مزدحم هنا اليوم.
قالت فاطمة بينما عدلت خمارها الأخضر على كتفها و تفقدت محتويات حقيبتها، تنهدت بضجر لروية وردة منهمكة على هاتفها لتسحبها بالقوة كطفلة و تغادرا كافتيريا الكلية نحو البهو الواسع،
ضربت فاطمة صديقتها بقوة على كتفها و قالت بفظاظة:
- لقد تعبت من مزاحمة الكافتيريا لشراء الطعام كل يوم بينما أنتي ملتصقة بالهاتف هكذا، من الغد فصاعدا لن أشتري لك شيئا لتتعلمي المزاحمة في مكان الشراء مثل بقية الخلق!
زمت وردة شفتيها و نفخت خدها لتبدو كطفلة صغيرة بملامحها البريئة، خبأت هاتفها في حقيبتها لتقول برجاء:
- لكن يا فطوم! أرجوك أرجوك! أنتي تعرفين أنه يراسلني في مثل هذا الوقت كل يوم، و لا أستطيع ألا أرد عليه!
ضيقت فاطمة عينيها و قالت:
- و ما دام حبيب القلب يهتم لك هكذا ألا يعرف أنك تكونين مشغولة في هذ الوقت كل يوم؟ أليس لديه هو الآخر محاضرات؟ أم أنه عاطل و يخدعك؟
أطلقت وردة صيحة منزعجة و قالت:
- إنه ليس حبيب القلب! إنه صديقي! كما أنه ليس عاطلا و أخبرتك مئة مرة أنه يدرس في كلية الهندسة، السنة الرابعة!
أومأت فاطمة بعدم اهتمام لتدخلا للاستراحة و تجلسا مع زميلاتهما في المقاعد، بدأت فاطمة في التهام طعامها بسرعة بينما بدأت وردة بشرب عبوة المياه الغازية،
ابتلعت فاطمة اللقمة بسرعة و قالت:
- لقد أخبرتك يا وردة أن الصداقات الإلكترونية هذه كلام فارغ؛ و جميعهم مخادعون همهم فقط امضاء وقت و قتل ملل مع فتاة تصدقهم و تسليهم.
أضافت فاطمة بحقد:
- جميعهم ذئاب!
ألم تسمعي عن قصة سهام التي سرق الولد من الفيس بوك صورها و أنشأ بها حسابا و هميا و صار يبتزها بها؟
الجميع في النت يكونون وهميين؛ يتصنعون اللطف و الرقة و المرح حتى لو كانوا لئيمين، و ما أن يملوا منك حتى يتركوك و يبحثوا عن أخرى تسليهم،
أتمنى ألا يكون صاحبك هذا مثل هؤلاء، و لتأخذي رأيي فالأفضل أن تتملصي منه و تتركيه من الآن.
هزت وردة رأسها و القت بلفافة الشطيرة الفارغة في أقرب سلة مهملات،
ابتسمت ابتسامة حالمة و قالت:
- إنه مختلف؛ إنه يشبهني و لذلك أثق به.
أعتقد أننا نفكر بالطريقة نفسها، و لنا أفكار مشتركة و حتى أشياء مشتركة في حياة كل منا، و ما دامت صداقة بحدود و كل منا يراعي حدود الأخلاق و الآخر فلا بأس،
أنا أراه إنسانا رائعا مهذبا، و لا اريد أن أخسره.
هزت فاطمة رأسها بخيبة أمل و نظرت لساعة معصمها الرمادية، هبت واقفة و قالت:
- من الافضل أن نذهب للمحاضرة قبل أن يأتي الدكتور.
حدقت وردة عبر زجاج حافلة المواصلات و هي تقطع الكبري نحو أمدرمان و منزلها، بينما الشمس في نهاية النهار تكاد تزول خلف الأفق، أخرجت هاتفها لتتفقد تطبيقها الأخضر المحبب و ترى رسالة صوتية جديدة من عمر:
' ما رأيك أن أتصل بك ؟'
' أنا أحب التواصل بالمكالمات مع أصدقائي الأعزاء، عندما نتحدث دوت رسائل يكون الحديث أجمل، دائما ما أشترك في خدمات المكالمات للتواصل مع أصدقائي،
أتتذكرين تلك الصديقة من السنة الثانية التي أخبرتك عنها؟
كنا نتحدث لساعات بالهاتف كل يوم، الصداقات العميقة فقط تتطلب ذلك، و أتمنى سماع صوتك'
أزدادت ضربات قلبها و هي تستمع لصوته على سماعات هاتفها السوداء بينما تراقب النيل الممتد بشموخ للا نهاية،
ابتسمت و هي تفكر في أن صوته جميل، ليس غليظا أو خشنا حتى، ماذا لو غنى أغنية؟ أو رتل بعضا من آيات الذكر الحكيم بذلك الصوت الآسر؟
أعادها صوت الكمساري للواقع لتتدارك وصول الحافلة لحي المهندسين و تسرع بالنزول قبل تحرك الحافلة مجددا،
أدخلت هاتفها في حقيبتها و عدلت خمارها الأزرق ليغطي ما كاد ينحسر من رأسها ثم أسرعت نحو طريقها المألوف للمنزل،
استمر خافقها بالهيجان و هي تفكر، عمر، و صوت عمر،
لكنها من جهة أخرى لا تستطيع الحديث بالهاتف؛ هي لم تتحدث قط مع رجل في الهاتف غير والدها و خالها عبد الرشيد، و حتى كانت تتعمد ألا ترد على مكالمات أبناء خالها و و أعمامها في هاتف والدتها لتقول كلمة ألو،
ظل داخلها مضطربا و هي لا تدري كيف ترد عليه،
بالنسبة لها فالرسائل مناسبة، لكن ربما يحزن،
وصلت وردة أخيرا لمنزلها، طرقت الباب لتستقبلها أختها الصغرى، أسرعت بتهالك للداخل، ثم ألقت التحية على والدتها و وضعت الحقيبة لصلاة العصر قبل أن يحل المغرب.
حاولت وردة الابتعاد عن هاتفها قدر المستطاع لكي تتمكن من التهرب من عمر قدر الإمكان،
ابتسم
ت بتوتر و هي تضع الهاتف على وضع الطيران، ثم أخرجت دفتر المحاضرات لمراجعة محاضرة الدكتورة علياء لليوم و البحث في المرجع عن النقاط التي ذكرها الأستاذ اللئيم و طلب منهم كتابة واجب بعشر صفحات عنه،
أخرجت أقلامها و فردتها أمامها لتباشر دراستها محاولة تناسي رسالة عمر لبعض الوقت.
أنهت وردة واجباتها أخيرا ثم أسرعت لهاتفها و قامت بفتحه،
زمت شفتيها مفكرة لبرهة ثم شرعت في كتابة رد على رسالة عمر:
' تلك تبدو فكرة جيدة، أنا ايضا أرى أن الإتصال يكون للأصدقاء الأعزاء، فها أنا الآن أتصل بفاطمة كل يوم حتى تمل مني و تغلق الخط'
' أنا لا أقصد شيئا لكنني لا أستطيع الحديث مع الرجال في مكالمة- عدا أبي و خالي- لأنني لست معتادة على ذلك،
لذلك أرجوك أن تجعل تواصلنا بالرسائل فقط،
و أيضا التسجيل الصوتي لدي معطل في الهاتف، حالما أصلحه يمكنني أن أرسل رسائل صوتية'
' بالمناسبة، صوتك جميل♥ هل جربت أن تغني من قبل أو تسجل نصا ؟'
زفرت وردة ببطء و هي تنظر في محادثة واتساب بترقب لرؤية علامة الاستقبال أو القراءة، ازدادت ضربات قلبها عند روية كلمة *متصل* و العلامات الزرقاء للقراءة ثم *يكتب*
لتظهر لها عدة وجوه صفراء ضاحكة على آخر رسالة أرسلتها،
كتب بعدها:
' الكثيرون يقولون لي ذلك، مع أنه صوت عادي،
أنا لا أستمع للأغاني كثيرا، و تعرفين كل أخواني أنصار سنة و لو غنيت في المنزل سأكون كأنني كافر'
ضحكت وردة بخفة بينما تراقب شاشتها بحماس و تقرأ:
' حقا؟ أنا أحترم رأيك، لكن حقا المكالمات ضرورية بين الأصدقاء، فكري في الأمر، حسنا؟ و عندما تكونين مستعدة سأتصل بك'
' أنتي تتذكرين، لقد أخبرتك، أنا لم يسبق لي الخروج مع فتاة أبدا، عدا لو كان لخدمة أو شيء مشابه، أحتفظ بذلك للإنسانة المناسبة. لذلك لا تعتقدي أنني سأطلب منك أن نتقابل لو صرنا نتواصل بالإتصالات، أنا على قدر ما قلته لك و لا أكن لك أي سوء، بل لأنكي صرتي من أفضل أصدقائي أريد لعلاقتنا أن تكون متينة'
زفرت وردة لتجيب:
' حسنا، أجل أنا أعرف ذلك و لا أفكر بسوء، الأمر متعلق فقط بعدم تقبلي للفكرة و اعتيادي عليها'
ابتسمت لتستلقي على الفراش و تكتب:
- ذاهبة لمراجعة بعض الدروس مع أختي ثم غسل أواني الغداء، ماذا تفعل الآن؟'
ابتسمت وردة بحماس و هي ترى عبارة *جاري تسجيل رسالة صوتية* لتنتظر لدقيقة ثم تهرع لوضع سماعاتها على أذنيها،
عضت شفتيها محاولة كبت سعادتها و هي تستمع لصوت عمر الجميل و أصوات بعيدة لما يبدو سيارات أو شارع،
ثم قال:
' أتمشى، أحب أن أتمشى بعد تناول الطعام و خصوصا العشاء، الشارع في الليل جميل و الهواء عليل يشرح الصدر'
أرسلت وردة وجوها ضاحكة و كتبت:
' لكي لا تصير بدينا أليس كذلك؟ '
' آخ لطالما تمنيت المشي في الشارع هكذا مثل الأولاد، ذلك يبدو مريحا و رائعا حقا...لكن انتبع للنيقرز أو ماذا لا أدري.
آه سأذهب الآن، تصبح على خير'
ضاقت عيناها عند رؤية الملصق على شكل دحاجة لتفهم سخريته و ترسل له وجه خنزير ثم تغلق التطبيق،
ابتسمت بسعادة و وضعت الهاتف جانبا لتذهب لأختها سمر الجالسة لإمتحانات الشهادة السودانية و تدفع باب الغرفة بلطف،
اقتربت لتحيط أختها الصغيرة المنكبة على كتبها من الخلف و تهتف بسعادة:
- كيف كانت حصة الكيمياء اليوم؟
هل أعجب تعبيرك في الإنحليزية الأستاذ وليد؟
~ نتلاقى قريبا♡ ~
أخرجت أقلامها و فردتها أمامها لتباشر دراستها محاولة تناسي رسالة عمر لبعض الوقت.
أنهت وردة واجباتها أخيرا ثم أسرعت لهاتفها و قامت بفتحه،
زمت شفتيها مفكرة لبرهة ثم شرعت في كتابة رد على رسالة عمر:
' تلك تبدو فكرة جيدة، أنا ايضا أرى أن الإتصال يكون للأصدقاء الأعزاء، فها أنا الآن أتصل بفاطمة كل يوم حتى تمل مني و تغلق الخط'
' أنا لا أقصد شيئا لكنني لا أستطيع الحديث مع الرجال في مكالمة- عدا أبي و خالي- لأنني لست معتادة على ذلك،
لذلك أرجوك أن تجعل تواصلنا بالرسائل فقط،
و أيضا التسجيل الصوتي لدي معطل في الهاتف، حالما أصلحه يمكنني أن أرسل رسائل صوتية'
' بالمناسبة، صوتك جميل♥ هل جربت أن تغني من قبل أو تسجل نصا ؟'
زفرت وردة ببطء و هي تنظر في محادثة واتساب بترقب لرؤية علامة الاستقبال أو القراءة، ازدادت ضربات قلبها عند روية كلمة *متصل* و العلامات الزرقاء للقراءة ثم *يكتب*
لتظهر لها عدة وجوه صفراء ضاحكة على آخر رسالة أرسلتها،
كتب بعدها:
' الكثيرون يقولون لي ذلك، مع أنه صوت عادي،
أنا لا أستمع للأغاني كثيرا، و تعرفين كل أخواني أنصار سنة و لو غنيت في المنزل سأكون كأنني كافر'
ضحكت وردة بخفة بينما تراقب شاشتها بحماس و تقرأ:
' حقا؟ أنا أحترم رأيك، لكن حقا المكالمات ضرورية بين الأصدقاء، فكري في الأمر، حسنا؟ و عندما تكونين مستعدة سأتصل بك'
' أنتي تتذكرين، لقد أخبرتك، أنا لم يسبق لي الخروج مع فتاة أبدا، عدا لو كان لخدمة أو شيء مشابه، أحتفظ بذلك للإنسانة المناسبة. لذلك لا تعتقدي أنني سأطلب منك أن نتقابل لو صرنا نتواصل بالإتصالات، أنا على قدر ما قلته لك و لا أكن لك أي سوء، بل لأنكي صرتي من أفضل أصدقائي أريد لعلاقتنا أن تكون متينة'
زفرت وردة لتجيب:
' حسنا، أجل أنا أعرف ذلك و لا أفكر بسوء، الأمر متعلق فقط بعدم تقبلي للفكرة و اعتيادي عليها'
ابتسمت لتستلقي على الفراش و تكتب:
- ذاهبة لمراجعة بعض الدروس مع أختي ثم غسل أواني الغداء، ماذا تفعل الآن؟'
ابتسمت وردة بحماس و هي ترى عبارة *جاري تسجيل رسالة صوتية* لتنتظر لدقيقة ثم تهرع لوضع سماعاتها على أذنيها،
عضت شفتيها محاولة كبت سعادتها و هي تستمع لصوت عمر الجميل و أصوات بعيدة لما يبدو سيارات أو شارع،
ثم قال:
' أتمشى، أحب أن أتمشى بعد تناول الطعام و خصوصا العشاء، الشارع في الليل جميل و الهواء عليل يشرح الصدر'
أرسلت وردة وجوها ضاحكة و كتبت:
' لكي لا تصير بدينا أليس كذلك؟ '
' آخ لطالما تمنيت المشي في الشارع هكذا مثل الأولاد، ذلك يبدو مريحا و رائعا حقا...لكن انتبع للنيقرز أو ماذا لا أدري.
آه سأذهب الآن، تصبح على خير'
ضاقت عيناها عند رؤية الملصق على شكل دحاجة لتفهم سخريته و ترسل له وجه خنزير ثم تغلق التطبيق،
ابتسمت بسعادة و وضعت الهاتف جانبا لتذهب لأختها سمر الجالسة لإمتحانات الشهادة السودانية و تدفع باب الغرفة بلطف،
اقتربت لتحيط أختها الصغيرة المنكبة على كتبها من الخلف و تهتف بسعادة:
- كيف كانت حصة الكيمياء اليوم؟
هل أعجب تعبيرك في الإنحليزية الأستاذ وليد؟
~ نتلاقى قريبا♡ ~
قصص بنفسج 💜 pinned «#حكايات_وردة🌸 ~الجزء الأول~ ☆☆☆☆☆ انهمكت وردة على هاتفها الذكي بينما أصابعها النحيلة البيضاء تضغط بسرعة على الشاشة الملساء، بالرغم من أن كافتيريا الجامعة كانت في أوج ازدحامها عند العاشرة و النصف كانت هي غير عابئة بالزحام الذي يضايقها غالبا لتدافع الشباب…»
حكايات وردة 🌸
~الجزء الثاني~
ابتسمت وردة بحبور و هي تتنشق النسيم العليل لصباحات السادسة بعد طلوع الشمس، بينما تنتظر كالعادة في طريق المواصلات و تتأمل الشوارع الخالية من البشر و زحام السيارات،
رفعت يدها بشدة عند اقتراب الحافلة على الطريق، لتتوقف و تسير مسرعة لتجلس على مقعد خال و تراقب الطريق مجددا بابتسامة واسعة.
أخرجت هاتفها و بدأت بتصفحه بينما الحافلة تجري على الكبري نحو الخرطوم و كليتها، فتحت تطبيقها الأخضر و بدأت الرسائل بالإنهمار على جهازها، طرفت بين رموشها مندهشة و دخلت لرؤية رسائل مجموعة الدفعة على الواتس آب،
حيث رسالة مثبتة في الأعلى تفيد بأن محاضرات اليوم ملغية.
أطلقت وردة صرخة يائسة و همت برمي الهاتف من النافذة، و بدأت بترديد بعض عبارات السباب و هي تغمغم بغضب:
- اللعنة على الجامعة و على أيام الجامعة و سنين الجامعة و اليوم الذي...
انتبهت وردة لنفسها و وجدت بعض الوجوه التي تتابعها بفضول و استغراب، لتنكمش على نفسها بإحراج بالغ و تتجه نحو النافذة لتجنب نظرات الركاب، رفعت الهاتف و كتبت في المجموعة مع جموع زمائلها الغاضبين:
- لماذا لا تخبروننا بهذه الأخبار منذ الليل؟
الآن أنا في المواصلات و كدت أن أصل حتى، و تسمي نفسك منسق دفعة يا محمد؟ أنت دائما ما تخبرنا بالأشياء في ساعة الصفر، بعد أن يقع الفأس في الرأس.
قرأت وردة بعض الرسائل الغاضبة كذلك و التي تهجو منسق الدفعة كالعادة، لتجيبها سهام على رسالتها:
' لا بد أنه نائم الآن يحلم و نحن نتشحطط في المواصلات من صبح الرحمن، لقد اعتدنا على هذا بالفعل.
تذكرت وردة صديقتها فاطمة لتسارع بالاتصال عليها و سماع صوت الرنين للحظات، جاءها صوت فاطمة المستعجل:
- أجل أجل أنا في باب الشارع، سأكون في الكلية خلال نصف ساعة و أتمنى ألا يأتي الأستاذ مالك مبكرا.
ابتسمت وردة بمرارة و قالت:
- لا يوجد شيء، لا تخرجي، لقد تم إلغاء المحاضرات لليوم، لقد رأيت ذلك في قروب الواتس آب للتو، لكنني للأسف في المواصلات.
تنهدت فاطمة بارتياح و أردفت بسعادة:
- الحمد لله! سأكمل نومي بمزاج اليوم! شكرا على الإنقاذ وردتي! أنتي أيضا عودي للمنزل، فما زال الصباح في أوله.
- حسنا سأعود لكن بعد شراء بيرغر من كافتيريا الجامعة، سلام!
هتفت فاطمة بلهجة مؤنبة:
- أكل السوسة و العافية مدسوسة!
ابتسمت وردة و دست هاتفها في حقيبتها، و ترجلت في موقف الإستاد مع بقية الركاب، ثم سارعت خطاها نحو السنتر حيث كليتها الحبيبة التي تذوق فيها المرار كل يوم.
اسرعت في طريقها للسنتر، و على طول الطريق حتى وصلت للكلية ذات المباني العريقة التي خط على واجهتها بشكل عريض واضح:
( جامعة النيلين، كلية الطب)
دلفت عبر البوابة و راقبت الساحة الشبه فارغة من الطلاب، ساقتها قدماها مباشرة لمكانها المفضل -الإستراحة- حيث تمت صيانتها مؤخرا و زودت بعدد من المقاعد المريحة و أجهزة التكييف الجديدة،
دلفت و خلعت حذائها، لتلاحظ سهام مستلقية في الركن تتصفح هاتفها، اتجهت نحوها بسرعة و عانقتها بحرارة.
مسحت سهام عينيها الناعستين و قالت:
- كنت على وشك النوم، المكان هنا مريح حقا.
- ألن تعودي للمنزل إذا؟
تجعدت جبهة سهام و حركت يدها في الهواء كمن يهش ذبابة، ثم أجابت باستنكار:
- بالطبع لا! ما يزال الوقت باكرا على العودة للمنزل، أريد الذهاب لجاكسون بما أن اليوم شاغر و أشتري حقيبة و حذاء جديدين، بدلا من أن تكون خروجة بلا فائدة.
أومأت وردة و قالت بينما الابتسامة لم تبارح شفتيها:
- سيعود أبي من السفر غدا ان شاء الله، لقد اشتقت له كثيرا!
حسنا يمكنني الحضور معك، أريد شراء قميص جديد لي و دفتر كبير لوعد.
طغا الانشراح على وجه سهام و قالت:
- حقا! هذا رائع! يصل بالسلامة!
أجل وعد المسكينة... ربنا يوفقها في امتحاناتها، ستحرز مجموعا عاليا ان شاء الله.
أومأت وردة باسمة و جلست برفقة سهام تتحادثان عما تودان شراءه من السوق، تذكرت وردة حديثها البارحة مع فاطمة عن الولد الذي خدع سهام و سرق صورتها في الفيسبوك، اجتاح مزيح من المرارة و التوتر معدتها و هي تفكر في صديقها الجديد عمر، و جزء منها أراد استشارة سهام بما أنها من اللائي ترتاح لهن بعد فاطمة، تنفست مبعدة جزءا من قلقها ثم سألت سهام بتردد:
- سهام.. ما رأيك بالصداقات الالكترونية؟ هل تعتقدين بأنه من الممكن وجود أشخاص جيدين هناك؟
لقد تعرفت على شاب قبل فترة، و هو خلوق و مهذب، لكنه طلب مني قبل وقت ليس ببعيد أن نتواصل بالهاتف..
استدارت سهام بكامل جسدها نحو وردة باهتمام بالغ و قالت بحاجبين مرفوعين دهشة:
- وردة؟ هل صادقتي ولدا؟
هزت وردة رأسها ببطء لتنفجر سهام ضاحكة بينما تردد:
- لقد كبرتي يا صغيرتي! لقد كبرتي أخيرا و ها قد صرتي تنظرين للحياة، فخورة بك!
نفخت وردة خديها بغضب و رفعت سبابتها مهددة:
- لو لم تتوقفي سأعود الآن للمنزل و لن أتكلم معك مجددا.
أومأت سهام بينما خفتت ضحكتها، ثم عادت الجدية لوجهها و قالت:
- إذا .. كم عمره؟ و م
~الجزء الثاني~
ابتسمت وردة بحبور و هي تتنشق النسيم العليل لصباحات السادسة بعد طلوع الشمس، بينما تنتظر كالعادة في طريق المواصلات و تتأمل الشوارع الخالية من البشر و زحام السيارات،
رفعت يدها بشدة عند اقتراب الحافلة على الطريق، لتتوقف و تسير مسرعة لتجلس على مقعد خال و تراقب الطريق مجددا بابتسامة واسعة.
أخرجت هاتفها و بدأت بتصفحه بينما الحافلة تجري على الكبري نحو الخرطوم و كليتها، فتحت تطبيقها الأخضر و بدأت الرسائل بالإنهمار على جهازها، طرفت بين رموشها مندهشة و دخلت لرؤية رسائل مجموعة الدفعة على الواتس آب،
حيث رسالة مثبتة في الأعلى تفيد بأن محاضرات اليوم ملغية.
أطلقت وردة صرخة يائسة و همت برمي الهاتف من النافذة، و بدأت بترديد بعض عبارات السباب و هي تغمغم بغضب:
- اللعنة على الجامعة و على أيام الجامعة و سنين الجامعة و اليوم الذي...
انتبهت وردة لنفسها و وجدت بعض الوجوه التي تتابعها بفضول و استغراب، لتنكمش على نفسها بإحراج بالغ و تتجه نحو النافذة لتجنب نظرات الركاب، رفعت الهاتف و كتبت في المجموعة مع جموع زمائلها الغاضبين:
- لماذا لا تخبروننا بهذه الأخبار منذ الليل؟
الآن أنا في المواصلات و كدت أن أصل حتى، و تسمي نفسك منسق دفعة يا محمد؟ أنت دائما ما تخبرنا بالأشياء في ساعة الصفر، بعد أن يقع الفأس في الرأس.
قرأت وردة بعض الرسائل الغاضبة كذلك و التي تهجو منسق الدفعة كالعادة، لتجيبها سهام على رسالتها:
' لا بد أنه نائم الآن يحلم و نحن نتشحطط في المواصلات من صبح الرحمن، لقد اعتدنا على هذا بالفعل.
تذكرت وردة صديقتها فاطمة لتسارع بالاتصال عليها و سماع صوت الرنين للحظات، جاءها صوت فاطمة المستعجل:
- أجل أجل أنا في باب الشارع، سأكون في الكلية خلال نصف ساعة و أتمنى ألا يأتي الأستاذ مالك مبكرا.
ابتسمت وردة بمرارة و قالت:
- لا يوجد شيء، لا تخرجي، لقد تم إلغاء المحاضرات لليوم، لقد رأيت ذلك في قروب الواتس آب للتو، لكنني للأسف في المواصلات.
تنهدت فاطمة بارتياح و أردفت بسعادة:
- الحمد لله! سأكمل نومي بمزاج اليوم! شكرا على الإنقاذ وردتي! أنتي أيضا عودي للمنزل، فما زال الصباح في أوله.
- حسنا سأعود لكن بعد شراء بيرغر من كافتيريا الجامعة، سلام!
هتفت فاطمة بلهجة مؤنبة:
- أكل السوسة و العافية مدسوسة!
ابتسمت وردة و دست هاتفها في حقيبتها، و ترجلت في موقف الإستاد مع بقية الركاب، ثم سارعت خطاها نحو السنتر حيث كليتها الحبيبة التي تذوق فيها المرار كل يوم.
اسرعت في طريقها للسنتر، و على طول الطريق حتى وصلت للكلية ذات المباني العريقة التي خط على واجهتها بشكل عريض واضح:
( جامعة النيلين، كلية الطب)
دلفت عبر البوابة و راقبت الساحة الشبه فارغة من الطلاب، ساقتها قدماها مباشرة لمكانها المفضل -الإستراحة- حيث تمت صيانتها مؤخرا و زودت بعدد من المقاعد المريحة و أجهزة التكييف الجديدة،
دلفت و خلعت حذائها، لتلاحظ سهام مستلقية في الركن تتصفح هاتفها، اتجهت نحوها بسرعة و عانقتها بحرارة.
مسحت سهام عينيها الناعستين و قالت:
- كنت على وشك النوم، المكان هنا مريح حقا.
- ألن تعودي للمنزل إذا؟
تجعدت جبهة سهام و حركت يدها في الهواء كمن يهش ذبابة، ثم أجابت باستنكار:
- بالطبع لا! ما يزال الوقت باكرا على العودة للمنزل، أريد الذهاب لجاكسون بما أن اليوم شاغر و أشتري حقيبة و حذاء جديدين، بدلا من أن تكون خروجة بلا فائدة.
أومأت وردة و قالت بينما الابتسامة لم تبارح شفتيها:
- سيعود أبي من السفر غدا ان شاء الله، لقد اشتقت له كثيرا!
حسنا يمكنني الحضور معك، أريد شراء قميص جديد لي و دفتر كبير لوعد.
طغا الانشراح على وجه سهام و قالت:
- حقا! هذا رائع! يصل بالسلامة!
أجل وعد المسكينة... ربنا يوفقها في امتحاناتها، ستحرز مجموعا عاليا ان شاء الله.
أومأت وردة باسمة و جلست برفقة سهام تتحادثان عما تودان شراءه من السوق، تذكرت وردة حديثها البارحة مع فاطمة عن الولد الذي خدع سهام و سرق صورتها في الفيسبوك، اجتاح مزيح من المرارة و التوتر معدتها و هي تفكر في صديقها الجديد عمر، و جزء منها أراد استشارة سهام بما أنها من اللائي ترتاح لهن بعد فاطمة، تنفست مبعدة جزءا من قلقها ثم سألت سهام بتردد:
- سهام.. ما رأيك بالصداقات الالكترونية؟ هل تعتقدين بأنه من الممكن وجود أشخاص جيدين هناك؟
لقد تعرفت على شاب قبل فترة، و هو خلوق و مهذب، لكنه طلب مني قبل وقت ليس ببعيد أن نتواصل بالهاتف..
استدارت سهام بكامل جسدها نحو وردة باهتمام بالغ و قالت بحاجبين مرفوعين دهشة:
- وردة؟ هل صادقتي ولدا؟
هزت وردة رأسها ببطء لتنفجر سهام ضاحكة بينما تردد:
- لقد كبرتي يا صغيرتي! لقد كبرتي أخيرا و ها قد صرتي تنظرين للحياة، فخورة بك!
نفخت وردة خديها بغضب و رفعت سبابتها مهددة:
- لو لم تتوقفي سأعود الآن للمنزل و لن أتكلم معك مجددا.
أومأت سهام بينما خفتت ضحكتها، ثم عادت الجدية لوجهها و قالت:
- إذا .. كم عمره؟ و م
اذا يعمل أو يدرس؟ و كيف يتحدث معك؟ اي كيف هو أسلوبه في الحديث؟ و أين عرفك أول مرة؟
أطرقت وردة مفكرة لهنية، ثم قالت :
- عمره اثنان و عشرون، يدرس هندسة كهربائية في الجنوبي، امم أعتقد أنه يبدو لطيفا و مرحا و أرتاح للحديث معه، كما أنه اجتماعي كثيرا و لديه عدد كبير من الأصدقاء سواء في الواقع أو عبر مواقع التواصل، أذكر أنني صادفته أول مرة في موقع للألعاب و تناقشت معه عن لعبة مغامرات، ثم تحدثنا أكثر.
وضعت سهام يدها على ذقنها مفكرة ثم قالت:
- لا أستطيع أن أجزم لك لو كان سيئا أم جيدا، لكن الأمر يعتمد عليك، إن كنتي تشعرين بالاطمئنان أم لا.
شبكت سهام يديها و أكملت:
- فكما تعرفين، لقد صادقت الكثيرين في الفيسبوك، بحكم أنني أنشر صوري و الكثيرون يمرون بها و يعجبون بي، و مر علي عدد من الأشخاص، يكونون لطيفين في البداية و مرحين و مهتمين، ثم شيئا فشيئا يطلبون رقم هاتفك، ثم اتصالا، ثم يقولون انهم يحبونك و يريدون صورة، ثم لقاء.
ابتلعت وردة ريقها بتوتر و قالت سهام مستدركة:
- قلتي الجنوبي؟ هل لديك صورة له؟
أومأت وردة لتهتف سهام بحبور:
- إنه أسبوع المهندس! هيا لنذهب قد نراه هناك!
لدي صديق لأخي محمد يدرس هناك أيضا، سأحتال عليه و يعطينا الأنمي مجانا!
غزت الحمرة وجه وردة و هتفت بسرعة:
- لا لا لا، مستحيل! كيف نذهب هناك لنراه؟!
أنا لم ارسل له صورة لي و لا حادثته بتسجيل، فكيف أذهب و أتحدث معه وجها لوجه؟!
رمقت سهام صديقتها المتوترة بابتسامة مستمتعة و قالت:
- لن تتحدثي معه أيتها الحمقاء! أنتي تعرفين شكله و اسمه، و ذلك كاف. أريد أن أراه عن قرب؛ لدي حدس قوي تجاه الناس و يمكنني تخمين لو كان صائعا أو مهذبا، كما أنني متشوقة لرؤية من نجح في مصادقة وردتنا.
و أضافت سهام بينما تبحث في حقيبتها الظهرية و تسحب الحاسب المحمول:
- و انظري، لقد أحضرت معي حاسبي، يمكننا شراء بعض الأنمي، و سأحوله لك في ذاكرتك الخارجية.
زمت وردة شفتيها مفكرة في عرض سهام ثم قالت مستسلمة:
- حسنا... سنذهب من أجل الأنمي فقط.
هتفت سهام بسعادة و رتبت حقيبتها بسرعة بعدما تأكدت من مكياج وجهها، و سارعت بسحب وردة معها قبل أن تغير رأيها و تهرب منها.
دست وردة طعامها في حقيبتها بينما قضمت سهام آخر لقمة و رمت بقايا الورق في السلة، خرجتا من الكافتيريا لتقول سهام باستغراب:
- لماذا لم تتناولي طعامك؟ سيبرد حتى نصل.
رمقت وردة سهام بحقد و أجابت بوجوم:
- و كيف أستطيع تناول الطعام ؟ أشعر بألم في معدتي كلما فكرت فيم سأفعله بسببك، ماذا لو وجدناه و عرفني بطريقة ما؟ كيف سأتصرف؟
أطلقت سهام ضحكة عالية لتلكزها وردة و تهمس لها أنهما في الشارع، أومأت سهام و أجابت:
- لا عليك أيتها الجبانة، لن يعرفك لأنه لا يعرف شكلك أو صوتك. و أيضا ألم تفكري بأننا قد لا نجده حتى؟
إنه خريج، و الأغلبية يكونون مشغولين بأعمال التخرج و احتمال كبير أن لا يكون قد ذهب اليوم، هيا ابعدي هذا القلق و كأنك ذاهبة لتتزوجيه.
قهقهت سهام بشماتة بعد تلقيها ضربة على كتفها من وردة، تنهدت وردة و شجعت نفسها، ثم أسرعت برفقة سهام وسط زحام الناس.
ركبت وردة الحافلة مع صديقتها بينما أجالت نظرها في المكان بتوتر، شدت خمار رأسها الزهري لتعدله و مالت برأسها لتهمس لسهام:
- هل تعرفين المكان؟ أنا لا أريد أن أضيع!
أومأت سهام بابتسامة و قالت بينما تتصفح هاتفها:
- أجل، أنا أعرف كل مكان في الخرطوم، و لقد ذهبت مرة مع أخي، أعرف أين ننزل.
أومأت وردة مرتاحة و استرخت على مقعدها ثم أخرجت هاتفها، كانت الساعة حوالي التاسعة صباحا،
قامت بفتح تطبيقها الأخضر لتجد مجموعة من رسائل مجموعة الدفعة التي تهجو المنسق، و رسالة من ابنة خالها عبير تخبرها فيها بأنهم سيحضرون لمنزل العائلة في الغد، ابتسمت وردة و كتبت لها متشوقة للغد و أنها افتقدتها كثيرا،
لاحظت رسالة أخرى من عمر،
تنفست بعمق ثم ردت على تصبيحته:
'صباح النور، هل لديك دوام اليوم؟ '
مكثت وردة لبرهة ثم لاحظت علامة القراءة ثم يكتب، ازدادت ضربات قلبها حين قرأت:
' لا، لكنني جئت لرؤية ختام أسبوع المهندس، أريد بعض الأفلام الجديدة'
ابتلعت وردة ريقها و حاولت تهدئة نفسها، ثم كتبت بسرعة:
' إذا، أنت هناك؟'
ظهرت لها عدة وجوه صفراء مفكرة ثم رده:
' أجل بالطبع سأكون هناك، هل ستأتين؟ سيكون ذلك رائعا!
سأحول لك كل الأفلام التي أخبرتك عنها!'
كادت وردة أن تصيح لكنها تمالكت أعصابها و كتبت:
' لا بالطبع، لدينا مشرحة بعد قليل مع الأستاذ مالك، للأسف'
' ياللخسارة! لو جئت لحولت لك بعض الأنمي و فلم كوكو الذي لم تشاهديه.. تعلمين أحضرت معي جهازي اليوم و الاكسترنال'
كتبت وردة بسرعة:
' حسنا يكفي إغاظة لي، وداعا و استمتع بيومك'
أغلقت وردة هاتفها بيدين مرتعشتين و دسته في حقيبتها، أسندت وجهها لكفيها ثم توجهت لسهام و هزتها قائلة برجاء:
- أرجوك يا سهام، فالنعد! لا رغبة لي بمشاهدة الأنمي!
التفتت سهام باستغراب ثم تحولت ملامحها لابتسامة كبيرة
أطرقت وردة مفكرة لهنية، ثم قالت :
- عمره اثنان و عشرون، يدرس هندسة كهربائية في الجنوبي، امم أعتقد أنه يبدو لطيفا و مرحا و أرتاح للحديث معه، كما أنه اجتماعي كثيرا و لديه عدد كبير من الأصدقاء سواء في الواقع أو عبر مواقع التواصل، أذكر أنني صادفته أول مرة في موقع للألعاب و تناقشت معه عن لعبة مغامرات، ثم تحدثنا أكثر.
وضعت سهام يدها على ذقنها مفكرة ثم قالت:
- لا أستطيع أن أجزم لك لو كان سيئا أم جيدا، لكن الأمر يعتمد عليك، إن كنتي تشعرين بالاطمئنان أم لا.
شبكت سهام يديها و أكملت:
- فكما تعرفين، لقد صادقت الكثيرين في الفيسبوك، بحكم أنني أنشر صوري و الكثيرون يمرون بها و يعجبون بي، و مر علي عدد من الأشخاص، يكونون لطيفين في البداية و مرحين و مهتمين، ثم شيئا فشيئا يطلبون رقم هاتفك، ثم اتصالا، ثم يقولون انهم يحبونك و يريدون صورة، ثم لقاء.
ابتلعت وردة ريقها بتوتر و قالت سهام مستدركة:
- قلتي الجنوبي؟ هل لديك صورة له؟
أومأت وردة لتهتف سهام بحبور:
- إنه أسبوع المهندس! هيا لنذهب قد نراه هناك!
لدي صديق لأخي محمد يدرس هناك أيضا، سأحتال عليه و يعطينا الأنمي مجانا!
غزت الحمرة وجه وردة و هتفت بسرعة:
- لا لا لا، مستحيل! كيف نذهب هناك لنراه؟!
أنا لم ارسل له صورة لي و لا حادثته بتسجيل، فكيف أذهب و أتحدث معه وجها لوجه؟!
رمقت سهام صديقتها المتوترة بابتسامة مستمتعة و قالت:
- لن تتحدثي معه أيتها الحمقاء! أنتي تعرفين شكله و اسمه، و ذلك كاف. أريد أن أراه عن قرب؛ لدي حدس قوي تجاه الناس و يمكنني تخمين لو كان صائعا أو مهذبا، كما أنني متشوقة لرؤية من نجح في مصادقة وردتنا.
و أضافت سهام بينما تبحث في حقيبتها الظهرية و تسحب الحاسب المحمول:
- و انظري، لقد أحضرت معي حاسبي، يمكننا شراء بعض الأنمي، و سأحوله لك في ذاكرتك الخارجية.
زمت وردة شفتيها مفكرة في عرض سهام ثم قالت مستسلمة:
- حسنا... سنذهب من أجل الأنمي فقط.
هتفت سهام بسعادة و رتبت حقيبتها بسرعة بعدما تأكدت من مكياج وجهها، و سارعت بسحب وردة معها قبل أن تغير رأيها و تهرب منها.
دست وردة طعامها في حقيبتها بينما قضمت سهام آخر لقمة و رمت بقايا الورق في السلة، خرجتا من الكافتيريا لتقول سهام باستغراب:
- لماذا لم تتناولي طعامك؟ سيبرد حتى نصل.
رمقت وردة سهام بحقد و أجابت بوجوم:
- و كيف أستطيع تناول الطعام ؟ أشعر بألم في معدتي كلما فكرت فيم سأفعله بسببك، ماذا لو وجدناه و عرفني بطريقة ما؟ كيف سأتصرف؟
أطلقت سهام ضحكة عالية لتلكزها وردة و تهمس لها أنهما في الشارع، أومأت سهام و أجابت:
- لا عليك أيتها الجبانة، لن يعرفك لأنه لا يعرف شكلك أو صوتك. و أيضا ألم تفكري بأننا قد لا نجده حتى؟
إنه خريج، و الأغلبية يكونون مشغولين بأعمال التخرج و احتمال كبير أن لا يكون قد ذهب اليوم، هيا ابعدي هذا القلق و كأنك ذاهبة لتتزوجيه.
قهقهت سهام بشماتة بعد تلقيها ضربة على كتفها من وردة، تنهدت وردة و شجعت نفسها، ثم أسرعت برفقة سهام وسط زحام الناس.
ركبت وردة الحافلة مع صديقتها بينما أجالت نظرها في المكان بتوتر، شدت خمار رأسها الزهري لتعدله و مالت برأسها لتهمس لسهام:
- هل تعرفين المكان؟ أنا لا أريد أن أضيع!
أومأت سهام بابتسامة و قالت بينما تتصفح هاتفها:
- أجل، أنا أعرف كل مكان في الخرطوم، و لقد ذهبت مرة مع أخي، أعرف أين ننزل.
أومأت وردة مرتاحة و استرخت على مقعدها ثم أخرجت هاتفها، كانت الساعة حوالي التاسعة صباحا،
قامت بفتح تطبيقها الأخضر لتجد مجموعة من رسائل مجموعة الدفعة التي تهجو المنسق، و رسالة من ابنة خالها عبير تخبرها فيها بأنهم سيحضرون لمنزل العائلة في الغد، ابتسمت وردة و كتبت لها متشوقة للغد و أنها افتقدتها كثيرا،
لاحظت رسالة أخرى من عمر،
تنفست بعمق ثم ردت على تصبيحته:
'صباح النور، هل لديك دوام اليوم؟ '
مكثت وردة لبرهة ثم لاحظت علامة القراءة ثم يكتب، ازدادت ضربات قلبها حين قرأت:
' لا، لكنني جئت لرؤية ختام أسبوع المهندس، أريد بعض الأفلام الجديدة'
ابتلعت وردة ريقها و حاولت تهدئة نفسها، ثم كتبت بسرعة:
' إذا، أنت هناك؟'
ظهرت لها عدة وجوه صفراء مفكرة ثم رده:
' أجل بالطبع سأكون هناك، هل ستأتين؟ سيكون ذلك رائعا!
سأحول لك كل الأفلام التي أخبرتك عنها!'
كادت وردة أن تصيح لكنها تمالكت أعصابها و كتبت:
' لا بالطبع، لدينا مشرحة بعد قليل مع الأستاذ مالك، للأسف'
' ياللخسارة! لو جئت لحولت لك بعض الأنمي و فلم كوكو الذي لم تشاهديه.. تعلمين أحضرت معي جهازي اليوم و الاكسترنال'
كتبت وردة بسرعة:
' حسنا يكفي إغاظة لي، وداعا و استمتع بيومك'
أغلقت وردة هاتفها بيدين مرتعشتين و دسته في حقيبتها، أسندت وجهها لكفيها ثم توجهت لسهام و هزتها قائلة برجاء:
- أرجوك يا سهام، فالنعد! لا رغبة لي بمشاهدة الأنمي!
التفتت سهام باستغراب ثم تحولت ملامحها لابتسامة كبيرة
و قالت:
- إذا هو موجود؟ ياللروعة! سيكون اليوم مميزا جدا!
زفرت وردة بإرهاق و أشاحت وجهها بينما تغمغم بغيظ و تندب حظها العاثر، توقفت الحافلة ليهتف الكمساري:
- جامعة السودان!
نهض جمع من الراكبين لينزلوا قبل الإشارة المرورية، نهضت سهام لتتبعها وردة ببطء و هي تقبض يديها بتوتر،
سارعتا لقطع الطريق، ثم توجهتا نحو البوابة المشرعة و دلفتا مع جموع أخرى للداخل.
تلفتت وردة بابتهاج لرؤية المساحات الواسعة و الحدائق الصغيرة المعتناة و المزدانة بالأزهار،
سارت مع سهام التي كانت تعرف طريقها، تأملت وردة المباني و المقاعد و فعاليات المهرجان السنوي الذي يقام كل عام و يؤمه خلق كثير، ثم قالت بحماس:
- إنها واسعة حقا! لم يسبق لي المجيء هنا!
أومأت سهام باسمة و أشارت للعمارة التي تطل من البعد و تحمل عدة لوحات بأسماء الأقسام:
- علاء صديق أخي يدرس هناك، في ميكانيكا.
تعرفين أنه جارنا، و دائما ما يأتي لأخي و يجلسان في غرفته بالساعات للعب البلي ستيشن، و يتناولان الأرز باللبن الذي تعده أمي، من كثرة ما نرى وجهه كل يوم صار و كأنه فرد من العائلة.
أومأت وردة باسمة بينما رفعت سهام رأسها و لوحت يديها صائحة بأعلى صوت:
- علاء الدين! هنا في الأسفل! يا دكوة!
وضعت وردة يدها على فمها مصدومة بينما سمعت الشابتان ضحكات آتية من الأعلى، أطل شاب من الطابق الأول نحو الأسفل بعينين ضيقتين لتلوح له سهام باسمة ببراءة و تشير له بالنزول،
ابتعد عن الحافة و اتجهت وردة لتعنف سهام بوجه مصدوم:
- سهام! كيف تصرخين هكذا أمام الرجال و تقولين له دكوة!
أجابتها سهام باسمة باستمتاع بينما تراقب شخصين ينزلان السلالم:
- لا عليك، هذا لقبه في الحي، لم أقل له شيئا جديدا.
هزت وردة رأسها و راقبت بتوتر بالغ الرجلين الذين اقتربا نحوهما، كان أحدهما يكتم ضحكته و يقول شيئا ما بينما الآخر الأطول قامة عابس يحملق نحو سهام بتوعد،
اقتربا ليرفع علاء اصبعه مهددا و يقول عابسا:
- سأتصل الآن بمحمد و أخبره أن أخته تركت المحاضرات و جاءت لرؤية المهرجانات! هيا عودي بسرعة و بلا نقاش!
عقدت سهام يديها و أجابت بتحد:
- اتصل به، هل تهددني؟ أم تخيفني بأصبعك هذا؟
و لعلمك محاضرات اليوم ملغية، و لو لم تكن ملغية أنا لست غبية لآتي و أنا أعرف أنك هنا، اسأل صديقتي.
أومأت وردة بسرعة بعدما التفت الشاب الطويل ناحيتها،
تنهد و قال:
- حسنا، صديقتك لا تبدو كاذبة، ماذا تريدين؟
- عيب عليك! آتي لكليتك و لا تفكر بعزومة عصير أو شطيرة!
حسنا نريد تحويلات أنمي و أفلام مجانية، لديك أليس كذلك؟
هز رأسه و أجاب عابسا:
- لا، لم أحضر شيئا، اذهبي هناك و اشتري مثل الناس.
زمت سهام شفتيها و حدقت نحوه برجاء، تنهد باستسلام و أشار قائلا:
- ورائي إذا، ستحصلين على ما تريدينه ثم تغادرين مباشرة.
رفعت سهام حاجبها و لم تتحرك ليضيف بنفاذ صبر:
- و كوبا عصير أيتها الجشعة، اتفقنا؟
أجابت سهام باسمة بظفر:
- اتفقنا!
سار علاء متقدما برفقة صديقه بينما همست وردة لسهام:
- أنا مندهشة... من أين لك هذه الجرأة يا سهام؟
رفعت سهام كتفيها و أجابت:
- لقد طبخته و عجنته من وقت طويل، فكما تعرفين، نحن جيران منذ وقت طويل و نشأنا معا، لذلك تجدينه يأخذ دور أخ آخر لي لو كان محمد غير موجود، مهما فعلت فهو لا يغضب مني كثيرا.
أومأت وردة باسمة و قالت:
- من الواضح أنه يهتم بك كشخص غال و رجل مسؤول عنك، أتمنى أن يجمعكما قدر معا فهو مهذب جدا.
اتسعت ابتسامة سهام و قالت ضاحكة:
- أعتقد أنه يأخذ محل محمد فقط.
هيا بنا، قبل أن يغير رأيه و يقوم بطردنا.
ابتسمت وردة و أسرعت الخطا مع سهام نحو شجرة مورقة حيث توقف علاء و صديقه ليحادثا شابا جالسا على إحدى المقاعد وحيدا منهمكا على حاسبه المحمول على فخذيه و سطوع الساشة منعكس على نظاراته الضيقة،
توقفت وردة و سهام على مقربة و هما تراقبان علاء و صديقه يحادثان الشاب الجالس بود، ثم تغيرت ملامح علاء و التفت لجهة الفتاتين محملقا نحو سهام ليشير لها بالاقتراب،
اقتربت وردة بحذر مع صديقتها لتسمع علاء يكمل:
- لديك مسلسلات الكرتون تلك، أليس كذلك؟
لا أتذكر ماذا يسمونها...
- أنمي يا صديقي، مثل كونان.
أجاب الشاب الجالس ضاحكا و أومأ علاء بلا اهتمام، أطلقت وردة شهقة خافتة و شدت كم قميص سهام التي بحلقت نحوها باستغراب،
قال علاء بينما يجحد سهام بوجوم:
- هذه هي أخت محمد يا عمر، أتمنى أن تحول لها بعض المسلسلات لتتخارج من هنا.
غمغمت سهام بانزعاج و وضعت حقيبتها الظهرية على طرف المقعد لتخرج حاسبها المحمول، بينما تعرق كفا وردة و هي تختلس النظرات من حين لآخر للشاب الجالس صاحب النظارات الضيقة، صوته كان صوتا مألوفة جدا بالنسبة لها، صوت لطالما ابتسمت كلما سمعته و غمرتها السكينة،
قلبت وردة الأمر في رأسها، فصديقها الإلكتروني يضع صورته على حسابه كحال كل الشباب، و وجه من يجلس هنا الآن يكاد يطابقه، بشرة قمحية، وجه حليق و شعر قصير مموج، لولا أنه في الصورة لا يضع نظارات
- إذا هو موجود؟ ياللروعة! سيكون اليوم مميزا جدا!
زفرت وردة بإرهاق و أشاحت وجهها بينما تغمغم بغيظ و تندب حظها العاثر، توقفت الحافلة ليهتف الكمساري:
- جامعة السودان!
نهض جمع من الراكبين لينزلوا قبل الإشارة المرورية، نهضت سهام لتتبعها وردة ببطء و هي تقبض يديها بتوتر،
سارعتا لقطع الطريق، ثم توجهتا نحو البوابة المشرعة و دلفتا مع جموع أخرى للداخل.
تلفتت وردة بابتهاج لرؤية المساحات الواسعة و الحدائق الصغيرة المعتناة و المزدانة بالأزهار،
سارت مع سهام التي كانت تعرف طريقها، تأملت وردة المباني و المقاعد و فعاليات المهرجان السنوي الذي يقام كل عام و يؤمه خلق كثير، ثم قالت بحماس:
- إنها واسعة حقا! لم يسبق لي المجيء هنا!
أومأت سهام باسمة و أشارت للعمارة التي تطل من البعد و تحمل عدة لوحات بأسماء الأقسام:
- علاء صديق أخي يدرس هناك، في ميكانيكا.
تعرفين أنه جارنا، و دائما ما يأتي لأخي و يجلسان في غرفته بالساعات للعب البلي ستيشن، و يتناولان الأرز باللبن الذي تعده أمي، من كثرة ما نرى وجهه كل يوم صار و كأنه فرد من العائلة.
أومأت وردة باسمة بينما رفعت سهام رأسها و لوحت يديها صائحة بأعلى صوت:
- علاء الدين! هنا في الأسفل! يا دكوة!
وضعت وردة يدها على فمها مصدومة بينما سمعت الشابتان ضحكات آتية من الأعلى، أطل شاب من الطابق الأول نحو الأسفل بعينين ضيقتين لتلوح له سهام باسمة ببراءة و تشير له بالنزول،
ابتعد عن الحافة و اتجهت وردة لتعنف سهام بوجه مصدوم:
- سهام! كيف تصرخين هكذا أمام الرجال و تقولين له دكوة!
أجابتها سهام باسمة باستمتاع بينما تراقب شخصين ينزلان السلالم:
- لا عليك، هذا لقبه في الحي، لم أقل له شيئا جديدا.
هزت وردة رأسها و راقبت بتوتر بالغ الرجلين الذين اقتربا نحوهما، كان أحدهما يكتم ضحكته و يقول شيئا ما بينما الآخر الأطول قامة عابس يحملق نحو سهام بتوعد،
اقتربا ليرفع علاء اصبعه مهددا و يقول عابسا:
- سأتصل الآن بمحمد و أخبره أن أخته تركت المحاضرات و جاءت لرؤية المهرجانات! هيا عودي بسرعة و بلا نقاش!
عقدت سهام يديها و أجابت بتحد:
- اتصل به، هل تهددني؟ أم تخيفني بأصبعك هذا؟
و لعلمك محاضرات اليوم ملغية، و لو لم تكن ملغية أنا لست غبية لآتي و أنا أعرف أنك هنا، اسأل صديقتي.
أومأت وردة بسرعة بعدما التفت الشاب الطويل ناحيتها،
تنهد و قال:
- حسنا، صديقتك لا تبدو كاذبة، ماذا تريدين؟
- عيب عليك! آتي لكليتك و لا تفكر بعزومة عصير أو شطيرة!
حسنا نريد تحويلات أنمي و أفلام مجانية، لديك أليس كذلك؟
هز رأسه و أجاب عابسا:
- لا، لم أحضر شيئا، اذهبي هناك و اشتري مثل الناس.
زمت سهام شفتيها و حدقت نحوه برجاء، تنهد باستسلام و أشار قائلا:
- ورائي إذا، ستحصلين على ما تريدينه ثم تغادرين مباشرة.
رفعت سهام حاجبها و لم تتحرك ليضيف بنفاذ صبر:
- و كوبا عصير أيتها الجشعة، اتفقنا؟
أجابت سهام باسمة بظفر:
- اتفقنا!
سار علاء متقدما برفقة صديقه بينما همست وردة لسهام:
- أنا مندهشة... من أين لك هذه الجرأة يا سهام؟
رفعت سهام كتفيها و أجابت:
- لقد طبخته و عجنته من وقت طويل، فكما تعرفين، نحن جيران منذ وقت طويل و نشأنا معا، لذلك تجدينه يأخذ دور أخ آخر لي لو كان محمد غير موجود، مهما فعلت فهو لا يغضب مني كثيرا.
أومأت وردة باسمة و قالت:
- من الواضح أنه يهتم بك كشخص غال و رجل مسؤول عنك، أتمنى أن يجمعكما قدر معا فهو مهذب جدا.
اتسعت ابتسامة سهام و قالت ضاحكة:
- أعتقد أنه يأخذ محل محمد فقط.
هيا بنا، قبل أن يغير رأيه و يقوم بطردنا.
ابتسمت وردة و أسرعت الخطا مع سهام نحو شجرة مورقة حيث توقف علاء و صديقه ليحادثا شابا جالسا على إحدى المقاعد وحيدا منهمكا على حاسبه المحمول على فخذيه و سطوع الساشة منعكس على نظاراته الضيقة،
توقفت وردة و سهام على مقربة و هما تراقبان علاء و صديقه يحادثان الشاب الجالس بود، ثم تغيرت ملامح علاء و التفت لجهة الفتاتين محملقا نحو سهام ليشير لها بالاقتراب،
اقتربت وردة بحذر مع صديقتها لتسمع علاء يكمل:
- لديك مسلسلات الكرتون تلك، أليس كذلك؟
لا أتذكر ماذا يسمونها...
- أنمي يا صديقي، مثل كونان.
أجاب الشاب الجالس ضاحكا و أومأ علاء بلا اهتمام، أطلقت وردة شهقة خافتة و شدت كم قميص سهام التي بحلقت نحوها باستغراب،
قال علاء بينما يجحد سهام بوجوم:
- هذه هي أخت محمد يا عمر، أتمنى أن تحول لها بعض المسلسلات لتتخارج من هنا.
غمغمت سهام بانزعاج و وضعت حقيبتها الظهرية على طرف المقعد لتخرج حاسبها المحمول، بينما تعرق كفا وردة و هي تختلس النظرات من حين لآخر للشاب الجالس صاحب النظارات الضيقة، صوته كان صوتا مألوفة جدا بالنسبة لها، صوت لطالما ابتسمت كلما سمعته و غمرتها السكينة،
قلبت وردة الأمر في رأسها، فصديقها الإلكتروني يضع صورته على حسابه كحال كل الشباب، و وجه من يجلس هنا الآن يكاد يطابقه، بشرة قمحية، وجه حليق و شعر قصير مموج، لولا أنه في الصورة لا يضع نظارات
.
بدأ القلق يغزوها و حاولت جاهدة لإيجاد أية فرصة للهرب بعيدا، رغم أن جزءا منها أراد أن يحييه و يقول له بابتسامة:
' مرحبا، أنا وردة صديقتك العزيزة في الواتس آب التي تحادثها كل يوم، و بالمناسبة، تبدو لطيفا بالنظارات'
لكن الجزء الأكبر منها رفض ذلك قطعيا و تحاشت النظر له مركزة مع سهام، أخرجت سهام حاسبها و فتحته، ضيقت عينيها و قالت:
- حسنا، أريد الخيميائي المعدني، و هجوم العمالقة كل المواسم، و أنمي كرة السلة ذاك، و أول مئتي حلقة من ون بيس، هل لديك هذا؟
أومأ عمر إيجابا و بدأ بالبحث في حاسبه، ثم سأل بعد دقيقة:
- لديك فلاش؟
هزت سهام رأسها و التفتت نحو وردة قائلة:
- لديك فلاش يا و..
- نعم نعم أحضرته!
صاحت وردة مقاطعة إياها لترمقها سهام باستغراب و دهشة ثم يرتفع حاجباها بعدما فهمت و تظهر ابتسامة مستمتعة على شفتيها،
ضيقت وردة عينيها و بدأت بالبحث بتوتر في حقيبتها ثم محفظتها لتدفع لها الجهاز الأحمر الصغير بعبوس،
التقطته سهام و ناولته لعمر ليغرزه في جهازه و يبدأ بالعمل، استدركت وردة و قالت بعجل:
-لو سمحت، لا تمح ما فيه؛ لدي فيه بعض الأشياء المهمة.
رفع عمر رأسه و أومأ، ليضيف بينما استأنف:
- لا تقلقي، جهازي نظيف و لا يحمل فيروسات.
صمتت وردة بينما ازداد توترها لمعرفتها للصوت و نبرته،
بينما راقبتها سهام باستمتاع و حولت بصرها نحو عمر الذي انهمك في جهازه،
قال علاء مخاطبا إياها:
- و لماذا يومكم شاغر يا سهام؟ ألم يكن لديكم محاضرة مبكرة اليوم؟
هزت سهام رأسها بينما تناولت الفلاش من عمر شاكرة و أوصلته بحاسبها لتنقل له ما طلبته، تململت و أجابت علاء بملل:
- أجل، كان لدينا عملي فقط مع أستاذ مادة التشريح، و اعتذر عند الصباح.
- تدرسون طب؟
سأل عمر باهتمام و أومأت سهام مضيفة:
- السنة الثالثة، الحمد لله تبقى عامان و ننتهي من هذا الجحيم.
ابتعد علاء برفقه صديقه عباس نحو جهة الكافتيريا لشراء عصيرين لسهام و صديقتها،
أومأ عمر مهتما و هم بقول شيء لكنه غير رأيه و لزم الصمت، انتهت سهام من نقل كل شيء في جهازها و التفتت لوردة قائلة:
- لقد تركت نسخا في فلاشك، هل تريدين شيئا آخر؟
هزت وردة رأسها نافية، ثم تذكرت فيلم كوكو الذي حدثها عمر عنه قبل فترة و تحمست لمشاهدته،
ترددت لبرهة، ثم قالت ببطء:
- كنت أريد فيلم رسوم متحركة اسمه كوكو، ذلك الذي حدثتك عنه يا سهام.
أومات سهام و التقطت الجهاز الاحمر من وردة مجددا لتعطيه لعمر، ظهر الاندهاش على محياه لبرهة ثم حمل الجهاز الصغير ليحمل عليه الفيلم، بعد دقيقة تسائل بفضول دون أن يرفع عينيه عن حاسبه:
- هل تدرس معكما في الدفعة فتاة اسمها وردة؟
أعتقد وردة عز الدين.
شحب وجه وردة و جف حلقها، بينما التفتت لسهام و هزت رأسها برجاء، قالت سهام بابتسامة شريرة:
- نعم، تدرس معنا في الدفعة فتاة بهذا الاسم.
رفع عمر رأسه و على وجهه مزيج من الدهشة و الأمل،
سأل سهام بلهفة:
- حقا؟! هل تعرفينها؟
أومأت سهام و قالت:
- أجل، إنها فتاة طيبة حقا، أعرفها عز المعرفة.
هز عمر رأسه باسما و ناول وردة جهازها الأحمر الصغير، تناولته بسرعة شاكرة و خبأته في حقيبتها اليدوية،
أضاف عمر مخاطبا سهام:
- إذا قابلتها في الكلية أبلغيها سلامي، و قولي لها أن عمر يقول لك أنه عرف كذبتك و تهربك من المجيء لكليته أيتها الدجاجة، و ضاعت عليك فرصة الحصول على أفلام كثيرة مجانا.
هزت سهام رأسها متصنعة الجدية و هي تحاول جاهدة كتم ضحكتها، بينما غزت الحمرة وجه وردة و انفجرت أخيرا صائحة:
- من هي الدجاجة أيها الغبي يا رأس الضفدع يا أحمق!
انفجرت سهام ضاحكة بينما تجمد الشاب في مكانه يرمق وردة بدهشة، انتبهت وردة لما قالته و غطت وجهها بكفيها بعدما غمرها الخجل لما تفوهت به و فضحها لنفسها،
استدرك عمر أخيرا و انفجر ضاحكا، شعرت وردة بقلبها يكاد يتوقف و ارتعشت يداها اللتان لم تبعدهما عن وجهها،
سمعت عمر يخاطبها بنبرة سعيدة:
- و أنا أقول لماذا صديقة سهام صامتة هكذا لا تتحدث...
مرحبا وردة!
إذا كنتي تنوين المجيء و زيارتي دون حتى أن تلقي التحية.
أبعدت وردة يديها عن وجهها و قالت مدافعة عن نفسها:
- لم آت لزيارتك! جئت فقط مع سهام للمهرجان و لتحويل بعض الأفلام!
أومأ عمر و قال بتهكم:
- ترفضين أن أتصل بك و حين نلتقي وجها لوجه أول كلمة تقولينها لي شتيمة؟ أين هي أخلاقك يا آنسة؟
- و هل الأخلاق أن تغتاب الناس و تشبههم بالدجاج أيها السيد؟
أجابت وردة بتحد و نفخت خديها بغضب،
هز عمر رأسه باسما و أغلق جهازه ليضعه جانبا، انتصب واقفا و مد يده للمصافحة قائلا:
- لي الشرف بلقائك، سعيد برؤيتك وردة.
ترددت وردة و هي ترمق الشاب أمامها بحذر، إنه أقصر من علاء، لكنه يفوقها طولا بالطبع،
مدت يدها لتصافحه و تجيب بعفوية و ابتسامة:
- الشرف لي عمر، شكرا على الفيلم.
عاد علاء و عباس من الكافتيريا لتلكز وردة سهام و تقول لها هامسة:
- يجب أن أعود للمنزل!
أومأت سهام و جمعت حاجياتها في حقيبتها و نهضت، اقترب
بدأ القلق يغزوها و حاولت جاهدة لإيجاد أية فرصة للهرب بعيدا، رغم أن جزءا منها أراد أن يحييه و يقول له بابتسامة:
' مرحبا، أنا وردة صديقتك العزيزة في الواتس آب التي تحادثها كل يوم، و بالمناسبة، تبدو لطيفا بالنظارات'
لكن الجزء الأكبر منها رفض ذلك قطعيا و تحاشت النظر له مركزة مع سهام، أخرجت سهام حاسبها و فتحته، ضيقت عينيها و قالت:
- حسنا، أريد الخيميائي المعدني، و هجوم العمالقة كل المواسم، و أنمي كرة السلة ذاك، و أول مئتي حلقة من ون بيس، هل لديك هذا؟
أومأ عمر إيجابا و بدأ بالبحث في حاسبه، ثم سأل بعد دقيقة:
- لديك فلاش؟
هزت سهام رأسها و التفتت نحو وردة قائلة:
- لديك فلاش يا و..
- نعم نعم أحضرته!
صاحت وردة مقاطعة إياها لترمقها سهام باستغراب و دهشة ثم يرتفع حاجباها بعدما فهمت و تظهر ابتسامة مستمتعة على شفتيها،
ضيقت وردة عينيها و بدأت بالبحث بتوتر في حقيبتها ثم محفظتها لتدفع لها الجهاز الأحمر الصغير بعبوس،
التقطته سهام و ناولته لعمر ليغرزه في جهازه و يبدأ بالعمل، استدركت وردة و قالت بعجل:
-لو سمحت، لا تمح ما فيه؛ لدي فيه بعض الأشياء المهمة.
رفع عمر رأسه و أومأ، ليضيف بينما استأنف:
- لا تقلقي، جهازي نظيف و لا يحمل فيروسات.
صمتت وردة بينما ازداد توترها لمعرفتها للصوت و نبرته،
بينما راقبتها سهام باستمتاع و حولت بصرها نحو عمر الذي انهمك في جهازه،
قال علاء مخاطبا إياها:
- و لماذا يومكم شاغر يا سهام؟ ألم يكن لديكم محاضرة مبكرة اليوم؟
هزت سهام رأسها بينما تناولت الفلاش من عمر شاكرة و أوصلته بحاسبها لتنقل له ما طلبته، تململت و أجابت علاء بملل:
- أجل، كان لدينا عملي فقط مع أستاذ مادة التشريح، و اعتذر عند الصباح.
- تدرسون طب؟
سأل عمر باهتمام و أومأت سهام مضيفة:
- السنة الثالثة، الحمد لله تبقى عامان و ننتهي من هذا الجحيم.
ابتعد علاء برفقه صديقه عباس نحو جهة الكافتيريا لشراء عصيرين لسهام و صديقتها،
أومأ عمر مهتما و هم بقول شيء لكنه غير رأيه و لزم الصمت، انتهت سهام من نقل كل شيء في جهازها و التفتت لوردة قائلة:
- لقد تركت نسخا في فلاشك، هل تريدين شيئا آخر؟
هزت وردة رأسها نافية، ثم تذكرت فيلم كوكو الذي حدثها عمر عنه قبل فترة و تحمست لمشاهدته،
ترددت لبرهة، ثم قالت ببطء:
- كنت أريد فيلم رسوم متحركة اسمه كوكو، ذلك الذي حدثتك عنه يا سهام.
أومات سهام و التقطت الجهاز الاحمر من وردة مجددا لتعطيه لعمر، ظهر الاندهاش على محياه لبرهة ثم حمل الجهاز الصغير ليحمل عليه الفيلم، بعد دقيقة تسائل بفضول دون أن يرفع عينيه عن حاسبه:
- هل تدرس معكما في الدفعة فتاة اسمها وردة؟
أعتقد وردة عز الدين.
شحب وجه وردة و جف حلقها، بينما التفتت لسهام و هزت رأسها برجاء، قالت سهام بابتسامة شريرة:
- نعم، تدرس معنا في الدفعة فتاة بهذا الاسم.
رفع عمر رأسه و على وجهه مزيج من الدهشة و الأمل،
سأل سهام بلهفة:
- حقا؟! هل تعرفينها؟
أومأت سهام و قالت:
- أجل، إنها فتاة طيبة حقا، أعرفها عز المعرفة.
هز عمر رأسه باسما و ناول وردة جهازها الأحمر الصغير، تناولته بسرعة شاكرة و خبأته في حقيبتها اليدوية،
أضاف عمر مخاطبا سهام:
- إذا قابلتها في الكلية أبلغيها سلامي، و قولي لها أن عمر يقول لك أنه عرف كذبتك و تهربك من المجيء لكليته أيتها الدجاجة، و ضاعت عليك فرصة الحصول على أفلام كثيرة مجانا.
هزت سهام رأسها متصنعة الجدية و هي تحاول جاهدة كتم ضحكتها، بينما غزت الحمرة وجه وردة و انفجرت أخيرا صائحة:
- من هي الدجاجة أيها الغبي يا رأس الضفدع يا أحمق!
انفجرت سهام ضاحكة بينما تجمد الشاب في مكانه يرمق وردة بدهشة، انتبهت وردة لما قالته و غطت وجهها بكفيها بعدما غمرها الخجل لما تفوهت به و فضحها لنفسها،
استدرك عمر أخيرا و انفجر ضاحكا، شعرت وردة بقلبها يكاد يتوقف و ارتعشت يداها اللتان لم تبعدهما عن وجهها،
سمعت عمر يخاطبها بنبرة سعيدة:
- و أنا أقول لماذا صديقة سهام صامتة هكذا لا تتحدث...
مرحبا وردة!
إذا كنتي تنوين المجيء و زيارتي دون حتى أن تلقي التحية.
أبعدت وردة يديها عن وجهها و قالت مدافعة عن نفسها:
- لم آت لزيارتك! جئت فقط مع سهام للمهرجان و لتحويل بعض الأفلام!
أومأ عمر و قال بتهكم:
- ترفضين أن أتصل بك و حين نلتقي وجها لوجه أول كلمة تقولينها لي شتيمة؟ أين هي أخلاقك يا آنسة؟
- و هل الأخلاق أن تغتاب الناس و تشبههم بالدجاج أيها السيد؟
أجابت وردة بتحد و نفخت خديها بغضب،
هز عمر رأسه باسما و أغلق جهازه ليضعه جانبا، انتصب واقفا و مد يده للمصافحة قائلا:
- لي الشرف بلقائك، سعيد برؤيتك وردة.
ترددت وردة و هي ترمق الشاب أمامها بحذر، إنه أقصر من علاء، لكنه يفوقها طولا بالطبع،
مدت يدها لتصافحه و تجيب بعفوية و ابتسامة:
- الشرف لي عمر، شكرا على الفيلم.
عاد علاء و عباس من الكافتيريا لتلكز وردة سهام و تقول لها هامسة:
- يجب أن أعود للمنزل!
أومأت سهام و جمعت حاجياتها في حقيبتها و نهضت، اقترب
علاء لتخاطبه:
- للأسف نحن مستعجلتان على الذهاب، لكن يمكنك إعطائي العصيرين لكي أشرب واحدا في الطريق و واحدا في المنزل.
اختطفت سهام العبوتين لتدس إحداهما في حقيبتها و تفتح الأخرى لتتجرع منها ثم تغلقها و تبتسم و كأنها لم تفعل شيئا، كسا الحزن محيا عمر و قال بسرعة:
- ألا يمكنكما المكوث قليلا؟ ما يزال المهرجان قائما.
هزت وردة رأسها و قالت معتذرة بلهجة دبلوماسية:
- في فرصة أخرى يا عمر، لدي بعض المشغوليات المتعجلة و لا بد من الذهاب الآن للمنزل، شكرا لكم.
اسقط في يد عمر و أومأ حزينا بغير اقتناع، ليضيف علاء محذرا سهام:
- لا تذهبي لأي مكان آخر، ستذهبين للمنزل مباشرة.
أومأت سهام بملل و سارت مع وردة مبتعدتين و هي تسمع صوت عمر المتحمس:
- نعم إنها وردة يا عباس! صديقتي التي حدثتك عنها!
شدت وردة على حقيبتها بتوتر و خرجت مع سهام لتستقلا الحافلة و تعودا لحيث ستفترقان كل في جهة نحو منزلها،
زفرت سهام براحة و قالت:
- إذا رأينا صديقك القصير يا وردة، من المظهر الخارجي أعتقد أنه يبدو شخصا مجتهدا، لكن يبدو أنه شخص اجتماعي أيضا و لديه معارف و أصدقاء كثر، مرح و لديه شعبية.
أومأت وردة باهتمام و كأنها تستمع لقراءة الطالع من منجمة، أضافت سهام:
- لن أستطيع الجزم بشيء، لكنني أخبرك بأن شخصا يصادقه علاء لن يكون غير مهذب.
أومأت وردة مفكرة و اسندت رأسها لزجاج النافذة، بينما الحافلة تسير بين شوارع الخرطوم المكثظة وقت الظهيرة.
♡نلتقي
- للأسف نحن مستعجلتان على الذهاب، لكن يمكنك إعطائي العصيرين لكي أشرب واحدا في الطريق و واحدا في المنزل.
اختطفت سهام العبوتين لتدس إحداهما في حقيبتها و تفتح الأخرى لتتجرع منها ثم تغلقها و تبتسم و كأنها لم تفعل شيئا، كسا الحزن محيا عمر و قال بسرعة:
- ألا يمكنكما المكوث قليلا؟ ما يزال المهرجان قائما.
هزت وردة رأسها و قالت معتذرة بلهجة دبلوماسية:
- في فرصة أخرى يا عمر، لدي بعض المشغوليات المتعجلة و لا بد من الذهاب الآن للمنزل، شكرا لكم.
اسقط في يد عمر و أومأ حزينا بغير اقتناع، ليضيف علاء محذرا سهام:
- لا تذهبي لأي مكان آخر، ستذهبين للمنزل مباشرة.
أومأت سهام بملل و سارت مع وردة مبتعدتين و هي تسمع صوت عمر المتحمس:
- نعم إنها وردة يا عباس! صديقتي التي حدثتك عنها!
شدت وردة على حقيبتها بتوتر و خرجت مع سهام لتستقلا الحافلة و تعودا لحيث ستفترقان كل في جهة نحو منزلها،
زفرت سهام براحة و قالت:
- إذا رأينا صديقك القصير يا وردة، من المظهر الخارجي أعتقد أنه يبدو شخصا مجتهدا، لكن يبدو أنه شخص اجتماعي أيضا و لديه معارف و أصدقاء كثر، مرح و لديه شعبية.
أومأت وردة باهتمام و كأنها تستمع لقراءة الطالع من منجمة، أضافت سهام:
- لن أستطيع الجزم بشيء، لكنني أخبرك بأن شخصا يصادقه علاء لن يكون غير مهذب.
أومأت وردة مفكرة و اسندت رأسها لزجاج النافذة، بينما الحافلة تسير بين شوارع الخرطوم المكثظة وقت الظهيرة.
♡نلتقي
صباحكم سكر 💜
كنت عايزة أعرف بتحبو القناة تكون قصص بس و لا قصص و اقتباسات؟
كنت عايزة أعرف بتحبو القناة تكون قصص بس و لا قصص و اقتباسات؟
Anonymous Poll
15%
قصص بس
85%
قصص و اقتباسات
المَنِّسِيّْ🍂 - قصة قصيرة(منقول):
فِي عالمِنا الحَقيقة الوَحيدة التي لا لبسَ فيها هي حَقيقة المُوت، و أكثر إنسان رأى الموت و الجُثث الآدمية هو حفار القبور «تقي» الذي ينتمي لأتعس طَبقات المُجتمع، حيثُ لا يمنحهُ أحد وزنًا، ولا يعيرونهُ أي أهمية، بِالرغم من أنهم يَحتاجونهُ، وكل امرؤ يحتاجهُ الناس يكون إنسانًا ذا قيمة لكن هيهات؛ فأغلبُ البشر يبحرون في سفينة ترسو عِندَ مرفأ اللاعودة، حيثُ لا يعود الناس من تِلك الرِحلة كما كانوا، ولن يعاملوك كما يعاملونكَ في أول الأمر؛ لأن حاجتهم مِنك انتهت، لكن ما أن تَهجُر أرواحهم أجسامهم سـَيحتاجون بشكلٍ اضطراري لـِمجرفته _تقي_ لـكي يطمُرهم تحتَ التُراب.
وقد دفنَ حامل التقوى كاسمه أشكالًا و أصنافًا مُختلفة من البشر، نساءً ورجالًا، أطفالًا وشباب. وفي الـسنوات الاخيرة أمسى الأمر و كأن عملهُ قد انحصر على دفن فئة الشَباب الشُهداء؛ فأغلب موتى السنوات الاخيرة هم شهداء قتلتهم أيادٍ أثيمة، وقد عرفهم العالم بـاسم«داعش».
كانت العَبرة تخنقه، و يتحسر على أعداد الشباب الراحلين؛ فهم يأتون إليهِ مُضرَجين بالدماء، و بزيهم العَسكري الطاهر، فـالشهداء لا يعاملون مُعاملة الموتى العاديين؛ فهم لا يتم تَغسيلهم و يتم دَفنهم بِدمائهم.
و الأسى كُلّْ الأسى على شبابهم الذي ضاع، فهؤلاء هم من يدفعون ثمن الـحروب، حتى أن أسمائهم لا تُسجل في التاريخ، فالإنتصارات تُسجل بأسماء السياسيين الذين يسكُنون قصورهم العاجية، وهناك يُشبِعون رغباتهم الدنيوية،
وتتصاعد أصوات ضحكاتهم المُقهقهة، ويضيعُ العَامة دون عِلمهم. فإن أردتَ أن تُضيعَ شعبًا اشغلهُ بـالحروب، وهذا ما حدث.
وحين يضعُ ذلك الكَهل آخر حَبات تراب على قبر الشهيد، تستبد به الرغبة في الإنتقام، إلا أن شتان بين الحلم في تحقيق شيء وبين القدرة عليه، فهناك أمنيات بعيدة عن مَنال كل إنسان، خصوصًا أنه ليس أكثر من عجوز هَرِم أضناهُ السَهر، وحرمتهُ عُواصف الدُنيا من الراحة حتى باتَ خائر القوى و منكسر.
و حين يتمالك نفسهُ، و ينتهي من عمله، يَدنو من قبر آخر، و يبقى جالسًا هُناك لـِساعاتٍ طِوال، فالمقبرة هي بيتهُ الآخر هذا إن لم تَكُن بيتهُ الرئيسي؛ منذُ وفاة زوجته لم يعد يُغادر المَقبرة، وقد لاحظَ بعض الناس ذلك..
كان يجلسُ هُناك يوميًا بينما يضع قبعتهُ الصوفية على رأسه، لكي تقيه برد هذا الشتاء، ومكتسيًا بِثيابهُ الـرثة. يلوذُ بـالصمت مغمورًا بـِالعُزلة، كما أنهُ لم يعد ظمئا إلى الكلام بِعكس عادتهِ؛ فقد كان يُثرثر كثيرًا في العادة مع أي أحدٍ يراه.
والأغرب من ذلك هو أن أولئك الناس قد شاهدوه ذات مرة يضحكُ بصوتٍ جهور ويسردُ قصصا من حياتهِ للهواء؛ فقال البعض أنهُ يرى أرواح الموتى، وآخرين ذكروا أن جنيًا قد تلبسَ جِسمه فَـجُنَ جُنونه.. وقد اقتنع العديد من الناس بِهذه الفكرة؛ فالبشر في العادة يبتعدون عن المقابر حين يفرضُ الظلام هيمنتهُ على كل بقاع المدينة، بينما هو يبقى هُناك يتجول بين القبور، لـهذا اعتقدوا أن فِكرة تَلبُس جني به لِيست بالفِكرة المُستبعدة.
......
ذات يوم، وبينما يكاد الظلام أن ينجلي مُعلنًا قدوم الصباح. وقتئذٍ الهواء خانق والضبابُ غزا أجزاءً كثيرة في المَقبرة، إلا أن ذلك لم يمنع بروز بعض من شواهد القُبور. وقد كان تقي حينها يجلس أمام القبر ذاته وقد كُتِب على شاهد القبر«زينب .... ١٩٦٤ - ٢٠١٨».
أخذ نفسًا عميقًا من بين ثنايا الوجود الغارق في بحر من بخارٍ رطب يهيم بلا وجهة، عيناه لم تنفكا عن معانقة شاهدة القبر، عينان غائرتان قد أثقل العمر فيهما وجعلهما محاطتين بالتجاعيد وأُخفضت تلك الحواجب بحمل شعيرات بيضاء، لكن لم تتجرأ الحياة مطلقًا على لمس نقائهما العسلي القريب إلى لون الغسق حالما ينفلج الصبح في آفاق الأرض.
أراح مكنون الصدر المثقل بالكثير من الهموم بتنهيدة تحمل الكثير وتختصر الكثير من الحكايات؛ ليقول بصوت عميق شذي له حلاوة صافية: «يا زينب! يا رفيقة العمر أأنت تنعمين بالجنة وأنا هنا محبوس غير طليق! يا ترى متى يحين موعد تحريري لألحق بك؟»
أنهاها بابتسامة اعتاد رسمها بكل قبول ورضى ليريح قلبه وينتظر؛ فلعل الأجل ليس ببعيد والصبر على الفراق ليس إلا لحظة تبرق سريعًا في حياة الإنسان القصيرة.
تذكر بعدها بعضًا من لحظات حياته الشابة، حينما كان فتى يافعا جانحا بكل جوانح الحياة وطامعًا في التجارب لينهل من الخبرات.
لقاؤه بزوجته الحبيبة زينب كانت عبارة عن مسار مقدرٍ له كأي فرد كتب له توأمه الآخر في الحياة، أول نظرة لها وحدت المسار نحو حياة هانئة سعيدة مملوءة بالدفء، لكن لم تكن الحياة يومًا كاشفةً عن كل أوراقها، كما أنها لم تكن رفيقة لأي أحد؛ هي تتبدل كيفما تشاء؛ تعطيك بيد السعادة وباليد الأخرى تأخذها دون إذن.
نالت منه حشرجةُ تخدش حلقه الهرم؛ موت زوجته لم يأت إلا قبل موتِ ابنه ا
فِي عالمِنا الحَقيقة الوَحيدة التي لا لبسَ فيها هي حَقيقة المُوت، و أكثر إنسان رأى الموت و الجُثث الآدمية هو حفار القبور «تقي» الذي ينتمي لأتعس طَبقات المُجتمع، حيثُ لا يمنحهُ أحد وزنًا، ولا يعيرونهُ أي أهمية، بِالرغم من أنهم يَحتاجونهُ، وكل امرؤ يحتاجهُ الناس يكون إنسانًا ذا قيمة لكن هيهات؛ فأغلبُ البشر يبحرون في سفينة ترسو عِندَ مرفأ اللاعودة، حيثُ لا يعود الناس من تِلك الرِحلة كما كانوا، ولن يعاملوك كما يعاملونكَ في أول الأمر؛ لأن حاجتهم مِنك انتهت، لكن ما أن تَهجُر أرواحهم أجسامهم سـَيحتاجون بشكلٍ اضطراري لـِمجرفته _تقي_ لـكي يطمُرهم تحتَ التُراب.
وقد دفنَ حامل التقوى كاسمه أشكالًا و أصنافًا مُختلفة من البشر، نساءً ورجالًا، أطفالًا وشباب. وفي الـسنوات الاخيرة أمسى الأمر و كأن عملهُ قد انحصر على دفن فئة الشَباب الشُهداء؛ فأغلب موتى السنوات الاخيرة هم شهداء قتلتهم أيادٍ أثيمة، وقد عرفهم العالم بـاسم«داعش».
كانت العَبرة تخنقه، و يتحسر على أعداد الشباب الراحلين؛ فهم يأتون إليهِ مُضرَجين بالدماء، و بزيهم العَسكري الطاهر، فـالشهداء لا يعاملون مُعاملة الموتى العاديين؛ فهم لا يتم تَغسيلهم و يتم دَفنهم بِدمائهم.
و الأسى كُلّْ الأسى على شبابهم الذي ضاع، فهؤلاء هم من يدفعون ثمن الـحروب، حتى أن أسمائهم لا تُسجل في التاريخ، فالإنتصارات تُسجل بأسماء السياسيين الذين يسكُنون قصورهم العاجية، وهناك يُشبِعون رغباتهم الدنيوية،
وتتصاعد أصوات ضحكاتهم المُقهقهة، ويضيعُ العَامة دون عِلمهم. فإن أردتَ أن تُضيعَ شعبًا اشغلهُ بـالحروب، وهذا ما حدث.
وحين يضعُ ذلك الكَهل آخر حَبات تراب على قبر الشهيد، تستبد به الرغبة في الإنتقام، إلا أن شتان بين الحلم في تحقيق شيء وبين القدرة عليه، فهناك أمنيات بعيدة عن مَنال كل إنسان، خصوصًا أنه ليس أكثر من عجوز هَرِم أضناهُ السَهر، وحرمتهُ عُواصف الدُنيا من الراحة حتى باتَ خائر القوى و منكسر.
و حين يتمالك نفسهُ، و ينتهي من عمله، يَدنو من قبر آخر، و يبقى جالسًا هُناك لـِساعاتٍ طِوال، فالمقبرة هي بيتهُ الآخر هذا إن لم تَكُن بيتهُ الرئيسي؛ منذُ وفاة زوجته لم يعد يُغادر المَقبرة، وقد لاحظَ بعض الناس ذلك..
كان يجلسُ هُناك يوميًا بينما يضع قبعتهُ الصوفية على رأسه، لكي تقيه برد هذا الشتاء، ومكتسيًا بِثيابهُ الـرثة. يلوذُ بـالصمت مغمورًا بـِالعُزلة، كما أنهُ لم يعد ظمئا إلى الكلام بِعكس عادتهِ؛ فقد كان يُثرثر كثيرًا في العادة مع أي أحدٍ يراه.
والأغرب من ذلك هو أن أولئك الناس قد شاهدوه ذات مرة يضحكُ بصوتٍ جهور ويسردُ قصصا من حياتهِ للهواء؛ فقال البعض أنهُ يرى أرواح الموتى، وآخرين ذكروا أن جنيًا قد تلبسَ جِسمه فَـجُنَ جُنونه.. وقد اقتنع العديد من الناس بِهذه الفكرة؛ فالبشر في العادة يبتعدون عن المقابر حين يفرضُ الظلام هيمنتهُ على كل بقاع المدينة، بينما هو يبقى هُناك يتجول بين القبور، لـهذا اعتقدوا أن فِكرة تَلبُس جني به لِيست بالفِكرة المُستبعدة.
......
ذات يوم، وبينما يكاد الظلام أن ينجلي مُعلنًا قدوم الصباح. وقتئذٍ الهواء خانق والضبابُ غزا أجزاءً كثيرة في المَقبرة، إلا أن ذلك لم يمنع بروز بعض من شواهد القُبور. وقد كان تقي حينها يجلس أمام القبر ذاته وقد كُتِب على شاهد القبر«زينب .... ١٩٦٤ - ٢٠١٨».
أخذ نفسًا عميقًا من بين ثنايا الوجود الغارق في بحر من بخارٍ رطب يهيم بلا وجهة، عيناه لم تنفكا عن معانقة شاهدة القبر، عينان غائرتان قد أثقل العمر فيهما وجعلهما محاطتين بالتجاعيد وأُخفضت تلك الحواجب بحمل شعيرات بيضاء، لكن لم تتجرأ الحياة مطلقًا على لمس نقائهما العسلي القريب إلى لون الغسق حالما ينفلج الصبح في آفاق الأرض.
أراح مكنون الصدر المثقل بالكثير من الهموم بتنهيدة تحمل الكثير وتختصر الكثير من الحكايات؛ ليقول بصوت عميق شذي له حلاوة صافية: «يا زينب! يا رفيقة العمر أأنت تنعمين بالجنة وأنا هنا محبوس غير طليق! يا ترى متى يحين موعد تحريري لألحق بك؟»
أنهاها بابتسامة اعتاد رسمها بكل قبول ورضى ليريح قلبه وينتظر؛ فلعل الأجل ليس ببعيد والصبر على الفراق ليس إلا لحظة تبرق سريعًا في حياة الإنسان القصيرة.
تذكر بعدها بعضًا من لحظات حياته الشابة، حينما كان فتى يافعا جانحا بكل جوانح الحياة وطامعًا في التجارب لينهل من الخبرات.
لقاؤه بزوجته الحبيبة زينب كانت عبارة عن مسار مقدرٍ له كأي فرد كتب له توأمه الآخر في الحياة، أول نظرة لها وحدت المسار نحو حياة هانئة سعيدة مملوءة بالدفء، لكن لم تكن الحياة يومًا كاشفةً عن كل أوراقها، كما أنها لم تكن رفيقة لأي أحد؛ هي تتبدل كيفما تشاء؛ تعطيك بيد السعادة وباليد الأخرى تأخذها دون إذن.
نالت منه حشرجةُ تخدش حلقه الهرم؛ موت زوجته لم يأت إلا قبل موتِ ابنه ا
لبكر، كيف كانت حالة زوجته الراحلة حينما أبلغت بولادة طفلٍ ميت؟ لقد انهارت بالكامل وانهار معها تقي خائفًا من خسارتها كما خسر طفله الأول، لكن الزوجين كانا مثالًا لتحمل قوة لا تعمل إلا بوجود الأخر مكملين لبعضهما.
إلا أن الموت كان رفيقه الحقيقي، وأنيسًا يبلغه في كل مرة يزيد فيها تعلقًا بالأخرين أن الحياة لا تدوم على وجه؛ سُعد بقدوم قرة عينيه للدنيا وابتهجت زوجته أيما ابتهاج بتلك الهدية المؤقتة (إيثار) لقد ربيها، علماها، وزوجاها، إلى أن خطت بعيدة عنهم لتبدأ حياتها الخاصة... تلك الحياة التي تستحقها أية شابة.
لكن فور أن أبلغ أن ابنته ماتت أثناء محاولتها مع عائلتها الفرار خارج منطقة وقعت تحت همجيين خاضعين لهمسات الشيطان، لقد سُفكت دماؤها ودماء أحفاده على أيادي داعشيين قساة.. ولم يقدر حتى على دفنهم ليريح قلبه!
عند وصول ذلك الخبر انتكست حالة زوجته وانغلقت كليًا؛ حينها علم أن الموت يحوم حولها وينبهه بالاستعداد، كان مؤلمًا لكنها الحقيقة المرة.
استيقظ فجرًا فلم يسمع لذلك اليوم أية نبرة لها؛ لأنه لم يكن يومًا كتب لها أن تعيش فيه، لقد بكى، بكى بخسرةٍ، وضم زوجته مقهورًا تعيسًا بين ظلمة حجرتهما التي كانت دائمًا تصحو على صوتها الغني بالحياة.
فما كان منه غير رؤية الجانب الآخر الذي لا يمكنه تخطيه كضفة بعيدة، بينهما نهر جار وضباب حاجب، هناك حيث غادر ابنه الأول وزوجته وابنته وأحفاده و هو بقى في الجانب الآخر ينتظر من الموت أن يسمح له بالعبور، لكنه شاهد الموت يسمح للكثيرين، والكثيرين وكلما رجى له دورًا لم يستجب له.
تلك لم تكن إلا ذكرى عابرة بيد أن العم يراها قصة مملوءة من كل التفاصيل فلا يسرد منها إلا خاتمة الأجزاء، وقد اعتاد الصمت بين المقابر فما فائدة الحديث ما دام أن الراحلين لن يرجعوا!
بعد أن قعد كما يقعد عادة أمام قبر زوجته سارحًا بالماضي، أمسك قبعته الصوفية الشبه مهترئة والمرقعة، لبسها على شعره الخفيف الذي يتصف بلون رمادي قاتم أشعث. مر على قبر ابنه الصغير ثم انحنى قليلًا ليزيل الأغبرة التي علت شاهدته، تمتم متحسرًا: «آه يا صغير...كم كانت أمك متلهفة لرؤيتك تكبر أمام عينيها، آه لو قدر لك العيش في هذه الدنيا ولو لبضع ساعات!»
بينما هو بذلك العمل، لمح رجل قاعدًا على إحدى المقابر يتلوى يمنة ويسرة، لاح الضباب مزعجًا لحدٍ ما فلم يتمكن من تبين هيئة ذلك الشخص.
علامات الرهبة والخوف لم ترتق قلب العم بل فضوله قاده للسير على الدرب المنشق وسط القبور ليقترب منه -بدا عليه شيء من الاندهاش لرؤية شخص في مثل هذا الوقت المبكر من الصباح، لكن الغريب أنه لم يكن مألوفًا له-
حادث العم نفسه مستغربًا: «من يكون هذا الرجل؟»
قطب حاجبيه فكادا يطغيان على وجود عينيه أثناء قولهِ والحيرة تتملكه: «ذلكما القبران! أذكر أنني دفنتٌ شابين مجهولين قبل مدة!»
عندما صار على بعد عشرة أمتار عنه سمع صوت أزيز يؤلم القلب. سمع كلمات تخرج من فم الرجل ومن بين شهقاته التي تمثل عذابًا سقيم:
- أصيل! شهق مرة أخرى شهقة حادة تجرح الفؤاد وهو يحمل ترابًا من القبرين وتساقطت بضعٌ من دمعاته الساخنة على يديه وراح يحضن الثرى بيديه ويئن على نحوٍ مفرط جعل العم يتأسى حزنًا على حاله.
سمعه مجددًا يقول: «راجي...أصيل! ولداي، ولداي!»
هنا علم العم تقي أن من سكنا في هذين القبرين هما شطران يعودن إلى روحه والآن قد خسرهما.
لم يكن ذلك الرجل إلا أبًا جال وتاه في الأراضي باحثًا عن ولديه فبعد أن تم أخذهما من قبل ذلك التنظيم المسمى داعش مع بعض الرهائن الآخرين، أثناء ما يسمى بصراع عقيم لأجل إرضاخ طرفٍ لمطالب طرف آخر لتسقط المفاوضات.. تنتهي المسألة بمنهجٍ مكررٍ على دوام، بدفع ثمن لا علاقة للطرفين به...
من يدفعه هم أهالي الضحايا، يدفعونه بعملة باهظة جدًا تسمى روحٌ عزيزة! لم تكن قصة هذا الرجل بعيدة عن الفهم، بعد رحلة معاناة طويلة لإنقاذ ولديه اهتدى إلى قبريهما فقط حتى قبل أن يلقي نظرة وداع عليهما ويقبلهما.
أشفق العم عليه فدنى منه وربت على كتفه الأيسر يواسيه: «ذهبا إلى دنيا خيرٍ من هذه الدنيا يا بني! ترحم عليهما، ترحم!»
لم يكن الرجل بوعيه الكامل فقد غيب بالحرقة والبكاء الهستيري، رآه العم كنفسهِ القديمة تلك التي كانت مقهورة على مصيرٍ مشابه، وعلم أنه سوف يحتاج أكثر من كلمات التعاطف ليعود إلى الدنيا، فتركه بحاله يبكي ويريح قلبه. وضع كلتا يديه خلف ظهره والتفت ملقيًا آخر نظرة متحسرة ثم مضى بعدها...
|النهاية
إلا أن الموت كان رفيقه الحقيقي، وأنيسًا يبلغه في كل مرة يزيد فيها تعلقًا بالأخرين أن الحياة لا تدوم على وجه؛ سُعد بقدوم قرة عينيه للدنيا وابتهجت زوجته أيما ابتهاج بتلك الهدية المؤقتة (إيثار) لقد ربيها، علماها، وزوجاها، إلى أن خطت بعيدة عنهم لتبدأ حياتها الخاصة... تلك الحياة التي تستحقها أية شابة.
لكن فور أن أبلغ أن ابنته ماتت أثناء محاولتها مع عائلتها الفرار خارج منطقة وقعت تحت همجيين خاضعين لهمسات الشيطان، لقد سُفكت دماؤها ودماء أحفاده على أيادي داعشيين قساة.. ولم يقدر حتى على دفنهم ليريح قلبه!
عند وصول ذلك الخبر انتكست حالة زوجته وانغلقت كليًا؛ حينها علم أن الموت يحوم حولها وينبهه بالاستعداد، كان مؤلمًا لكنها الحقيقة المرة.
استيقظ فجرًا فلم يسمع لذلك اليوم أية نبرة لها؛ لأنه لم يكن يومًا كتب لها أن تعيش فيه، لقد بكى، بكى بخسرةٍ، وضم زوجته مقهورًا تعيسًا بين ظلمة حجرتهما التي كانت دائمًا تصحو على صوتها الغني بالحياة.
فما كان منه غير رؤية الجانب الآخر الذي لا يمكنه تخطيه كضفة بعيدة، بينهما نهر جار وضباب حاجب، هناك حيث غادر ابنه الأول وزوجته وابنته وأحفاده و هو بقى في الجانب الآخر ينتظر من الموت أن يسمح له بالعبور، لكنه شاهد الموت يسمح للكثيرين، والكثيرين وكلما رجى له دورًا لم يستجب له.
تلك لم تكن إلا ذكرى عابرة بيد أن العم يراها قصة مملوءة من كل التفاصيل فلا يسرد منها إلا خاتمة الأجزاء، وقد اعتاد الصمت بين المقابر فما فائدة الحديث ما دام أن الراحلين لن يرجعوا!
بعد أن قعد كما يقعد عادة أمام قبر زوجته سارحًا بالماضي، أمسك قبعته الصوفية الشبه مهترئة والمرقعة، لبسها على شعره الخفيف الذي يتصف بلون رمادي قاتم أشعث. مر على قبر ابنه الصغير ثم انحنى قليلًا ليزيل الأغبرة التي علت شاهدته، تمتم متحسرًا: «آه يا صغير...كم كانت أمك متلهفة لرؤيتك تكبر أمام عينيها، آه لو قدر لك العيش في هذه الدنيا ولو لبضع ساعات!»
بينما هو بذلك العمل، لمح رجل قاعدًا على إحدى المقابر يتلوى يمنة ويسرة، لاح الضباب مزعجًا لحدٍ ما فلم يتمكن من تبين هيئة ذلك الشخص.
علامات الرهبة والخوف لم ترتق قلب العم بل فضوله قاده للسير على الدرب المنشق وسط القبور ليقترب منه -بدا عليه شيء من الاندهاش لرؤية شخص في مثل هذا الوقت المبكر من الصباح، لكن الغريب أنه لم يكن مألوفًا له-
حادث العم نفسه مستغربًا: «من يكون هذا الرجل؟»
قطب حاجبيه فكادا يطغيان على وجود عينيه أثناء قولهِ والحيرة تتملكه: «ذلكما القبران! أذكر أنني دفنتٌ شابين مجهولين قبل مدة!»
عندما صار على بعد عشرة أمتار عنه سمع صوت أزيز يؤلم القلب. سمع كلمات تخرج من فم الرجل ومن بين شهقاته التي تمثل عذابًا سقيم:
- أصيل! شهق مرة أخرى شهقة حادة تجرح الفؤاد وهو يحمل ترابًا من القبرين وتساقطت بضعٌ من دمعاته الساخنة على يديه وراح يحضن الثرى بيديه ويئن على نحوٍ مفرط جعل العم يتأسى حزنًا على حاله.
سمعه مجددًا يقول: «راجي...أصيل! ولداي، ولداي!»
هنا علم العم تقي أن من سكنا في هذين القبرين هما شطران يعودن إلى روحه والآن قد خسرهما.
لم يكن ذلك الرجل إلا أبًا جال وتاه في الأراضي باحثًا عن ولديه فبعد أن تم أخذهما من قبل ذلك التنظيم المسمى داعش مع بعض الرهائن الآخرين، أثناء ما يسمى بصراع عقيم لأجل إرضاخ طرفٍ لمطالب طرف آخر لتسقط المفاوضات.. تنتهي المسألة بمنهجٍ مكررٍ على دوام، بدفع ثمن لا علاقة للطرفين به...
من يدفعه هم أهالي الضحايا، يدفعونه بعملة باهظة جدًا تسمى روحٌ عزيزة! لم تكن قصة هذا الرجل بعيدة عن الفهم، بعد رحلة معاناة طويلة لإنقاذ ولديه اهتدى إلى قبريهما فقط حتى قبل أن يلقي نظرة وداع عليهما ويقبلهما.
أشفق العم عليه فدنى منه وربت على كتفه الأيسر يواسيه: «ذهبا إلى دنيا خيرٍ من هذه الدنيا يا بني! ترحم عليهما، ترحم!»
لم يكن الرجل بوعيه الكامل فقد غيب بالحرقة والبكاء الهستيري، رآه العم كنفسهِ القديمة تلك التي كانت مقهورة على مصيرٍ مشابه، وعلم أنه سوف يحتاج أكثر من كلمات التعاطف ليعود إلى الدنيا، فتركه بحاله يبكي ويريح قلبه. وضع كلتا يديه خلف ظهره والتفت ملقيًا آخر نظرة متحسرة ثم مضى بعدها...
|النهاية
Forwarded from أُورڪِيد
.☁️🎈
"لو تبنينا المعنى النفسي المتمثل في عبارة الطبيب النفسي دونالد وينيكوت "جيد بما فيه الكفاية" لن نتطلب من أنفسنا المثالية، ولن نتطلع لنتائج مذهلة وكاملة، سيزاح عنّا عبء التزييف، تلك الأصوات المتطلبة تصبح أقل إلحاحاً، عقولنا تصبح أكثر هدوءاً، ونحن نصبح أكثر صدقاً وتسامحاً مع أنفسنا."
"لو تبنينا المعنى النفسي المتمثل في عبارة الطبيب النفسي دونالد وينيكوت "جيد بما فيه الكفاية" لن نتطلب من أنفسنا المثالية، ولن نتطلع لنتائج مذهلة وكاملة، سيزاح عنّا عبء التزييف، تلك الأصوات المتطلبة تصبح أقل إلحاحاً، عقولنا تصبح أكثر هدوءاً، ونحن نصبح أكثر صدقاً وتسامحاً مع أنفسنا."
صدقني لايوجد في هذه الحياة ما يستعصي على النسيان و لو كان حبا عظيما، هذا ما يجعل الحياة باعثة على الألم بقدر ما يجعلها باعثة على البهجة! لذا من الأفضل أن تكون قد عشقت خلال فترة من حياتك؛ لأن وجود عاطفة حزينة في أعماقك سيكون مبررا لهذا الحزن الغامض الذي يحاصرنا جميعا"
#ألبير_كامو
#ألبير_كامو
ويبقى فِي الذّاكرةِ ملامِحُ اصدِقاء ، عناقُ ايدِي ، وأحاديث خالدٌھٓ ، وكِتاباتٌ قديمةٌ ، وذكرياتٌ بيضَاء وخفقاتٌ اُولَى وامنياتٌ لا تبُور ..🖤🌻
Forwarded from فَراشَـة!💚 (Abeer Babiker)
- و لرُبّما علِق الكلام بحبّاتِ البُندق القابِعة داخِل إناء الحَليب المُثبتِ أعلَى وجهِك ..
رُبما لا تُسعفك الكلماتُ أحيانًا للتعبير عمّا بِك ..
لكِن العيون تتحدّث ، هَذه الحبّات المُستَديرة تَقول الكَثير ..
أكثَر من الأفواه حتّى!
فَـ فضلًا ..
تأمّلوا العيون ، لأنّها تحكي الكَثير! .. 💙
#عَـبير_بابِكر
رُبما لا تُسعفك الكلماتُ أحيانًا للتعبير عمّا بِك ..
لكِن العيون تتحدّث ، هَذه الحبّات المُستَديرة تَقول الكَثير ..
أكثَر من الأفواه حتّى!
فَـ فضلًا ..
تأمّلوا العيون ، لأنّها تحكي الكَثير! .. 💙
#عَـبير_بابِكر