زاد الخـطــيــب الـــدعـــــوي📚
8.38K subscribers
5 photos
212 files
3.2K links
الـشـبـكـة الـدعـــويــة الـرائـــدة
المتخصصة بالخطـب والمحاضرات
🌧 سـاهـم بالنشـر تؤجـر بـإذن اللـّـه
•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•

للتواصل مع إدارة القناة
إضغط على الرابط التالي
@majd321
Download Telegram
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
🎤
*خطبة جمعة بعنوان:*
*الافــتـقــــــار إلـى الله*
*للشيخ/ عبدالله الطوالة*
🕌🕌🕌🕌🕌🕌🕌

الخطبة الأولى:
إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)

أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

معاشر المؤمنين الكرام: ليتخيل كل منا أنه لم يُخْلَق، ولم يمر على هذه الدنيا أبداً، فكان ماذا؟ وماذا سيكون؟، ألم تَمْضِ أزمانٌ طويلة قبل وجودنا، والكون هو الكون، والناس هم الناس؛ وهكذا الحال أيضاً بعد موتنا، فلا افتقرت الموجودات إلى وجودنا سابقاً، ولن يختلّ نظامها بموتنا لاحقاً، وهذه الحقيقة نص عليها القرآن بقوله: (أَوَلا يَذْكُرُ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا)[مريم:67]، وقال -تعالى-: (هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَذْكُورًا)[الإنسان:1].

وقد جاء في الحديث القدسي الصحيح، قال الله -تعالى-: "يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ".

ولذلك فإنّ لذة الحياة، ومتعةَ الدنيا، وبركةَ العمر، وجمالَ العيش، وراحةَ النفس، وطمأنينةَ القلب، إنما تكون في شعور الإنسان بفقره إلى خالقه ومولاه، ودوام احتياجه إليه في حال وحين، ومتى ما غُرس هذا في القلب فهو بداية الغنى، وحلول الرضا، وحصول التوفيق والهدى،

ولا شك أنَّ جميع الخلق مفتقرونَ إلى الله في كل شؤونهم، وفي جميع أحوالهم، وفي كل أوقاتهم، وفقرهم إلى الله فقرٌ عامٌّ تامٌّ من كل الوجوه، فهم فقراءُ إلى الله، في إيجادهم ابتداءً، وفقراءُ إلى الله، في إمدادهم بكل ما يُصلحُ أحوالهم، وفقراءُ إلى الله، في هدايتهم وتوفيقهم، وفقراءُ إلى الله، في تعليمهم ما ينفعهم، وفقراءُ إلى الله، في تربيتهم وتزكيةِ أخلاقهم، وفقراءُ إلى الله، في دوام أمنهم واستقرارهم، وفي سلامتهم وحفظهم من كل سوء، وفقراءُ إلى الله، في تفريج كُرباتهم، وإزالةِ عُسرهم؛ وفقراءُ إلى الله، في حُبّه لهم وحبّهم له، وفي عبادتهم إياه، وعصمتِهم من إضلال الشيطان وإغوائه؛ (وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً)[النساء:83].

فجميع الناس فقراءُ إلى الله من كل وجهٍ وبكل معنى، وقد نادى الله جميع الناس وأخبرهم بهذا؛ فقال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيد)[فاطر:15]، وكثيرةٌ هي الآياتُ التي تُثبت افتقارنا إلى الله -عزَّ وجلَّ-، فلنتأمل: (وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ)[الأنعام:133].

وقال -تعالى-: (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيراً)[النساء:133]، وقال -تعالى-: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحقِّ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ *وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ)[إبراهيم:19]، وقال -تعالى-: (يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا)[النساء:29]، فالضعفُ والافتقارُ جِبِلّةٌ في أصل الإنسان.
وحقيقةُ الافتقارِ إلى الله -تعالى- أن يُجرِّدَ العبدُ قلبهُ من كلّ حظوظه وأهوائه، ويُقْبِلُ بكليته على ربه -جلَّ وعلا-، مُتذللاً بين يديه، مُستسلماً لأمره ونهيه، مُعلِّقاً قلبهُ بمحبته وطاعته.

فالإنسانُ مهما ملكَ فهو فقير، ومهما طال عمرهُ فهو قصير، ومهما تعاظمَ فهو ضئيل، ومهما تطاولَ فهو هزيل، ومهما قويت حيلته فهو كليل، ومهما أُوتي من العلم فعلمه قليل، يقول الإمام الحسن البصري -رحمه الله-: "مسكينٌ ابن آدم، محتومُ الأجل، مكتومُ الأمل، مستورُ العلل، يتكلمُ بلحم، وينظرُ بشحم، ويسمعُ بعظم، أسيرُ جوعَة، مُطيعٌ بطنه، تؤذيهِ البقة، وتنتنهُ العَرقة، وتقتلهُ الشرقة، لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً".

ويقول الامام ابن القيم -رحمه الله-: "العبدُ ذليلٌ لخالقه ومولاه بكل وجهٍ من وجوه الذل، فهو ذليلٌ لعزِّه، وذليلٌ لقهره، وذليلٌ لربوبيته وملكه، وذليلٌ لإحسانه وإنعامه؛ وذليلٌ لحاجته إليه على مدى الأنفاس، في جلب كل ما ينفعه، ودفع كل ما يضره".

فمن لم يتشْرب قلبهُ حقيقةَ الفقر، ويشعرُ بشدة الحاجةِ لخالقه، وعظيمِ الفاقةِ لمولاه، فلن يعرفَ للعبوديةٍ معنًى، ولن يجد للسعادة طعماً، وهو عن البصيرة أعمى، والعبادة كما يقول يحيى بن معاذ: "هي العنايةُ بالسرائر، وإخراجُ ما سوى اللهَ -عزَ وجلَّ- من القلب".

فمتى أقرَّ الإنسان بضعفه وعوزه، وافتقارهِ وحاجته، كان من المُوفَّقين، ومتى ما أعلنَ فقرهُ واحتياجهُ لخالقه الغني الحميد من كل وجهٍ، فسيعينه ويهديه، ويحفظه ويحميه، ويرزقهُ ويكفيه، (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَاد * وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انتِقَام)[الزمر:36]،

ألا فما أفقرنا إلى الله -تعالى- في هدايتنا وصلاح قلوبنا، واستقامة أحوالنا، وزكاء أعمالنا، وصلاح أبنائنا، وسلامة أبداننا، واستتباب أمننا، واستدامة أرزاقنا، وما أفقرنا إلى عفو ربنا ورحمته؛ لنعتق من النار، ويكتب لنا الرضوان، وسكنى الجنان.

فاعرفوا -يا عباد الله- لهذا الإله العظيم حقّه، وأقِرُّوا بإحسانه وفضله، وافتقروا إليه، فما استُجْلِبَتْ رحماتُ الله، ولا استُمْطِرَت خيراتُه بمثل الافتقار إليه، والانكسارِ بين يديه، فَهُوَ –سُبْحَانَهُ- أرحم الراحمين، رَؤُوفٌ بِعِبَادِهِ، لطيف خبير، سميعٌ بصير، ينادينا وهو الغني عنا: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم)[الزمر:53]، ويقول: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)[غافر:60].

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُون * أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُون)[النمل: 62 -63].

بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.



الخطبة الثانية:
الحمد لله وكفى، وصلاة وسلاماً على عباده الذين اصطفى.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله وكونوا مع الصادقين، وكونوا من (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَاب)[الزمر:18].

معاشر المؤمنين الكرام: سعادةُ العبدِ وفلاحهِ وغناه، في قوة لجوئهِ إلى خالقه، وافتقاره لمولاه، فكلما افتقر العبدُ لمولاه، استغنى عمن سواه، وما هو الافتقار الحقيقي إلى الله، قال ابن القيم يجيب عن هذا السؤال: هو أن يشهد العبدُ في كل ذرة من ذراته الظاهرةِ والباطنةِ ضرورةً تامةً إلى الله، وافتقاراً تامّاً لربه ومولاه، ومَنْ بيده صلاحهُ وفلاحهُ وهداه، وسعادته في دُنياه وأخراه،

والافتقار إلى الله، كما يقول الإمام سهلُ التستري: "هو أقرب الطرق المُوصِّلةِ إلى الله"، ويقولُ أحد العارفين: "أحسنُ ما يتوسلُ به العبدُ إلى الله: دوامُ الافتقارِ إليه على جميع الأحوال، وملازمةُ السُّنةِ في جميع الأفعال، وطلبُ القوتِ من وجهٍ حلال".
ثم إنَّ في الافتقار إلى الله ومناجاته، لذة لا تُوصَف، قال بعض العارفين: "إنه لتكون لي حاجةٌ إلى الله، فأسأله إياها، فيُفتَحُ عليَّ من مناجاته ومعرفته، والتذلُّل له، والتملق بين يديه؛ ما أحبُّ أن يؤخرَ عني قضاءها وتدومُ لي تلك الحال".

ولْنستمع إلى أبياتٍ جميلةٍ لشيخ الإسلام ابن تيمية، يُعلنُ فيها حاجتهُ وافتقاره إلى ربه ومولاه، يقول رحمه الله:

أنا الفقيرُ إلى رب البريات *** أنا المُسيكِينُ في مجموع حالاتي
أنا الظلومُ لنفسي وهي ظالمتي *** والخير إن يأتنا من عنده يأتي
لا أستطيع لنفسي جلبَ منفعةٍ *** ولا عن النفس لي دفعُ المضراتِ
وليس لي دونهُ مولىً يُدبرُني *** ولا شفيعٌ إذا حاطت بي خطيئاتي
والفقرُ لي وصفُ ذاتٍ لازمٌ أبدًا *** كما الغنى أبداً وصفٌ له ذاتي
وهذه الحالُ حالُ الخلقِ أجمعِهم *** وكلُهم عندهُ عبدٌ له آتي
فمن بغى مطلبًا من غير خالقهِ *** فهو الجهولُ الظلومُ المشركُ العاتي
والحمدُ لله مِلأ الكونِ أجمعهِ *** ما كان منهُ وما من بعدُ قد يأتي

والمتأملُ في جميع أنواع العبادات؛ يرى أنّ الافتقارَ إلى الله، هي الصفةُ الجامعةُ لها، فبقدر افتقارِ العبد فيها إلى الله، يكونُ أثرها في قلبه، وانتفاعُه بها في الدنيا والآخرة، يشهدُ لذلك قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: "أقربُ ما يكونُ العبدُ من ربه وهو ساجد".

أيها المسلمون الكرام: الافتقارُ إلى الله -تعالى- منزلةٌ في الدين عظيمة، وله عند الله مكانةٌ خاصة، وله علامات ودلائل كثيرة، من أبرز علامات الافتقار إلى الله: التذللُ التّامُّ لله -جلّ في علاه- مع غاية الحب؛ ففي الحديث الصحيح، قال -صلى الله عليه وسلم-: "لا يؤْمِنُ أحَدُكم حتى يَكونَ اللهُ ورسولُه أَحَبَّ إليه ممَّا سِواهما".

ومن علامات الافتقار إلى الله: قوة التعلق بالله -تعالى- وبمحبوباته؛ في الصحيحين أن أحدَ السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله"، "رجلٌ قلبهُ معلَّقٌ في المساجد".

ومن علامات الافتقار إلى الله: مداومةُ الذكرِ والاستغفار؛ (الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)[الرعد:28].

ومن علامات الافتقار إلى الله: الخوف والوجل من عدم قبولِ العمل: في الحديث الصحيح، أنّ أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن هذه الآية: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ)[المؤمنون:60]، أَهُمُ الَّذينَ يشربونَ الخمرَ ويسرِقونَ؟ قالَ: "لا يا بنتَ الصِّدِّيقِ، ولَكِنَّهمُ الَّذينَ يصومونَ ويصلُّونَ ويتصدَّقونَ، وَهُم يخافونَ ألا تُقبَلَ منهُم أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ".

ومن علامات الافتقار إلى الله: خشية الله في السرَّ والعلن، قال -عز وجل-: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)[الأنفال:2]، وقال -تعالى-: وقال: (وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاَةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُون)[الحج:35].

ومن علامات الافتقار إلى الله: تعظيمُ أوامرِ اللهِ ونواهيه، قال -تعالى-: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ)[الحج:30]، وقال -تعالى-: (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوب)[الحج:32]، وقال -جلّ وعلا-: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا)[النساء:65].

ومن علامات الافتقار إلى الله: كثرة التوبة والاهتمام بها، قال -تعالى-: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)[النور:31]، وفي الحديث الصحيح: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إلى اللهِ، فإنِّي أَتُوبُ في اليَومِ إلَيْهِ مِئَةَ مَرَّةٍ".

فيا أيها المسلمون: فَرِّغوا قلوبكم لربكم، وعلِّقوا قلوبكم بخالقكم، ونادوا مولاكم يستجب لكم؛ فإن أصابك ضرٌّ فقل يا الله، وإن نابك همٌّ فقل يا الله، وإن تعسَّر عليك أمرٌ فقل يا الله، وإن تراكمت عليك ديونٌ فقل يا الله، وإن زادت ذنوبك فقل يا الله، وإن كثرت أمراضك فقل يا الله، وإن أصابك همّ أو غمّ أو كربٌ فقل يا الله؛ (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ)[النمل: 62]، (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ)[يوسف:86]، ومن لك يا عبد الله غيرُ الله؛ (وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ)[الاسراء:67].
فيا ابن آدم عش ما شئت فإن ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، البر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديان لا يموت، وكما تدين تدان.

عبادَ اللهِ: وصلُّوا وسلِّموا -رعاكم الله- على محمد بن عبد الله، كما أمركم الله بذلك في كتابه، فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً)[الأحزاب: 56].
وقال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى الله عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا".
اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد.
وارضَ اللهمَّ عن الخلفاء الراشدين، أبى بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعلي، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.

اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واحمي حوزة الدين يا رب العالمين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم اشف مرضانا، وعاف مبتلانا، وارحم موتانا يا رب العالمين

اللهم بارك لمن حَضَرَ معنا صلاتنا هذه في علمه وعمره وعمله، وبارك له في بدنه وصحته وعافيته، وبارك له في أهله وولده، وبارك له في ماله ورزقه، واجعله يا ربنا مباركًا موفقًا مسددًا أينما حَلَّ أو ارتحل.
اللّهم آت نفوسنا تقواها، زكِّها أنت خير من زكاها، أنت وليُّها ومولاها.
اللّهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، والموت راحةً لنا من كل شر.
اللّهم اغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.
ربنا إن ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

عِبَادَ الله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) ، فَاذْكُرُوا اللهَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوْهُ على نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

*نشر العلم صدقة جارية فأعد نشرها*
*ولا تبخل على نفسك بالأجـر العظيم*
=======================
ـــــــ🕋 زاد.الـخـطــيــب.tt 🕋ــــــــ
منــبرالحكـمــةوالمـوعـظـةالحســنـة.tt
رابط التليجرام👈 t.me/ZADI2
للإشتراك بشبكة زاد الخطيب الدعوي
ارسل.اسمك.للرقم.730155153.tt
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
🎤
*خطبة جمعة بعنوان:*
*مــواعــظ وحــــكـــــم*
*من وصايا لقمان الحكيم*
*للشيخ/ موفق فاضل العودي*
🕌🕌🕌🕌🕌🕌🕌

*الخطبة الأولى:*
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ الله حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُون}[آل عمران:102]
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ الله الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}[النساء:1]
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا }[الأحزاب:70-71]

أمــــا بـعـــــــد :
فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار أجارنا الله وإياكم من البدع والمحدثات والنار.

أيها الناس: كلامنا في هذا اليوم العظيم ,وفي هذا المقام العظيم, عن وصايا عظيمة وإرشادات قويمة وتوجيهات مباركة ونصائح مسددة ,صدرت من ولي من أولياء الله ذكرها الله في كتابه الكريم وذكر اسمه في القرآن العظيم, بآيات تتلى إلى قيام الساعة وسميت السورة باسمه ألا وهو لقمان الحكيم عليه السلام.
فسنقرأ هذه الآيات ونأخذ منها تلكم النصائح والتوجيهات ونتطرق إلى الحكم والفوائد المستفادة منها فإنها شرع لنا حيث إن الله ذكرها في القرآن وأوصانا بها نبينا عليه الصلاة والسلام.

قال المفسر ابن كثير ـ رحمه الله ـ: هذه وصايا نافعة قد حكاها الله عن لقمان الحكيم يمتثلها الناس ويقتدوا بها. اهـ
ولقمان الحكيم رجل صالح آتاه الله الحكمة وهي الإصابة والسداد ولم يكن لقمان نبيا على الصحيح.

قال ابن كثير: لقمان الحكيم رجل صالح. وقال ابن عباس رضي الله عنهما كان عبدا حبشيا نجارا وقال الأعمش عن مجاهد كان عبدا صالحا ولم يكن نبيا وكان عبدا أسود عظيم الشفتين مشقق القدمين. اهـ والحكمة التي آتاه الله هي كما قال ابن كثير الفهم والعلم والتعبير. اهـ
وقال البغوي: الحكمة هي العقل والعلم والعمل به والإصابة في الأمور. اهـ
قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيد}[لقمان:12]

نستفيد من هذه الآية التحلي بالحكمة وهي وضع الشيء في مواضعه اللائقة به,فعلى العبد أن يكون حكيما في تصرفاته ومعاملاته وفي دعوته ورعايته وفي كلامه وأفعاله قال تعالى: {يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَاب}[البقرة:269]

قال المفسر السعدي: الحكمة هي العلم بالأحكام ومعرفة ما فيها من الأسرار والإحكام فقد يكون عالما ولا يكون حكيما وأما الحكمة فهي مستلزمة للعلم بل والعمل ولهذا فسرت الحكمة بالعلم النافع والعمل الصالح. اهـ

فحري بالداعية أن يكون حكيما, فإنه إن استخدم الحكمة في الدعوة إلى الله وتحلى بها نفع الله به وبدعوته وأقبل الناس على دعوته وانتفعوا بها قال تعالى: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين}[النحل:125]
قال المفسر البغوي: (ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ): بِالْقُرْآنِ، (وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) يَعْنِي مَوَاعِظَ الْقُرْآنِ. وَقِيلَ: الْمَوْعِظَةُ الْحَسَنَةُ هِيَ الدُّعَاءُ إِلَى اللَّهِ بِالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ. وقيل: هو قول اللين الرقيق من غير تغليظ وَلَا تَعْنِيفٍ. اهـ

وقال المفسر السعدي: {بِالْحِكْمَةِ} أي: كل أحد على حسب حاله وفهمه وقوله وانقياده. ومن الحكمة الدعوة بالعلم لا بالجهل والبداءة بالأهم فالأهم، وبالأقرب إلى الأذهان والفهم، وبما يكون قبوله أتم، وبالرفق واللين، فإن انقاد بالحكمة، وإلا فينتقل معه بالدعوة بالموعظة الحسنة، وهو الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب. إما بما تشتمل عليه الأوامر من المصالح وتعدادها، والنواهي من المضار وتعدادها، وإما بذكر إكرام من قام بدين الله وإهانة من لم يقم به. وإما بذكر ما أعد الله للطائعين من الثواب العاجل والآجل وما أعد للعاصين من العقاب العاجل والآجل.
فإن كان المدعو يرى أن ما هو عليه حق, أو كان داعية إلى الباطل، فيجادل بالتي هي أحسن، وهي الطرق التي تكون أدعى لاستجابته عقلا ونقلا, ومن ذلك الاحتجاج عليه بالأدلة التي كان يعتقدها، فإنه أقرب إلى حصول المقصود، وأن لا تؤدي المجادلة إلى خصام أو مشاتمة تذهب بمقصودها، ولا تحصل الفائدة منها بل يكون القصد منها هداية الخلق إلى الحق لا المغالبة ونحوها. اهـ

ومن الحكمة ,معرفة حال المدعوين وما يحتاجونه ومن ثمَّ تقديم ما يناسبهم واستخدام الأسلوب الأمثل الذي يلائمهم.
وإن من الحكمة شكر النعمة فإن الله قال: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيد}[لقمان:12]
فإن شكر الله على نعمه عبادة ومن أسباب الزيادة قال تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيد}[إبراهيم:7]

وشكر النعمة هو صرفها فيما يرضي الله وفيما أباح الله, والإقرار بالقلب أنها من الله وعدم نسبتها إلى غيره والثناء عليه باللسان ,فهذه هي أركان الشكر ,وهي القلب واللسان والجوارح.
قال الشاعر:
أفَادَتْكُمُ النّعْمَــاء منِّي ثَلاثـةً... يدِي ولَسَاني وَالضَّميرالمُحَجَّبَا

وكفر النعمة هو صرفها في المعصية ونسبتها إلى غير الله وعدم الثناء على المنعم باللسان.

فمَن شكر الله على نعمه زاده من فضله وأبقى له النعمة وجزاه من خيري الدنيا والآخرة قال تعالى: { وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِين}[آل عمران:145]
ومَن كفر النعمة زالت عنه وحل عليه عذاب الله قال تعالى: { وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيد}[إبراهيم:7]

ولقد ضرب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أمثلة كثيرة في القرآن الكريم والسنة المطهرة لأمم وأناس كفروا نعمة الله فسلبهم الله إياها وعذبهم, كقصة أصحاب سبأ, وقصة أصحاب الجنة في سورة القلم, وقصة صاحب الجنة التي في سورة الكهف, وقصة قارون, وفي السنة قصة الأقرع والأبرص سلبهم الله النعم من الأوال والعافية بسبب كفر النعمة , فكان عاقبة أمرهم خسرا.

ومن شكر النعمة الشكر للوالدين قال تعالى في سورة لقمان: {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِير}[لقمان:14]

فمن شكر الوالدين طاعتهما والاعتراف بالجميل لهما والدعاء لهما بالمغفرة والرحمة في حياتهما وبعد موتهما امتثالا لأمر الله وجزاء لهما بما قاما به من أعباء وأتعاب ونفقات نحو الأولاد, فمهما قام الولد بحقهما فلن يستطيع مكافأتهما والوفاء بحقهما ,لعظم ما يقوما به لا سيما الأم لن يستطيع أن يقوم بحقها ولا بزفرة واحدة من زفرات الولادة ولن يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا أو عبدا فيشتريه فيعتقه, ولهذا غالبا ما يقرن الله حقه بحق الوالدين في كثير من الآيات لعظم حقهما على الولد ولأنهما السبب في وجوده ليعبد الله تعالى ولأن طاعتهما ـ في غير معصيةـ من طاعة الله قال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا }[الإسراء:23]
قال المفسر البغوي: قال ابن عيينة: من صلى الصلوات الخمس فقد شكر الله, ومن دعا للوالدين في أدبارالصلوات فقد شكر الوالدين. اهـ
وفي قوله تعالى في هذه السورة: { وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ } وقوله في آية أخرى في سورة الأحقاف: { وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا }[الأحقاف:15]

فائدة: وهي أن المرأة قد تضع الحمل في ستة أشهر فما فوق ,لأن الثلاثين شهرا عبارة عن عامين وستة أشهر, فيكون العامان للرضاعة ,والستة أشهر للحمل كما في هذه الآية, فلا يرتاب إنسان إن وضعت المرأة لستة أشهر.
قال ابن كثير رحمه الله: وَمِنْ هَاهُنَا اسْتَنْبَطَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ أَنَّ أَقَلَّ مُدَّةِ الْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ؛ لِأَنَّه الله تَعَالَى قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا} وفي هذه الآية قال:

"وفصاله في عامين". اهـ
وقال المفسر السعدي :"إن أقل مدة الحمل ستة أشهر لأن مدة الرضاع -وهي سنتان- إذا سقطت منها السنتان بقي ستة أشهر مدة للحمل"اهـ
{وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم}[لقمان:13]

في هذه الآية الحرص على تعليم الأبناء وتربيتهم التربية الشرعية على الكتاب والسنة وتعليمهم العقيدة الصحيحة واستخدام الوعظ والترغيب والترهيب والتلطف كخطاب لقمان يا بني وإبراهيم عليه السلام يا أبت والبدء بالأقرب فالأقرب قال تعالى: "وأنذر عشيرتك الأقربين" الشعراء 214
وبدأ لقمان في وصيته لابنه بأعظم شيء وحذره من أكبر معصية عصي الله بها في الأرض وهي الشرك بالله فقال: { يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم}[لقمان:13] أي ذنب فبيح لا يغفره الله إن مات عليه ولا يدخل صاحبه الجنة ويخلد في النار والعياذ بالله.
قال سبحانه: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُون}[الأنعام:82]
أي لم يخلطوا مع إيمانهم شرك .

وفي صحيح البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود،رضي الله عنه, قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ } [الأنعام: 82] شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَقَالُوا أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَيْسَ كَمَا تَظُنُّونَ إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ {يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}.وفي رواية :" فَأَنْزَلَ اللَّهُ : {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}.

ظنوا أن المقصود بالظلم هنا هوالمعاصي فبين الله لهم أنه الشرك,فمن لم يخلط إيمانه بشرك له الأمن التام والهداية التامة في الدنيا والآخرة.
وقوله تعالى: {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون}[لقمان:15]

يستفاد من هذه الآية أن الوالدين إذا أمرا الولد بمعصية فلا يجوز طاعتهما ويجب نصحهما بالمعروف وعدم التعنيف عليهما فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق كائنًا من كان إنما الطاعة بالمعروف ,فقد ثبت عند الإمام أحمد عن عِمْرَان بْن الحُصَيْنٍ رضي الله عنه، قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ "
وسبب هذه الآية ما رواه الطبراني عن سعد بن أبى وقاص رضي الله عنه قال أنزلت فيَّ هذه الآية: {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا }[لقمان:15] قال: كنت رجلا براً بأمي ، فلما أسلمتُ قالت :يا سعد، ما هذا الدين الذي قد أحدثت؟ لتدعنَّ دينك هذا أو لا آكلُ ولا أشربُ حتى أموت ، فتُعَيَّر بي ،فيقال: يا قاتل أمه ، قلت: لا تفعلي يا أمّه، إني لا أدع ديني هذا لشيء ، فمكثت يوماً وليلة لا تأكل و لا تشرب ، و أصبحت و قد جهدت ، فمكثت يوما وليلة أخرى لا تأكل فأصبحت قد اشتد جهدها، فلما رأيت ذلك ، قلت :يا أمه تعلمين و الله لو كان لك مائة نفس ، فخرجت نفساً نفساً ، ما تركت ديني، إن شئت فكلى أو لا تأكلي . فلما رأت ذلك أكلت .
وفي رواية عند الترمذي أن أم سعد قالت: أَلَيْسَ قَدْ أَمَرَ اللَّهُ بِالبِرِّ، وَاللَّهِ لاَ أَطْعَمُ طَعَامًا وَلاَ أَشْرَبُ شَرَابًا حَتَّى أَمُوتَ أَوْ تَكْفُرَ ... فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةَ {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا }[لقمان:15]

الله أكبر, هؤلاء هم الرجال الذين صدقوا الله ما عاهدوه عليه وقدموا مرضات الله على مرضات أنفسهم ووالديهم فما بال أناس قدموا مرضات مشايخهم وعلمائهم وكبرائهم واتبعوا الباطل تقليدا لهم.
فانتبه يا عبد الله ليكن الحق مقدما عندك وأحب إليك من ولدك ووالديك ومن نفسك والناس أجمعين .

هكذا فليكن من أراد النجاة والسعادة فالحق أحق أن يتبع {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ }[الكهف:29]

ثم علَّم لقمان ابنه المراقبة لله وأن الله مطلع عليه يرى مكانه ويعلم أعماله ويسمع أقواله ويعلم حاله لا تخفى عليه خافية "وما من غائبة في السماوات والأرض إلا يعلمها "يسمع دبيب النملة السوداء ويراها على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء.

يقول لقمان لابنه {يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِير}[لقمان:16]
قال المفسر ابن كثير: وَلَوْ كَانَتْ تِلْكَ الذَّرَّةُ مُحَصَّنَةً مُحَجَّبَةً فِي دَاخِلِ صَخْرَةٍ صَمَّاء، أَوْ غَائِبَةٍ ذَاهِبَةٍ فِي أرجاء السموات أَوِ الْأَرْضِ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِهَا لأنه لا تخفى عليه خافية، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض؛ ولهذا قال: { إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ } أي: لطيف العلم فَلَا تَخْفَى عَلَيْهِ الْأَشْيَاءُ وَإِنْ دَقت وَلَطُفَتْ وَتَضَاءَلَتْ {خَبِيرٌ} بِدَبِيبِ النَّمْلِ فِي اللَّيْلِ الْبَهِيمِ..
وقال: {إنهاإِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ } أي: إن المظلمة أو الخطيئة لو كانت مثقال حبة من خردل. .
وقوله: { يَأْتِ بِهَا اللَّهُ } أي: أحضرها الله يوم القيامة حين يضع الموازين القسط، وجازى عليها إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر. كما قال تعالى: { وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ } [الأنبياء: 47]، وقال تعالى: { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ } [الزلزلة:7 ، 8 ]اهـ.

فينبغي على العبد أن يستحضر مراقبة الله وأن يغرسها في قلب ولده ويعلم أن هذه المرتبة هي أعلى مراتب الدين وهو الإحسان كما في صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حديث جبريل المشهور قال:" فأخبرني عن الإحسان قال أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك نستغفر الله العظيم.


*الخطبة الثانية:*
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه .

وبعــــــــد :
فمن وصايا لقمان لابنه الأمر بإقامة الصلاة قال تعالى: "يا بني أقم الصلاة" [لقمان 11] لأنها عمود الدين والصلة بين العبد وربه وأول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة وهي العهد بين المسلمين وبين المنافقين والكافرين, فيجب علينا أن نعلم أولادنا الصلاة وأن نأمرهم بها لما روى أبو داود عن عن عمرو بن شُعيب، عن أبيه عن جدِّه، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "مُرُوا أولاكمِ بالصلاةِ وهم أبناءُ سبعِ سِنينَ، واضرِبوهم عليها وهم أبناءُ عَشرٍ، وفرِّقوا بينهم في المَضاجِعِ"

فيجب على ولي الأمر أن يأمر أولاده بالصلاة وأن يضربهم عليها إن تهاونوا بها, فإن ضرْبهم عليها مشروع وإن لم يبلغوا سن التكليف ليتروضواعليها وإن لم تجب عليهم,فإن الولد إذا شب على الصلاة فإنه لا ينفك عنها إذا كبر,وبالعكس إذا أهمل فإنه يشب ويكبر ولايصلي في الغالب ,فعلى هذا يجب على ولي الأمر أن يعلم أولاده الصلاة في سن الصغر, ـ بنين وبنات ـ وإن قصر فهو آثم لأمر النبي صلى الله عليه وسلم فإن الأمر يقتضي الوجوب,فإذا كان هذا في حق الأولاد الصغار فكيف بالشباب والكثير منهم قد ضيعوا الصلاة فهذا ناتج إما عن تقصير آبائهم فيهم في صغرهم وإما بسبب جلساء السوء.

فانتبه لأولادك وانظر من يجالسون فإن المرء على دين جليسه فإن كان جلساؤهم قطاع صلاة فإنهم كذلك كما ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل " رواه أبو داود والترمذي
قال تعالى:{فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم:59] أي عذابا عظيما .

ثم أمر لقمان ابنه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على ذلك فقال: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ }[لقمان:17]
يؤخذ من هذه الآية وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد روى مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ».

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصل من أصول الدين لا يقوم الدين إلا بهما وهما مسئولية الجميع كبارا وصغارا رجالا ونساءً لعمم الحديث,وقد جعله بعض أهل العلم ركنا سادسا من أركان الإسلام, والمعروف هو ما عرفه الشرع والمنكر هو ما أنكره الشرع, فلا يجوز السكوت عن المنكر عند القدرة على تغييره وله أحكام وضوابط.

منها: ألا يؤدي إلى منكر فإن كان تغيير المنكر يؤدي إلى أنكر منه فتركه أولى .

وينبغي للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يستخدم الحكمة في دعوته وأن يصبر على الأذى في سبيل ذلك, لأنه ما من داعي إلى الله يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا أوذي وعودي كما حصل للأنبياء وأتباعهم في دعوتهم إلى الله, ولهذا ذكر الصبر بعد الأمر بالمعروف والنهي والمنكر فقال: { وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُور}[لقمان:17]
قال ابن كثير: عَلِمَ أَنَّ الْآمِرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهِيَ عَنِ الْمُنْكَرِ، لَا بُدَّ أَنْ يَنَالَهُ مِنَ النَّاسِ أَذًى، فَأَمَرَهُ بِالصَّبْرِ. وَقَوْلُهُ: {إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمُورِ} أَيْ: الصَّبْرَ عَلَى أَذَى النَّاسِ. اهـ

والآية عامة في الصبر على الدعوة إلى الله، والصبرعلى المصائب فإن الله سبحانه وتعالى رتب أجورا عظيمة على الصبر عند المصائب منها: قوله تعالى: { وَبَشِّرِ الصَّابِرِين * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعون } [البقرة:155-156]
ومن وصايا لقمان لابنه أن دعاه إلى التواضع وحذره من الكبر على الناس فقال: {وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُور}[لقمان:18]
قال ابن كثير: أي: لَا تُعرِضْ بِوَجْهِكَ عَنِ النَّاسِ إِذَا كَلَّمْتَهُمْ أَوْ كَلَّمُوكَ، احْتِقَارًا مِنْكَ لَهُمْ، وَاسْتِكْبَارًا عَلَيْهِمْ وَلَكِنْ ألِنْ جَانِبَكَ، وَابْسُطْ وَجْهَكَ إِلَيْهِمْ {وَلا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحًا} أَيْ: جَذْلًا مُتَكَبِّرًا جَبَّارًا عَنِيدًا، لَا تَفْعَلُ ذَلِكَ يُبْغِضُكَ اللَّهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} أَيْ: مُخْتَالٍ مُعْجَبٍ فِي نَفْسِهِ، فَخُورٌ: أَيْ: عَلَى غَيْرِهِ. اهـ

فالتحلي بالتواضع صفة حميدة تنبغي للصغار والكبار وهي من أسباب الألفة والمودة بين الناس بينما الكبر من أسباب البغض والبغي بين الناس.
فقد روى الإمام مسلم عن عياض بن حمار رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ اللهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَبْغِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ»
ثم حث لقمان ابنه على التوسط في المشي فلا يمشي مشية المتمارض ولا يسرع سرعة الهارب فقال: "واقصد في مشيك".

وحثه على حفظ الصوت وعدم رفعه بغير حاجة وشبه رفع الصوت بأصوات الحمير فقال: { وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِير}[لقمان:19] فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا تكلم أو سلم يسمع اليقظان ولا يوقظ النائم كما عند مسلم من حديث المقداد بن الأسود رضي الله عنه.
قال ابن كثير: { وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ} أَيْ: لَا تُبَالِغْ فِي الْكَلَامِ، وَلَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ فِيمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ وَهَذَا التَّشْبِيهُ فِي هَذَا بِالْحَمِيرِ يَقْتَضِي تَحْرِيمَهُ وَذَمَّه غَايَةَ الذَّمِّ ولهذا يشرع الاستعاذة عند نهيق الحمار. اهـ

فقد روى البخاري ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ فَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ، فَإِنَّهَا رَأَتْ مَلَكًا، وَإِذَا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الحِمَارِ فَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّهُ رَأَى شَيْطَانًا»
فنسأل الله أن يرزقنا الحكمة في القول والعمل
اللهم إنا نسألك الهدى والسداد
اللهم فقهنا في دينك برحمتك يا أرحم الراحمين.

*نشر العلم صدقة جارية فأعد نشرها*
*ولا تبخل على نفسك بالأجـر العظيم*
=======================
ـــــــ🕋 زاد.الـخـطــيــب.tt 🕋ــــــــ
منــبرالحكـمــةوالمـوعـظـةالحســنـة.tt
رابط التليجرام👈 t.me/ZADI2
للإشتراك بشبكة زاد الخطيب الدعوي
ارسل.اسمك.للرقم.730155153.tt
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
*مع التقوى والمتقين*
*للشيخ/ أمـير المـدري*
🕌🕌🕌🕌🕌🕌

*الخطبة الأولى:*
الحمد لله الذي أكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة، وجعل أُمتنا وله الحمد خير أمة، وبعث فينا رسولاً منا يتلو علينا آياته ويزكينا ويُعلمنا الكتاب والحكمة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدة لا شريك له شهادةً تكون لمن اعتصم بها خير عصمة، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله للعالمين رحمة وخصَّه بجوامع الكلم فربما جمع أشتات الحِكَم والعلم في كلمة أو شطر كلمة، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه صلاةً تكون لنا نوراًً من كل ظلمة وسلم تسليماً كثيرًا.
أيها الناس أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل: (وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ) [البقرة:281]، اتقوا يومًا الوقوف فيه طويل والحساب فيه ثقيل.

وبعد: عباد الله: مع التقوى سيكون حديثنا, مع صفات المتقين سنعيش في هذه الدقائق بإذن الله عز وجل.
والتقوى: أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه وقاية، وتقوى العبد لربه: أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من غضبه وسخطه وقاية تقيه من ذلك بفعل طاعته واجتناب معاصيه.

قال ابن عباس –رضي الله عنهما- : "المتقون هم الذين يحذرون من الله وعقوبته".

وقال طلق بن حبيب – رحمه الله تعالى-: "التقوى: أن تعمل بطاعة الله على نورٍ من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نورٍ من الله، تخاف عقاب الله".

وقال ابن مسعود رضي الله عنه في قوله تعالى: ( اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ) [آل عمران:102].
"تقوى الله أن يُطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا ينسى، وأن يُشكر فلا يُكفر".

وعرّف علي بن أبي طالب –رضي الله عنه- التقوى فقال: "هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والقناعة بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل".

فاحرص يا أخي الكريم على تقوى الله عز وجل لتعيش سعيداً في الدنيا وفي الآخرة.
نتكلم عن التقوى لأن التقوى هي التي تصحبنا إلى قبورنا فهي المؤنس لنا من الوحشة والمنجية لنا من عذاب الله العظيم.

دخل علي –رضي الله عنه- المقبرة فقال: "يا أهل القبور ما الخبر عندكم: إن الخبر عندنا أن أموالكم قد قُسِّمت، وأن بيوتكم قد سُكنت، وأن زوجاتكم قد زُوجِّت، ثم بكى، ثم قال: والله لو استطاعوا أن يجيبوا لقالوا: إنا وجدنا أن خير الزاد التقوى".

التقوى هي خير ضمانة نحفظ بها أولادنا ومستقبل أبنائنا من بعدنا قال تعالى:
(وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً) [النساء:9].

وتأملوا عباد الله: كيف أن الله سبحانه سخّر نبياً هو موسى -عليه السلام- وولياً هو الخضر -عليه السلام- لإقامة جدار في قرية بخيلة فاعترض موسى -عليه السلام-: ( قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً ) [الكهف:77].

ثم يخبر الخضر -عليه السلام- سبب فعله بالغيب الذي أطلعه الله عليه في هذا الأمر، فيقول: ( وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً ) [الكهف:82]. وقال ابن عباس: حُفظا بصلاح أبيهما، وكان الأب السابع، والله أعلم.

والتقوى وصية الله للأولين والآخرين، قال تعالى: ( وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنْ اتَّقُوا اللَّهَ )[النساء:132].

قال القرطبي – رحمه الله تعالى-: "الأمر بالتقوى كان عاماً لجميع الأمم"، وقال بعض أهل العلم: "هذه الآية هي رحى آي القرآن كله؛ لأن جميعه يدور عليها، فما من خير عاجل ولا آجل، ظاهر ولا باطن إلا وتقوى الله سبيل موصل إليه ووسيلة مبلّغة له، وما من شر عاجل ولا ظاهر ولا آجل ولا باطن إلا وتقوى الله عز وجل حرزٌ متين وحصنٌ حصين للسلامة منه والنجاة من ضرره".

فالتقوى أصلح للعبد وأجمع للخير، وأعظم للأجر، وهي الجامعة لخيري الدنيا والآخرة، الكافية لجميع المهمات.

التقوى وصية النبي –صل الله عليه وسلم- لأمته فعن العرباض بن سارية رضي الله عنه: قال: صلى بنا رسول الله –صلى الله عليه وسلم- الصبح فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا، فقال –صلى الله عليه وسلم-: «أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن كان عبداً حبشياً، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» [سنن الدارمي وغيره].

وكان من دعاء النبي –صلى الله عليه وسلم-: «اللهم آتِ نفسي تقواها، وزكّها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها».

والتقوى هي وصية الرسل الكرام لأقوامهم، قال تعالى: ( كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ ) [الشعراء:124].
( كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ ) [الشعراء:141-142].
( كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ ) [الشعراء:161].

والتقوى وصية السلف الصالح رضوان الله عليهم, كان أبو بكر رضي الله عنه يقول في خطبته: "أما بعد فإني أوصيكم بتقوى الله"، ولما حضرته الوفاة، وعهد إلى عمر رضي الله عنه دعاه فوصاه بوصيته قائلاً: "اتق الله يا عمر".
وكتب عمر رضي الله عنه إلى ابنه عبد الله :"أما بعد فإني أوصيك بتقوى الله عز وجل فإنه من اتقاه وقاه، واجعل التقوى نصب عينيك وجِلاء قلبك".

وكتب عمر بن عبد العزيز – رحمه الله تعالى- إلى رجل:" أوصيك بتقوى الله عز وجل التي لا يُقبل غيرها، ولا يُرحم إلا أهلها، ولا يُثاب إلا عليها، فإن الواعظين بها كثير، والعاملين بها قليل"، ولما ولي خطب فحمد الله وأثنى عليه وقال: "أوصيكم بتقوى الله عز وجل فإن، تقوى الله خَلَف من كل سعي، وليس من تقوى الله خلف".

وقال رجل لرجل أوصني، قال: "أوصيك بتقوى الله، والإحسان، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون, فيكفي المتقون شرفاً أن الله معهم برعايته وحفظه".

ومن وصايا الرسول – صلى الله عليه وسلم- لمعاذ بن جبل – رضي الله عنه - : «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» [رواه الترمذي وقال حسن صحيح.]
ماذا نفهم من وصية النبي – صلى الله عليه وسلم- لمعاذ رضي الله عنه بالتقوى؟

نفهم أن المرء محتاج للتقوى ولو كان أعلم العلماء، وأتقى الأتقياء، يحتاج إلى التقوى؛ لأن الإنسان تمر به حالات يضعف فيها إيمانه وينقص، يحتاج إلى التقوى للثبات عليها، يحتاج إلى التقوى للازدياد منها.
اتق الله حيثما كنت، في السر والعلانية، في الشدة والرخاء، في الخلوة والجلوة.

أتبع السيئة الحسنة تمحها، بادر إذا أخطأت أو قصرت بفعل الحسنات، فالحسنات يُذهبن السيئات.
وخالق الناس بخلقٍ حسن..، هناك أشياء بين العبد وخالقه وبينه والناس، ودخول الجنة معلَّق بخطين، العلاقة مع الله بالتقوى والعلاقة مع الناس بحسن الخلق، وهذه هي وصية النبي –صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث..

والتقوى هي أجمل لباس يتزين به العبد، قال تعالى: ( يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ) [الأعراف:62].

إذا المرء لم يلبس ثياباً من التقى *** تقلب عرياناً وإن كان كاسيا
وخير لباس المرء طاعة ربه *** ولا خير فيمن كان لله عاصياً

والتقوى هي أفضل زاد يتزود به العبد، قال تعالى: ( وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِي يَا أُوْلِي الْأَلْبَابِ ) [البقرة:197].

وبها الطريق إلى الجنة، فقد سئل النبي – صلى الله عليه وسلم- ما أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ قال: "تقوى الله وحسن الخلق" [رواه أحمد].

وعن أنس – رضي الله عنه - قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: "ثلاثٌ مهلكات، شحٌ مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه، وثلاث منجيات: خشية الله في السر والعلانية، والقصد في الفقر والغنى، والعدل في الغضب والرضا" [رواه أنس في صحيح الجامع].

والنبي – صلى الله عليه وسلم- كان يسأل الله التقوى في دعائه فيقول: «اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى» [رواه مسلم].

وفي دعاء السفر كان يقول – صلى الله عليه وسلم- : «اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى».

والنبي – صلى الله عليه وسلم- أوصى مسافراً فقال: «أوصيك بتقوى الله والتكبير على كل شَرَف».
إذاً فالتقوى في السفر بالذات لها طعم خاص، فالمسافر يغيّر مكانه وحاله، وقد يكون في بلاد الغربة لا يخشى مما يخشى منه في بلده وموطنه، ولا يخشى فضيحة لو عُرف، لكن في بلده يخاف الفضيحة، لذلك كانت ملازمة التقوى في السفر مهمة جداً. وعلى كل حال الإنسان يسأل الله التقوى في السفر والحضر.

إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل *** خلوت ولكن قل علي رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعةً *** ولا أن ما يخفى عليه يغيب

عباد الله: إن تقوى الله - إذا استقرَّت في القلوب وارتسمت بها الأقوال والأعمال والأحوال- أثمرت من الفضائل والفوائد والثمار ما تصلح به الدنيا والآخرة، وما يشحذ همم أولي الأبصار إلى صراط العزيز الغفار.

أيها المؤمنون: إن من فوائد التقوى وثمارها أنها سبب لتيسير العسير، قال تعالى: ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً) [الطلاق:4].

وتقوى الله تعالى سبب لتفريج الكروب وإيجاد المخارج والحلول عند نزول الخطوب، وهي سبب لفتح سبُل الرزق، قال تعالى: ( مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ) [الطلاق:3].
تقوى الله سبب لنجاة العبد من الهلاك والعذاب والسوء، قال تعالى: ( وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) [الزمر:61].

وهي سبب لتكفير السيئات ورفع الدرجات والفوز بالغرف والجنات قال تعالى: ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً ) [الطلاق:5].

فاتقوا الله عباد الله: فإن تقوى الله تعالى هي أكرم ما أسررتم، وأعظم ما ادخرتم وأزين ما أظهرتم.
وقال تعالى: (قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَاد ) [آل عمران: 15].

إذا أنت لم ترحل بزادٍ من التقى *** ندمت على أن لا تكون كمثله
ولاقيت يوم الحشر من قد تزودا *** وأنك لم تُرصد كما كان أرصدا

وكل من أراد العز في الدين والدنيا والبركة في الرزق والوقت والعمل فعليه بتقوى الله؛ فإنها من أعظم ما استُنزلت به الخيرات واستُدفعت المكروهات.

قال الله تعالى: ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) [الأعراف:96].
إن تقوى الله تعالى أعظم جُنّة يحتمي بها العبد يوم القيامة.

قال تعالى: ( وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) [الزمر:61]..
اللهم اجعل لنا وللمسلمين من كل ضيقٍ مخرجاً، ومن كل همٍ فرجاً، اللهم فرّج هم المهمومين، واقضِ الدين عن المدينين، واغفر لنا ولآبائنا ولأمهاتنا وللمسلمين.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه ثم توبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.


*الخطبة الثانية:*
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً.

أما بعد: اعلموا أنّ التقوى سببٌ في توفيق العبد في الفصل بين الحق والباطل ومعرفة كل منهما: قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا ) [الأنفال:29].

وقال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ ) [الحديد:28].

التقوى سبب لعدم الخوف من ضرر وكيد الكافرين، قال تعالى: ( وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ) [آل عمران:120].

التقوى سبب لنزول المدد من السماء عند الشدائد ولقاء الأعداء: قال تعالى: ( وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) [آل عمران:123].

التقوى سبب لتعظيم شعائر الله، قال تعالى : ( وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ) [الحج:32].

التقوى سبب لنيل رحمة الله، وهذه الرحمة تكون في الدنيا كما تكون في الآخرة: قال تعالى: ( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ) [الأعراف:156].
التقوى سبب للإكرام عند الله عز وجل: قال تعالى: ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) [الحجرات:13].

وسُئِل النبي – صلى الله عليه وسلم- من أكرم الناس؟من أرفعهم حسباً؟ فقال: الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، قالوا ليس عن هذا نسأل، بيّن لهم بعد ذلك، فقال عندما سُئِل من أكرم الناس؟ قال: «أتقاهم لله» [رواه البخاري].

فأكرم الناس وأفضل الناس وخير الناس عند الله أتقاهم، التقي النقي، ولذلك
فقد رفع الإسلام سلمان فارسٍ *** وقد وضع الكفر الشريف أبا لهب

وذُكِر أن سلمان رضي الله عنه كان يقول:
أبي الإسلام لا أبَ لي سواه *** إذا افتخروا بقيسٍ أو تميمِ

التقوى سبب للفوز والفلاح، قال تعالى: ( وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُون ) [النور:52].

إنها سبب للنجاة يوم القيامة من عذاب الله: قال تعالى: ( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا ) [مريم:72].
وقال تعالى: (وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى ) [الليل:17].
إنها سبب لقبول الأعمال، قال تعالى: ( إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ) [المائدة:27].
التقوى طريق لميراث الجنة قال تعالى: (تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا) [مريم:63].
إن المتقين لهم في الجنة غرفٌ مبنية من فوقها غرف: قال تعالى: ( لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ) [الزمر:20].

وعَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- : «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَغُرَفًا يُرَى ظُهُورُهَا مِنْ بُطُونِهَا وَبُطُونُهَا مِنْ ظُهُورِهَا» فَقَامَ إِلَيْهِ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «هِيَ لِمَنْ أَطَابَ الْكَلَامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَدَامَ الصِّيَامَ، وَصَلَّى لِلَّهِ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ» [رواه الترمذي وأحمد].

فلا يفعل هذه الأعمال المباركة إلا المتقين.

إنهم بسبب تقواهم يكونون فوق الذين كفروا يوم القيامة: في محشرهم، ومنشرهم، ومسيرهم، ومأواهم، فاستقروا في الدرجات في أعلى عليين، قال تعالى: (زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) [البقرة:212].

إنها سبب في دخولهم الجنة: وذلك لأن الجنة أعدت لهم، قال تعالى: ( وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ) [آل عمران:133].

وقال تعالى: ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيم ) [المائدة:65].

إن التقوى سبب لتكفير السيئات والعفو عن الزلات: قال جل شأنه: ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا ) [الطلاق:5].

إن التقوى سببٌ لنيل ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، قال جل شأنه: ( جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ ) [النحل:31].

إن التقوى سبب لعدم الخوف والحزن وعدم المساس بالسوء يوم القيامة، وقال تعالى: ( أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ) [يونس:62].

إنهم يحشرون يوم القيامة وفدًا إليه تعالى، والوفد هم القادمون ركبانًا، وهو خير موفود، قال تعالى: ( يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا ) [مريم:85].

إن الجنة تقرب لهم، قال تعالى: ( وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ ) [الشعراء:90].
وقال تعالى: ( وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ) [ق:31].

عباد الله: متى نصل إلى التقوى؟

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس» [رواه الترمذي وضعفه الألباني في بلوغ المرام: «178»].
اللهم اجعلنا من الذين يتّقونك، حتى نجني من ثمار التقوى ما يُفرحنا يوم نلقاك، وأنت عنا راض.. يا حبيب المتقين.. يا رب!

جاء رجل إلى بشر الحافي، فقال له: إني أخاف ألا يَقبل الله أعمالي، قال له بشر: إن كنت تخافه حقاً فاتق الله.

قال حكيم: لا يبلغ الرجل سنام التقوى إلا أن يكون بحيث لو جعل ما في قلبه في طبق، فطيف به في السوق لم يستحِ منه!

قال داود لابنه سليمان: "يا بني! إنما تستدل على تقوى الرجل بثلاثة أشياء: بحسن توكّله على الله فيما نابه، وبحسن رضاه فيما آتاه، وبحسن زهده فيما فاته"، وقال أيضاً عليه السلام: "لو أن رجلاً اتقى مائة شيء، ولم يتق شيئاً واحداً لم يكن من المتقين".
قال معروف الكرخي – رحمه الله تعالى - : "إذا كنت لا تحسن تتقي أكلت الربا، وإذا كنت لا تحسن تتقي لقيتْك امرأة ولم تغضَ بصرك، وإذا كنت لا تحسن تتقي وضعت سيفك على عاتقك".

قال ابن المعتمر:
خلّ الذنوبَ صغيرها *** وكبيرها فهو التُّقى
واصنع كماشٍ فوق *** أرض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرنّ صغيرة إن *** الجبال من الحصى

وسأل عمر –رضي الله عنه- كعباً فقال له: ما التقوى؟ فقال كعب: يا أمير المؤمنين أما سلكت طريقًا فيه شوك؟ قال: نعم. قال: فماذا فعلت؟ فقال عمر رضي الله عنه: أشمر عن ساقي، وانظر إلى مواضع قدمي وأقدم قدماً وأؤخر أخرى مخافة أن تصيبني شوكة. فقال كعب: تلك هي التقوى. تشمير للطاعة، وترك للمعصية، وورع من الزلل، ومخافة وخشية من الكبير المتعال سبحانه.

عبد الله كيف تكون تقيّاً؟
أولاً: أن تحب الله أكثر من أي شيء.
ثانياً: أن تستشعر مراقبة الله دائماً.
ثالثاً: البعد عن المعاصي والأوزار.
تفنى اللذاذة ممن نال لذتها *** من الحرام ويبقى الإثم والعار
تبقى عواقب سوء من مغبّتها *** لا خير في لذة من بعدها النار

رابعاً: أن تتعلم كيف تقاوم هواك وتتغلب عليه.
خامساً: أن تدرك مكائد الشيطان ووساوسه.

أسال الله العلي القدير أن يجعلنا من عباده المتقين

وصلُّوا وسلِّموا -رعاكم الله- على محمد بن عبد الله؛ كما أمركم الله بذلك في كتابه، فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً)[الأحزاب: 56].
وقال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى الله عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا".
اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد.
وارضَ اللهمَّ عن الخلفاء الراشدين؛ أبى بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعلي، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.

اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واحمي حوزة الدين يا رب العالمين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم اشف مرضانا، وعاف مبتلانا، وارحم موتانا يا رب العالمين

اللهم بارك لمن حَضَرَ معنا صلاتنا هذه في علمه وعمره وعمله، وبارك له في بدنه وصحته وعافيته، وبارك له في أهله وولده، وبارك له في ماله ورزقه، واجعله يا ربنا مباركًا موفقًا مسددًا أينما حَلَّ أو ارتحل.
اللّهم آت نفوسنا تقواها، زكِّها أنت خير من زكاها، أنت وليُّها ومولاها.
اللّهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، والموت راحةً لنا من كل شر.
اللّهم اغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.
ربنا إن ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

*نشر العلم صدقة جارية فأعد نشرها*
*ولا تبخل على نفسك بالأجـر العظيم*
=======================
ـــــــ🕋 زاد.الـخـطــيــب.tt 🕋ــــــــ
منــبرالحكـمــةوالمـوعـظـةالحســنـة.tt
رابط التليجرام👈 t.me/ZADI2
للإشتراك بشبكة زاد الخطيب الدعوي
ارسل.اسمك.للرقم.730155153.tt
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
🎤
*خطبة جمعة بعنوان:*
*أسباب محبة الله تعالى*
*للشيخ/ إبراهيـم الحقـيل*
🕌🕌🕌🕌🕌🕌🕌

*الخطبة الأولى:*
الْحَمْدُ لِلَّهِ الْخَلَّاقِ الْعَلِيمِ، الرَّزَّاقِ الْكَرِيمِ؛ أَنَارَ الطَّرِيقَ لِلسَّالِكِينَ، وَأَفَاضَ مِنْ جُودِهِ عَلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، نَحْمَدُهُ حَمْدًا كَثِيرًا، وَنَشْكُرُهُ شُكْرًا مَزِيدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ أَحَبَّهُ الْمُؤْمِنُونَ وَلَمْ يَرَوْهُ، وَازْدَادُوا شَوْقًا إِلَيْهِ وَلَمْ يَلْقَوْهُ، وَمَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ -تَعَالَى- أَحَبَّ اللَّهُ -تَعَالَى- لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ -تَعَالَى- كَرِهَ اللَّهُ -تَعَالَى- لِقَاءَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ عَلَّمَ أُمَّتَهُ أَنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ تُنَالُ بِمَحَبَّةِ اللَّهِ -تَعَالَى-، وَمَحَبَّةِ مَا يُحِبُّهُ -سُبْحَانَهُ-، وَبُغْضِ مَا يُبْغِضُهُ -عَزَّ وَجَلَّ-، وَمُوَالَاةِ أَوْلِيَائِهِ، وَمُعَادَاةِ أَعْدَائِهِ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ -تَعَالَى- وَأَطِيعُوهُ، وَأَقِيمُوا لَهُ دِينَكُمْ، وَأَسْلِمُوا لَهُ وُجُوهَكُمْ، وَأَخْلِصُوا لَهُ أَعْمَالَكُمْ؛ تَنَالُوا مَحَبَّتَهُ وَوِلَايَتَهُ؛ (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ)[الْمَائِدَةِ: 55-56].

أَيُّهَا النَّاسُ: غَايَةُ كُلِّ مُؤْمِنٍ نَيْلُ مَحَبَّةِ اللَّهِ -تَعَالَى-، وَإِلَيْهَا يَسْعَى عُمْرَهُ كُلَّهُ، وَمَا تَعَبَّدَ الْمُتَعَبِّدُونَ إِلَّا لِلْوُصُولِ إِلَيْهَا، وَلَا تَرَكُوا الشَّهَوَاتِ الْمُحَرَّمَةَ إِلَّا لِتَحْصِيلِهَا، وَلَا بَذَلَ الشُّهَدَاءُ أَرْوَاحَهُمْ إِلَّا لِأَجْلِهَا. وَمَنْ أَحَبَّ اللَّهَ -تَعَالَى- أَحَبَّهُ اللَّهُ -تَعَالَى-، وَأَحَبَّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، وَبُسِطَ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ، وَعَلَا شَأْنُهُ، وَرُفِعَ ذِكْرُهُ، وَحَازَ رِضْوَانَ اللَّهِ -تَعَالَى- وَجَنَّتَهُ؛ وَفِي ذَلِكَ طِيبُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَالْفَوْزُ الْأَكْبَرُ فِي الْآخِرَةِ.

وَلِلْإِمَامِ ابْنِ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- كَلَامٌ جَيِّدٌ "فِي الْأَسْبَابِ الْجَالِبَةِ لِلْمَحَبَّةِ، وَالْمُوجِبَةِ لَهَا، وَهِيَ عَشَرَةٌ". نَأْتِي بِهَا وَبِمَا يُوَضِّحُهَا؛ لِيَجْتَهِدَ الْمُؤْمِنُ فِي تَحْقِيقِهَا، وَيُرَبِّيَ أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ عَلَيْهَا؛ لِيَسْعَدَ بِهِمْ وَيَسْعَدُوا بِهِ؛ فَإِنَّ مَنْ نَالَ مَحَبَّةَ اللَّهِ -تَعَالَى- كَانَتْ عِنَايَةُ اللَّهِ -تَعَالَى- تُحِيطُ بِهِ فَيُوَفَّقُ وَيُسَدَّدُ فِي أُمُورِهِ كُلِّهَا، وَهَذِهِ الْأَسْبَابُ الْعَشَرَةُ هِيَ كَمَا يَلِي:

"أَحَدُهَا: قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ بِالتَّدَبُّرِ وَالتَّفَهُّمِ لِمَعَانِيهِ، وَمَا أُرِيدَ بِهِ، كَتَدَبُّرِ الْكِتَابِ الَّذِي يَحْفَظُهُ الْعَبْدُ وَيَشْرَحُهُ؛ لِيَتَفَهَّمَ مُرَادَ صَاحِبِهِ مِنْهُ".

وَمَنْ تَدَبَّرَ الْقُرْآنَ صَلَحَ بِهِ قَلْبُهُ، وَاسْتَقَامَ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ -تَعَالَى-: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا)[النِّسَاءِ: 82]، وَقَالَ تَعَالَى: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ)[ص: 29]. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ تَدَبَّرَ الْقُرْآنَ اهْتَدَى بِهِ، وَمَنِ اهْتَدَى بِهِ وُفِّقَ لِكُلِّ شَيْءٍ قَوِيمٍ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)[الْإِسْرَاءِ: 9]، وَقَالَ تَعَالَى: (جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا)[الشُّورَى: 52].

"الثَّانِي: التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ بِالنَّوَافِلِ بَعْدَ الْفَرَائِضِ؛ فَإِنَّهَا تُوَصِّلُهُ إِلَى دَرَجَةِ الْمَحْبُوبِيَّةِ بَعْدَ الْمَحَبَّةِ". وَحُجَّةُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ -تَعَالَى- فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: "وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ"(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).

"الثَّالِثُ: دَوَامُ ذِكْرِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ: بِاللِّسَانِ وَالْقَلْبِ، وَالْعَمَلِ وَالْحَالِ. فَنَصِيبُهُ مِنَ الْمَحَبَّةِ عَلَى قَدْرِ نَصِيبِهِ مِنْ هَذَا الذِّكْرِ".
وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ أَحَبَّ أَحَدًا أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِهِ، فَكَيْفَ بِمَنْ أَحَبَّ خَالِقَهُ -سُبْحَانَهُ-، وَاللَّهُ -تَعَالَى- يَقُولُ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا)[الْأَحْزَابِ: 41-42]، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ)[الْبَقَرَةِ: 152]، وَقَالَ تَعَالَى: (وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ)[الْبَقَرَةِ: 198]. وَقَالَ سُبْحَانَهُ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: "أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ..."(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

"الرَّابِعُ: إِيثَارُ مَحَابِّهِ عَلَى مَحَابِّكَ عِنْدَ غَلَبَاتِ الْهَوَى، وَالتَّسَنُّمُ إِلَى مَحَابِّهِ، وَإِنْ صَعُبَ الْمُرْتَقَى". وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ آثَرَ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ -تَعَالَى- عَلَى مَا تَهْوَى نَفْسُهُ فَقَدْ قَدَّمَ مَحَبَّتَهُ لِلَّهِ -تَعَالَى- عَلَى مُتَعِ الدُّنْيَا الزَّائِلَةِ، فَسَارَ عَلَى الْهُدَى، وَجَانَبَ الضَّلَالَ، وَاللَّهُ -تَعَالَى- يَقُولُ: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ)[الْقَصَصِ: 50]، وَقَالَ تَعَالَى: (وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)[ص: 26]، وَجَزَاؤُهُ الْجَنَّةُ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ -تَعَالَى-: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى)[النَّازِعَاتِ: 40-41].

"الْخَامِسُ: مُطَالَعَةُ الْقَلْبِ لِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَمُشَاهَدَتُهَا وَمَعْرِفَتُهَا. وَتَقَلُّبُهُ فِي رِيَاضِ هَذِهِ الْمَعْرِفَةِ وَمَبَادِيهَا. فَمَنْ عَرَفَ اللَّهَ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ: أَحَبَّهُ لَا مَحَالَةَ...". فَلَا يَمْلِكُ مَنْ عَرَفَ اللَّهَ -تَعَالَى- بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ إِلَّا أَنْ يُحِبَّهُ، وَيَسْأَلَهُ بِهَا؛ لِأَنَّ أَسْمَاءَهُ حُسْنَى، وَصِفَاتِهِ عُلْيَا؛ (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا)[الْأَعْرَافِ: 180]، وَقَالَ تَعَالَى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)[الشُّورَى: 11]، وَقَالَ تَعَالَى: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى)[الْحَشْرِ: 22-24].

"السَّادِسُ: مُشَاهَدَةُ بِرِّهِ وَإِحْسَانِهِ وَآلَائِهِ، وَنِعَمِهِ الْبَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ؛ فَإِنَّهَا دَاعِيَةٌ إِلَى مَحَبَّتِهِ". وَذَلِكَ أَنَّ الْعَبْدَ يَتَقَلَّبُ فِي نِعَمِ اللَّهِ -تَعَالَى- مُنْذُ خُلِقَ، قَالَ اللَّهُ -تَعَالَى-: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا)[إِبْرَاهِيمَ: 34]، وَقَالَ تَعَالَى: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ)[النَّحْلِ: 53]، وَالْبَشَرُ مَجْبُولُونَ عَلَى حُبِّ مَنْ يُحْسِنُ إِلَيْهِمْ، فَكَيْفَ بِإِحْسَانِ اللَّهِ -تَعَالَى- عَلَى الْعَبْدِ، وَهُوَ مُتَتَابِعٌ لَا يَنْقَطِعُ، وَمِنْ كَثْرَتِهِ لَا يُحْصَى، وَاللَّهُ -تَعَالَى- يُحِبُّ مِنْ عَبْدِهِ أَنْ يَشْكُرَهُ، وَأَنْ يُحَدِّثَ بِنِعَمِهِ، قَالَ تَعَالَى: (وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ)[الزُّمَرِ: 7]، وَقَالَ تَعَالَى: (بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ)[الزُّمَرِ: 66] وَقَالَ تَعَالَى: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ)[الضُّحَى: 11].

"السَّابِعُ: وَهُوَ مِنْ أَعْجَبِهَا، انْكِسَارُ الْقَلْبِ بِكُلِّيَّتِهِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ -تَعَالَى-، وَلَيْسَ فِي التَّعْبِيرِ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى غَيْرُ الْأَسْمَاءِ وَالْعِبَارَاتِ". فَانْكِسَارُ الْقَلْبِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ -تَعَالَى- يَدُلُّ عَلَى اسْتِشْعَارِ الْعَبْدِ لِفَاقَتِهِ وَفَقْرِهِ وَحَاجَتِهِ إِلَى اللَّهِ -تَعَالَى-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ)[فَاطِرٍ: 15-17]. فَالْعَبْدُ مُحْتَاجٌ إِلَى رَبِّهِ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- فِي كُلِّ أَحْوَالِهِ، وَفِي كُلِّ أَزْمَانِهِ، وَلَا غِنَى لَهُ عَنِ اللَّهِ -تَعَالَى- بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ، وَيَسْتَغْنِي بِاللَّهِ -تَعَالَى- عَنِ الْخَلْقِ كُلِّهِمْ، وَلَا يَسْتَغْنِي بِهِمْ جَمِيعًا عَنِ اللَّهِ -تَعَالَى-.