زاد الخـطــيــب الـــدعـــــوي📚
8.42K subscribers
5 photos
212 files
3.2K links
الـشـبـكـة الـدعـــويــة الـرائـــدة
المتخصصة بالخطـب والمحاضرات
🌧 سـاهـم بالنشـر تؤجـر بـإذن اللـّـه
•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•

للتواصل مع إدارة القناة
إضغط على الرابط التالي
@majd321
Download Telegram
كَمْ فَرَّجَ اللَّهُ مِنْ هَمٍّ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ، بَيْنَمَا نكون جلوس نمْضَغُ القَاتَ، هُنَاكَ مَنِ اسْتَجَابَ لِلَّهِ بِالدَّعَوَاتِ، وَذَرَفَ الدَّمَعَاتِ، وَقَالَ: يَا رَبَّ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ أَجِرْنِي، يَا رَبِّ فَرِّجْ عَلَيَّ الكُرُبَاتِ، وَاقْضِ لِيَ الحَاجَاتِ. فَقُضِيَتْ وَانْجَلَتْ وَرُفِعَتْ،
فلا نضيع أَجْمَلَ اللَّحَظَاتِ وَأَجْمَلَ الأَوْقَاتِ.
نرَاجِعْ أنفسنا، مَا زَالَ فِي العُمُرِ لَحَظَاتٌ، وَهِيَ غَيْرُ مَأْمُونَةٍ، قَدْ تَضِيعُ وتَذْهَبُ فِي لَحْظَةٍ.
أيها المسلم:
ناجي الله سبحانه وتعالى بإخلاص، قال تعالى *﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾* [غافر : 65]

وهناك أوقات أخرى سنتكلم عنها في حينها وهي:-
رمضان، والعشر الأواخر من رمضان، وليلة القدر.

دعوة الصائم والمظلوم والمسافر. (تكلمنا عنها سابقاً)

عند رؤية الكعبة، وشرب ماء زمزم: قال ﷺ: *"ماء زمزم لما شُرب له"*
يوم عرفة قال ﷺ: *«خير الدعاء دعاء يوم عرفة»*

فَلْنُكْثِرْ من الدعاء في هذه الأوقات الفضيلة، بقلب حاضر وموقن بالإجابة.

هذا وصلوا وسلموا على رسولِنا محمدٍ ﷺ،
فقد أمرنا الله بأمر بدأ فيه بنفسه، وثنى بملائكته المسبحة بقدسه،
ثم ثلث بكم أيها المؤمنون من جنه وإنسه، فقال سبحانه:
*﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾*

🤲اللهم صل وسلم وبارك على النبي وآله وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن الصحابة أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعلينا معهم برحمتك وفضلك يا رب العالمين.

🤲اللَّهُمَّ يَا رَبَّ العَالَمِينَ: إِنَّا نَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَبِكَ مِنْكَ، لَا نُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ.

🤲اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الهُدَى وَالتُّقَى وَالعَفَافَ وَالغِنَى.

🤲اللَّهُمَّ احْفَظْ بِلَادَنَا اليَمَنِ وسائر بلدان المسلمين،
🤲اللَّهُمَّ احْفَظْ يَمَنَ الإِيمَانِ وَالحِكْمَةِ وَالسَّلَامَةِ وَالإِسْلَامِ.

🤲اللَّهُمَّ وَحِّدْ صَفَّهَا عَلَى كِتَابِكَ وَعَلَى هَدْيِ رَسُولِكَ محمد ﷺ.

🤲اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَ بِنَا أَوْ بِبِلَادِنَا سُوءًا اللَّهُمَّ دَمِّرْ كَيَانَهُ، اللَّهُمَّ زَلْزِلْ أَرْكَانَهُ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ كَيْدَهُ فِي نَحْرِهِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ.

🤲اللهم ادفع عنا الغلاء والبلاء والزنا والربا والزلازل والمحن والحروب وسوء الفتن، ما ظهر منها وما بطن، عن بلادنا اليمن خاصة، وعن سائر بلدان المسلمين عامة، يا رب العالمين.

🤲اللَّهُمَّ رُدَّ المُسْلِمِينَ إِلَى دِينِكَ رَدًّا جَمِيلًا.

🤲اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا، وَاسْتُرْ لَنَا عُيُوبَنَا، اللَّهُمَّ اقْضِ دُيُونَنَا.

🤲اللَّهُمَّ ارْحَمْ مَوْتَانَا، اللَّهُمَّ فُكَّ أَسْرَانَا.

🤲اللَّهُمَّ اشْفِ مَرْضَانَا، اللَّهُمَّ اشْفِ مَرْضَانَا. اللَّهُمَّ عَافِ مُبْتَلَانَا.

🤲اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ.

🤲اللَّهُمَّ حَسِّنْ خَاتِمَتَنَا.

🤲اللَّهُمَّ أَصْلِحِ الرَّاعِيَ وَالرَّعِيَّةَ وَالأُمَّةَ المُحَمَّدِيَّةَ.

🤲اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا دَعْوَةً مُسْتَجَابَةً،

🤲اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا تَحَرِّي أَوْقَاتِ الإِجَابَةِ.

🤲اللَّهُمَّ يَا رَبَّ العَالَمِينَ عَلَيْكَ بِالصَّهَايِنَةِ المُعْتَدِينَ الظَّالِمِينَ، اللَّهُمَّ دَمِّرْ كَيَانَهُمْ وَزَلْزِلْ أَرْكَانَهُمْ.

🤲اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَمْرِيكَا وَمَنْ وَالَاهَا عَلَى ضَرْبِ الإِسْلَامِ وَالمُسْلِمِينَ.

🤲اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِالمُنَافِقِينَ والمطبعين مع الصههاينة، وَمَنْ وَالَاهُمْ.
🤲اللهم فُك الكربة على اليمن وغزة، وسائر بلدان المسلمين.

🤲اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ، وشُكْرِكَ، وحسنِ عبادتك.

🤲اللَّهُمَّ أَحْيِنَا مُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ تَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ، وَأَلْحِقْنَا بِالصَّالِحِينَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.

🤲اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، المؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، إنك قريب مجيب الدعوات، وقاضي الحاجات، يارب العالمين.

🤲اللهم اغفر لنا ولوالدينا وأمواتنا وجميع موتى المسلمين.

🤲اللهم اسقنا الغيث.
عباد الله، *﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾* [النحل: 90].
فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، *﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾*
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
*الجهاد في سبيل الله*
*للدكتور/ محمد المطري*
🕌🕌🕌🕌🕌🕌

 
*الخطبة الأولى:*
الحمد للهِ الواحدِ القهار، القويِّ الجبار، العزيزِ القدير، القادرِ النصير، فعَّالٌ لما يريد، ذو البطش الشديد، أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا.
 
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حيٌّ لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، يؤتي الملكَ منْ يشاء، وينزعُ الملك ممن يشاء، ويُعزُّ من يشاء، ويُذلُّ من يشاء، يدبرُ الأمر من السماء إلى الأرض بقدرته وحكمته، لا يُسألُ عما يَفعلُ وهم يُسألون، ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ﴾ [البقرة: 253]، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حقَّ جهاده، صلى الله عليه وعلى أهل بيته وأزواجه وذريته، وعلى أصحابه وأتباعه، أما بعد:
فإنَّ الجهاد في سبيل الله فريضةٌ على المسلمين، جهادَ الغزو في حال قوة المسلمين، وجهادَ الدفع في حال ضعف المسلمين، وتتأكد هذه الفريضة في حال جهاد الدفع عندما يغزو الكفار أيَّ أرضٍ من بلاد المسلمين الواسعة، ويُفسدون في أرض الإسلام بنشر الكفر والظلم والمعاصي.
 
أيها المسلمون، إنَّ ما أصاب المسلمين اليوم من الذُّلِّ والهوانِ هو بسببِ تركهِم الجهاد، قال الله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [التوبة: 38، 39]، وحين ترك المسلمون الجهاد تسلَّط عليهم الكفار والمنافقون، يقتلونهم، ويسجنونهم، ويسومونهم سوء العذاب، ويُذلونهم، ويَفتنونهم في دينهم، وينهبون خيراتِهم، ويُفسدون دنياهم، فالجهادُ فرضه اللهُ العزيزُ الحكيمُ على هذه الأُمَّة؛ لأنَّ فيه دفعَ شرورٍ عظيمةٍ، وتحقيقَ مصالحَ كثيرةٍ دينيةٍ ودنيويةٍ، قال الله تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 216]، فحياة الأمة بالجهاد في سبيل الله، قال الله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾ [الأنفال: 24].
 
أيها المسلمون، فوائد الجهاد أرجح من المفاسد الدنيوية التي يؤجَر عليها المسلمون الصابرون حين تصيبهم بسبب الجهاد، من الخوف والجوع والمشقة والقتل والجِراح والخَراب، فالجهاد بضوابطه الشرعية خيرٌ للمسلمين في دينهم ودنياهم وآخرتهم؛ ولذلك أمر الله المسلمين بتحصيل القوة والاستعداد للجهاد بحسب طاقتهم، وإن لم يجاهد المسلمون الكفار، ويعُدُّوا العدة لقتالهم، فإنهم يُلقون بأيديهم إلى التهلكة، وسيخسر كثيرٌ منهم الدنيا والآخرة، قال الله تعالى: ﴿ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ * وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾ [البقرة: 194، 195]، قال بعض المفسرين: إلقاء اليد إلى التهلكة بترك الجهاد، وقال الله سبحانه: ﴿ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [البقرة: 217].
 
أيها المسلمون، الإسلام دين التضحية والجهاد، وقد أمر الله سبحانه المسلمين بالسعي الحثيث في تحصيل أسبابِ القوة المادية والمعنوية، والإعدادِ للجهاد في سبيله، ونهاهم عن الركون إلى الدنيا، والرضا بالمهانة والذلة.
 
قال الله سبحانه: ﴿ قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ﴾ [التوبة: 29]، وقال جل وعز: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾ [التوبة: 123]، قال العلماء: يُشرَع غزوُ جميعِ أصناف الكفار المحاربين في حالِ قوة المسلمين، وأخذِ
الجزية منهم أو مصالحتهم والهدنة معهم بحسب ما تقتضيه المصلحة العامة للإسلام والمسلمين، ولا يجوز قتلُ مَنْ لا يقاتِل المسلمين من النساء والأطفال والرهبان والتجار والسياح والمعاهدين والمستأمنين.
 
أيها المسلمون، قال العلماء: الكافر الذي لا يحارب المسلمين لا يجوز قتلُه، وقتلُه بغير حقٍّ فسادٌ لا يحبه اللهُ ورسولُه، فإنه لا يضرُّ المسلمين، وكل من سالَم المسلمين ولم يحاربهم لا يقاتَل، سواء كان كتابيًّا أو مشركًا، قال الله تعالى: ﴿ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا ﴾ [النساء: 90]، بل يُشرَع الإحسانُ إلى الكفار الذين لا يقاتلون المسلمين، كما قال الله تعالى: ﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [الممتحنة: 8، 9].
 
والكفار المعاهِدون إن أسلموا فهو خيرٌ لهم، وإن نكثوا أيمانهم وجب قتالُهم، وإن وفَّوا بالعهد فلا يجوز نقضُ عهدهم، حتى وإن عوهدوا بلا جزية، قال الله تعالى: ﴿ فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ ﴾ [التوبة: 4].
 
أيها المسلمون، الجهاد في الإسلام هو لإعلاءِ كلمةِ الله، فمن أبى أن يعبد اللهَ الذي خلقه، ولم يؤمِنْ برسوله الذي أرسله ليُطاع بإذنه، وأعرض عن كتابه الذي أنزله الله لهداية الناس والحكم بينهم؛ فإنه ظالمٌ لنفسه، وسيكون في الآخرة من الخاسرين، ويجب أن يكون في الدنيا من الأذلين، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ * كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ [المجادلة: 20، 21].
 
وقد بين الله للمسلمين أسباب النصر في كتابه، فإذا أخذوا بها في أي زمان ومكان نصرهم الله، وإذا لم يأخذوا بها لم ينصرهم، وسيأتي الله بقوم آخرين خيرٌ منهم، قال الله تعالى: ﴿ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ﴾ [محمد: 38].
 
أيها المسلمون، قتال مَن لم يُسلِم ويعبد الله وحده هو قتالٌ مشروعٌ بأمر الله، جزاءً على ظلمه حيث لم يعبد الله الذي خلقه لعبادته، قال الله: ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان:13]، فيجب على المخلوق أن يؤدي حق الله كما عليه أن يؤدي حقَّ عبادِ الله، فكما يجب على الإنسان طاعةُ والديه، وطاعةُ أميره، فيجبُ عليه من بابٍ أوْلَى طاعةُ خالقِه سبحانه، وكما يستحق الإنسانُ العقوبةَ على ترك طاعةِ والديه أو أميرِه، فمن بابٍ أولى استحقاقُه العقوبةَ في الدنيا والآخرة على ترك طاعةِ خالقِه ورازِقِه.
 
أيها المسلمون، ذكر الله لنا في سورة الكهف قصة ذي القرنين الملِك الصالح الذي مكَّن الله له في الأرض، وأمره أن يُعذِّبَ من أبى أن يعبد خالقَه، ﴿ قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا * قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ﴾ [الكهف: 86 - 88]، ﴿ قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ ﴾؛ أي: استمر على كفره وشركه بربِّه ﴿ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ﴾؛ أي: بالقتلِ ﴿ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا ﴾؛ أي: شديدًا بليغًا ﴿ وَأَمَّا مَنْ آمَنَ فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى ﴾؛ أي: فله الجنة في الآخرة ﴿ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ﴾؛ أي: معروفًا.
 
أيها المسلمون، لا يجوزُ عند قتال الكفار المحاربين قتلُ من كفَّ عن قتال المسلمين، ولا قتلُ من لم يكن من أهل القتال منهم، ولا الغدرُ بمن طلب الأمانَ منهم أو صالحَ المسلمين بدفعِ الجزية أو عاهدهم، فهدفُ الجهاد في الإسلام هو إعلاءُ كلمة الله، وإظهارُ دين الله، فلا يُبيحُ الإسلامُ القتالَ لغاياتٍ عدوانية، أو مقاصدَ مادية، أو لسيادةِ شعبٍ على شعب، أو توسيعِ رقعةِ مملكةٍ أو تحقيقِ مكاسبَ اقتصاديةٍ وغيرِ ذلك مما تجعله الدُّولُ القويةُ قديمًا وحديثًا مُبرِّرًا لإشعال الحروب، وهدمِ السِّلْم الدائم، فغايةُ الجهاد في الإسلام مبادئُ كريمةٌ يعمُّ نفعُها جميعَ الناس في الدنيا والآخرة.
 
ولا يجوز في الإسلام أن يُكْرَه أحدٌ على الدخول في الإسلام، قال الله تعالى: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ﴾ [البقرة: 256]، وقال الله سبحانه لنبيِّه محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ [يونس: 99]، وقال: ﴿ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ ﴾ [ق: 45]، وقال: ﴿ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ ﴾ [الغاشية: 21، 22]، فمن أبى الدخول في الإسلام، وأراد البقاء تحت حماية المسلمين أو في دولتهم؛ فله ذلك، على أن يدفع الجزية وهو صاغر جزاءَ استكباره عن الدخول في دين الله، وأمره أن يؤمن به وكتبِه ورسلِه، وأمره أن يشكره على نعمه، وأن يلتزم شريعتَه، وويلٌ له من الله يوم القيامة، كما قال الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [العنكبوت: 23].
 
صَحَّ عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (كانت المرأة في الجاهلية تكون مِقْلاتًا لا يعيشُ لها ولد، فكانت تجعلُ على نفسها إن عاش لها ولدٌ أن تُهوِّده، فلما أُجْلِيَ يهودُ بني النضير من المدينة كان فيهم من أبناء الأنصار قد تهوَّدوا، فقال الأنصار: لا ندع أبناءنا، فأنزل الله عز وجل: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ﴾ [البقرة: 256]).
 
أيها المسلمون، لا يصح الإسلام إلا عن رغبةٍ وقناعةٍ بلا إكراه، ولو أسلم إنسانٌ ظاهرًا بالإكراه فإنه في الحقيقة غيرُ مسلم، ويكونُ من المنافقين الذين يُظهِرون الإسلام ويُبطنون الكفر، فالإسلام دينٌ يوافق العقل والفطرة، فهو عبادةُ اللهِ وحده الذي خلق كل شيء، وتصديقٌ بجميع كتبه ورسله، فقد تبين الحقُّ من الباطل، فلا إكراه في الدخول في الإسلام.
 
أقول ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم.
 
الخطبة الثانية
الحمد للهِ وليِّ الصالحين، والصلاةُ والسلامُ على محمدٍ الذي أرسله الله رحمةً للعالمين، والسلامُ علينا وعلى عباد الله الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وبعد:
أيها المسلمون، الجهاد في الإسلام نوعان:
• جهادُ دفعٍ في حالِ ضعفِ المسلمين.
• وجهادُ غزوٍ في حالِ قوةِ المسلمين.
 
فإما أن يكون الجهادُ لدفعِ العدوِّ الذي غزا المسلمين في بلادهم، ويُريد فتنتهم في دينهم، وإما أن يكون لغزو الكفار في ديارهم، لإخراجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ومن عبادة العِباد إلى عبادة ربِّ العباد، فإذا أسلموا عرفوا أنَّ قتال المسلمين لهم ما هو إلا علاجٌ لأنفسهم الظالمة، ودواءٌ لقلوبهم المريضةِ بالكفر والشرك والمعاصي، ولولا الجهاد في سبيل الله لفسدت الأرضُ ببقاء الكفر والضلال، قال الله: ﴿ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ [البقرة:251]؛ أي: لولا الله يدفع عن قوم بآخرين لفسدت الأرضُ بالظلم والطغيان والمعاصي والعذاب، فمن فضلِ الله على جميع الناس ورحمتِه بهم أنه يدفع أهلَ الباطل بأهلِ الحق؛ ولهذا شرع الجهادَ في سبيله رحمةً بعباده، والله أحكم الحاكمين، والله يعلم وأنتم لا تعلمون.
 
أيها المسلمون، من أعظمِ مقاصدِ الجهادِ في الإسلام تخليصُ الناسِ من الظلم، ونشرِ العدلِ بينهم، وتخليصُ المستضعفين، قال الله تعالى: ﴿ وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا ﴾ [النساء:75]، فالجهادُ في سبيل الله تطهيرٌ للأرض من الظلمِ والعدوانِ والغدرِ والخيانةِ والإثم، وبسطٌ للأمنِ والسلام، ونشرٌ للرأفة والرحمة، وفي الجهاد إعطاءُ كلِّ ذي حقٍّ حقَّه، وأعظمُ ذلك أن يُعطى الخالقُ حقَّه من العبادة، فيُعبدُ وحده لا شريك له، فمن أبى أن يُعطي الخالق حقَّه، بل وقاتل من يدعو الناس إلى إعطاء الخالق حقَّه، وصدَّ الناس عن دينِه وعبادته؛ فهو أظلم الناس، ومن الرحمة بالناس أن يُزال هذا الطاغوتُ الذي يحول بينهم وبين عبادة خالقِهم، قال الله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [البقرة:114].
 
أيها المسلمون، قال علماءُ التاريخِ والسيرة: لم يكن من عادةِ العربِ في الجاهلية أن يخضعوا لأحد مهما كان الأمر، وقد طالت بعضُ حروب قبائل العرب أربعين عامًا أو مائة عام، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم بالإسلام قاتل كفارَ العرب بأسلوبٍ حكيمٍ، حتى فتح قلوبهم قبل أن يفتح بلادهم، ومجموعُ من قُتِل من المسلمين والمشركين واليهود والنصارى في جميع الحروب النبوية في حدود ألف قتيلٍ فقط، في مدة لا تزيد على ثمانية أعوام، وفي هذه الفترة القصيرة، وبهذا القدر القليل من الدم بسط النبي صلى الله عليه وسلم الأمن والسلام في أرجاء الجزيرة العربية، فقد جعل النبي عليه الصلاة والسلام الحرب سبيلًا لإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ظلم الأديان إلى عدل الإسلام، وسبيلًا لنصرة المظلومين، وإقامة العدل بين الناس أجمعين.
 
أيها المسلمون، وليس المقصود من جهاد الغزو إكراهُ الكفار على اعتناق الإسلام، وإنما تبلِيغُهم الإسلام، وقتالُ كلِّ من يحول بينهم وبين اختيار الإسلام من أئمة الكفر الذين يصدون أتباعهم عن اختيار دين الله الذي لا يرضى من عباده سواه، فمن اختار طريق الإسلام فقد فاز فوزًا عظيمًا، وله الخير والعزة في الدنيا قبل الآخرة، وله الجنةُ في دار الخلود، ومن اختار طريق الكفر فقد خسر خسرانًا مبينًا، وله الذلة في الدنيا، وله نارُ جهنمَ يوم القيامة.
 
قال الله تعالى: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة:193] قال المفسرون: أي: قاتلوا الكفار في حال قوِّتِكم حتى لا يكون شركٌ ظاهرٌ، ويكون دينُ الله هو الظاهرُ العالي على سائر الأديانِ الباطلة، فإن انتهى الكفارُ عما هم فيه من الشرك وقتالِ المؤمنين فكُفُّوا عنهم، فإنَّ من قاتلهم بعد ذلك فهو ظالم، ولا عدوان إلا على الظالمين، ولا يُقاتَل إلا من قاتل المسلمين دون مَنْ سالمهم وعاهدهم، وأعرض عن قتالهم.
 
أيها المسلمون، الجهاد في الإسلام حربٌ دينيةٌ مشروعةٌ، وهي أنقى الحروبِ في تاريخ البشرية من جميع النواحي: من ناحية الهدف، ومن ناحية الأسلوب، ومن ناحية الشروط والضوابط، ومن ناحية النتائج والآثار، وكلُّ قتالٍ يخالف تعاليمَ الإسلام، فالإسلام منه بريء، كالقتال في الفتنة بين المسلمين أو القتال من أجل المصالح الدنيوية؛ ولذلك يُذكِّرنا الله في آيات الجهاد أن يكون الجهادُ جهادًا في سبيله.
 
أيها المسلمون، ثبت في الحديث الصحيح عن بُريدَة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمَّر أميرًا على جيشٍ أو سريَّةٍ أوصاه في خاصته بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: ((اغْزُوا بِاسْمِ اللهِ، فِي سَبِيلِ اللهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللهِ، اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا [أي: لا تأخذوا من الغنيمة قبلَ قسمتِها]، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تُمَثِّلُوا[أي: لا تُشَوِّهُوا قتلى المشركين بقطع بعض أعضائهم أو حرقهم ونحو ذلك]، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَجَابُوكَ، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ،... فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَسَلْهُمُ الْجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَقَاتِلْهُمْ)).
 
ففي هذا الحديث أن الكفار يُدعون في جهاد الغزو إلى هذه الخصال الثلاث قبل قتالهم:
1- الإسلام، فيكونون مسلمين، لهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم.
 
2- الجزية، وهي مالٌ يدفعه الكفار للمسلمين مع بقائهم على دينهم، وعلى المسلمين حمايتُهُم، والعدل بينهم، وكف الأذى عنهم.
 
3- القتال، فيقاتلهم المسلمون إن استكبروا عن قبول دين الله، وأبوا أن يدفعوا الجزية.
 
أيها المسلمون، لولا الجهاد في سبيل الله لضاع الدينُ الحق، وانتشر الشرك والباطل، فالصراع حتميٌّ بين الحق وأهله من جهة، والباطلِ وأهله من جهة أخرى، وهذه سُنَّةٌ إلهيةٌ لا تتخَلَّف، ووقائعُ التاريخِ القديمِ والحديثِ شاهدةٌ بذلك، قال الله تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾ [آل عمران: 142]، وقال سبحانه: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ﴾ [محمد: 31]، وقال تبارك وتعالى: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ
وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾ [الحج: 39 - 41].
 
اللهم فقِّهنا في الدين، وعلِّمنا كتابَك وسُنَّةَ نبيِّك، وحقِّق التوحيدَ في قلوبنا، وارزقنا الإخلاصَ في أعمالنا، اللهم ألِّف بين قلوب المسلمين، واجمع كلمتَهم على الحق المبين، وانصرهم على عدوِّك وعدوِّهم برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم أنج المستضعفين من المسلمين في كل مكان يا أرحم الراحمين، اللهم هيِّئ الأسباب لتحرير المسجد الأقصى من اليهود الغاصبين، اللهم عليك بجميع الكفار الظالمين المعتدين، الذين يَصُدُّون الناس عن دينك، ويُكذِّبون رُسُلك، ويقاتِلون أولياءك، اللهم اجعل عليهم رِجزك وعذابك، اللهم أَنزِل بهم بأسك الذي لا ترده عن القوم المجرمين، ﴿ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾ [يونس: 85، 86]، ﴿ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 250]، ﴿ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 286]، ﴿ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [الممتحنة: 4، 5].
 
اللهم صلِّ على نبيِّنا محمدٍ وعلى آلِ محمد، والحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين.
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
🎤
*خطبة جمعة بعنوان:*
*الـــثــبــات وأســـــبـابـه*
*للشـيخ/ أمـــير الـمــدري*
🕌🕌🕌🕌🕌🕌

*الخطبة الأولى:*
الحمد لله رب العالمين، الأول والأخر، والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

وبعد: أيها المسلمون: اتقوا الله وراقبوه فهو القائل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102].
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾ [النساء: 1].
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [الحشر: 18].

عباد الله: سنقف وإياكم في هذه الدقائق الغالية مع الثبات، وأسباب الثبات لعلنا نكون وإياكم ممن ثبَّتهم الله على الحق حتى ماتوا عليه.

نتكلم على الثبات في وقت نرى فيه فتناً كقطع الليل المظلم، فتناً ربما لو فكَّر فيها الرجل العاقل لشرد ذهنه وانخلع قلبه مما يرى، ولكن اعلم أخي المسلم أن الثبات على الحق والتمسك به من صفات المؤمنين الصادقين، قال تعالى: ﴿ يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاءُ ﴾ [إبراهيم: 27].

وقدوتنا في ذلك هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد لاقى ما لاقى ومع ذلك كان أشد ثباتًا حتى بلَّغ رسالة ربه على أتم وجه.

عباد الله: إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يُصرِّفها كيف شاء فعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث شاء، ثم قال: اللهم مصرف القلوب صرِّف قلوبنا على طاعتك» [رواه مسلم].

وهذا أنس بن مالك - رضي الله عنه - يقول: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكثر في دعائه: «يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك»، قال: فقلت: يا رسول الله، آمنا بك وبما جئت به، هل تخاف علينا؟ قال: «نعم، إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله، يقلّبها كيف يشاء» [أخرجه الترمذي في جامعه وابن ماجه في سننه بإسناد صحيح].

وما سُمِّي الإنسان إلا لِنَسْيِهِ *** ولا القلب إلا أنه يتقلّبُ

ومصداق هذا كله مشاهَد ملموس في واقع الناس، فكم من روضةٍ أمست وزهرها يانع عميم أصبحت وزهرها يابس هشيم، فبينا ترى الرجل من أهل الخير والصلاح ومن أرباب التقى والفلاح، قلبه بطاعة ربه مشرق سليم إذا به انقلب على وجهه فترك الطاعة وتقاعس عن الهدى، وبينا ترى الرجل من أهل الخنا والفساد أو الكفر والإلحاد قلبه بمعصية الله مظلم سقيم إذا به أقبل على الطاعة والإحسان وسلك سبيل التقى والإيمان.

أيها الإخوة المؤمنون: إن تذكر هذا الأمر لتطير له ألباب العقلاء، وتنفطر منه قلوب الأتقياء، وتنصدع له أكباد الأولياء، كيف لا، والخاتمة مغيّبة والعاقبة مستورة والله غالبٌ على أمره والنبي -صلى الله عليه وسلم- قد قال: «فو الذي لا إله غيره! إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها». [متفق عليه].

فالله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

عباد الله: اعلموا أنه على قدر ثبات العبد على الصراط، الذي نصبه الله لعباده في هذه الدار يكون ثباته على الصراط المنصوب على متن جهنم، وعلى قدر سيره على هذا الصراط في الدنيا يكون سيره على ذلك الصراط، فمنهم من يمر مر البرق، ومنهم من يمر مر كالطرف، ومنهم كالريح ومنهم من يمشي مشياً، ومنهم من يحبو حبواً، ومنهم المخدوش، ومنهم من يسقط في جهنّم، وهل تجزون إلا ما كنتم تعملون، ولذا نحن في اليوم مرات ومرات ندعو الله أن يثبّتنا على الصراط المستقيم، ونقول: ﴿ اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ ﴾ [الفاتحة: 6-7].

يا رب ثبّتنا على طريق الصالحين طريق الإيمان طريق التقوى طريق التوحيد طريق الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.

فيا عباد الله: عليكم أن تجتهدوا في أخذ أسباب الثبات، وسنن الله ثابتة لا تتغير، ﴿ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ﴾ [الأحزاب: 62] [الفتح: 23].

فمن أسباب حصول الثبات على الحق والهدى والدين والتقى:
أولاً: الشعور بالفقر إلى تثبيت الله تعالى؛ لأنه لا غنى لنا عن تثبيته طرفة عين، فإن لم يثبتنا الله زالت سماء إيماننا وأرضُه عن مكانها، وقد قال مخاطباً خير خلقه وأكرمهم عليه بقوله: ﴿ وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً ﴾ [الإسراء: 74].

وقال تعالى: ﴿ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ [الأنفال: 12].

وكان نبينا - صلى الله عليه وسلم - يكثر من قوله: «لا، ومُصرِّف القلوب» [رواه ابن ماجه بسند جيد]، مما يؤكد أهمية استشعار هذا الأمر واستحضاره.

ثانياً: من أسباب الثبات على الخير والصلاح الإيمان بالله تعالى.

قال - عز وجل -: ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة ﴾ [إبراهيم: 27].

والإيمان الذي وعد أهله وأصحابه بالتثبيت هو الذي يرسخ في القلب، وينطق به اللسان، وتُصدِّقه الجوارح والأركان، فليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل، فالالتزام الصادق في الظاهر والباطن، والمنشط والمكره، هو أعظم أسباب التثبيت على الصالحات.

قال الله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً ﴾ [النساء: 66].

فالمثابر على الطاعة المداوم عليها المبتغي وجه الله بها موعودٌ عليها بالخير والتثبيت من الله مقلب القلوب ومصرفها.

ثالثاً: ومن أسباب الثبات على الطاعة والخير: ترك المعاصي والذنوب صغيرها وكبيرها ظاهرها وباطنها..

فإن الذنوب من أسباب زيغ القلوب، فقد قال صل الله عليه وسلم فيما أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن».

وأما الصغائر فعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «إياكم ومحقرات الذنوب كقوم نزلوا بطن واد فجاء ذا بعود، وجاء ذا بعود، وجاء ذا بعود حتى أنضجوا خبزتهم، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه». [رواه أحمد وابن ماجه، وهو في السلسلة الصحيحة «389»].

خل الذنوب صغيرها *** وكبيرها ذاك التقى
واصنع كماش فوق أرض *** الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن صغيرة *** إن الجبال من الحصى

رابعاً: من أسباب الثبات على الإسلام والإيمان الإقبال على كتاب الله تلاوة وتعلماً وعملاً وتدبراً:

فإن الله تعالى أخبر بأنه أنزل هذا الكتاب المجيد تثبيتاً للمؤمنين وهداية لهم وبشرى قال الله تعالى: ﴿ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ﴾ [النحل:102].

فكتاب الله هو الحبل المتين والصراط المستقيم والضياء المبين لمن تمسك به وعمل.

خامسًا: من أسباب الثبات على الصالحات عدم الأمن من مكر الله:

فإن الله قد حذر عباده مكره فقال - عز وجل -: ﴿ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ [الأعراف: 99].

وقد قطع خوف مكر الله تعالى ظهور المتقين المحسنين وغفل عنه الظالمون المسيئون كأنهم أخذوا من الله الجليل توقيعاً بالأمان وقال الله تعالى: ﴿ أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ * سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ ﴾ [القلم: 40].

أما المحسنون من السلف والخلف فعلى جلالة أقدارهم وعمق إيمانهم ورسوخ علمهم وحسن أعمالهم، فقد سلكوا درب المخاوف يخافون سلب الإيمان وانسلاخ القلب من تحكيم الوحي والقرآن حتى صاح حاديهم يقول:

والله ما أخشى الذنوب فإنها *** لعلى سبيل العفو والغفرانِ
لكنما أخشى انسلاخ القلب من *** تحكيم هذا الوحي والقرآنِ

فالحذر الحذر من الأمن والركون إلى النفس فإنه مادام نَفَسُك يتردد فإنك على خطر قال ابن القيم - رحمه الله تعالى -: «إن العبد إذا علم أن الله مُقلّب القلوب، وأنه يحول بين المرء وقلبه، وأنه تعالى كل يوم هو في شأن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وأنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء، ويرفع من يشاء ويخفض من يشاء فما يؤمّنه أن يقلب الله قلبه ويحول بينه وبينه ويزيغه بعد إقامته».

وقد أثنى الله على عباده المؤمنين بقوله: ﴿ رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا ﴾ [آل عمران: 8]، فلولا خوف الإزاغة لما سألوه أن لا يزيغ قلوبهم.

سادساً: من أسباب الثبات على الهدى والحق سؤال الله التثبيت:

فإن الله هو الذي يثبتك ويهديك، فألح على الله تعالى بالسؤال أن يربط على قلبك ويثبتك على دينك فالقلوب ضعيفة والشبهات خطّافة والشيطان قاعد لك بالمرصاد، ولك فيمن تقدَّمك من المؤمنين أسوة حسنة فإن من دعائهم: ﴿ رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ
الْوَهَّابُ ﴾ [آل عمران: 8].

وما ذكره الله تعالى عنهم: ﴿ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 250]. وقد كان أكثر دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك».

أسال الله أن يثبتنا وإياكم على الخير والصلاح.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، إنّه هو الغفور الرحيم.

-------------------------------------------------

الخطبة الثانية:
الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا اله إلا الله تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه وعلى آله وأصحابه وجميع إخوانه.

وبعد.. لا زلنا وإياكم مع أسباب الثبات:

سابعاً: من أسباب الثبات على الإيمان نصرُ دين الله الواحد الديان ونصر أوليائه المتقين: قال الله تعالى: ﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾ [محمد: 7].

ونصر دين الله تعالى وأوليائه يكون بطرائق عديدة لا يحدها حدّ، ولا تقف عند رسم، فالدعوة إلى الله بجميع صورها نصر لدين الله، وطلب العلم نصرٌ لدين الله، والعمل بالعلم نصرٌ لدين الله، وجهاد الكفار والمنافقين والعصاة نصرٌ لدين الله، والرد على خصوم الإسلام وكشف مخططاتهم نصرٌ لدين الله، والبذل في سبيل الله والإنفاق في وجوه البر نصرٌ لدين الله، والذب عن أهل العلم والدعوة وأهل الخير والصحوة نصرٌ لدين الله، وطرائق نصر دين الله وأوليائه كثيرة جعلنا الله وإياكم من أوليائه وأنصار دينه.

قال ابن القيم - رحمه الله تعالى -:
هذا ونصر الدين فرضٌ لازم *** لا للكفاية بل على الأعيان
بيد وإما باللسان فإن عجز ت *** فبالتوجه والدعا بجنان

ثامناً: من أسباب الثبات على الهدى الرجوعُ إلى أهل الحق والتقى من العلماء والدعاة:
فهم أوتاد الأرض ومفاتيح الخير ومغاليق الشر، فافزع إليهم عند توالي الشبهات وتعاقب الشهوات قبل أن تنشب أظفارها في قلبك فتوردك المهالك، قال ابن القيم - رحمه الله تعالى- حاكياً عن نفسه وأصحابه: "وكنا إذا اشتد بنا الخوف، وساءت بنا الظنون، وضاقت بنا الأرض أتيناه، أي شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله عنا وينقلب انشراحاً وقوة ويقيناً وطمأنينة".

تاسعا: من أسباب الثبات على الحق والتقى الصبر على الطاعات والصبر عن المعاصي:

فإنه لن يحصل العبد الخيرات إلا بهذا، وقد أمر الله تعالى نبيه بالصبر، فقال: ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ [الأنعام: 52]، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «وما أعطي أحدٌ عطاء خيراً وأوسع من الصبر» [رواه مسلم].

فالصبر مثل اسمه مُرٌ مذاقته *** لكن عواقبه أحلى من العسلِ

عاشرا: من أسباب الثبات على الحق والهدى ترك الظلم:

فالظلم عاقبته وخيمة، وقد جعل الله التثبيت نصيب المؤمنين والإضلال حظ الظالمين، فقال جل ذكره: ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ﴾ [إبراهيم: 27].

فاتقوا الظلم أيها المؤمنون، اتقوا ظلم أنفسكم بالمعاصي والذنوب، واتقوا ظلم أهليكم بالتفريط في حقوقهم والتضييع لهم، واتقوا ظلم من استرعاكم الله إياهم من العمال ونحوهم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة.

قال صلى الله عليه وسلم: «تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودًا عودًا، فأيما قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأيما قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء حتى تصير القلوب على قلبين: قلب أبيض كالصفا، وقلب أسود مرباداً كالكوز مجخياً - أي مقلوبًا - لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكرًا» [رواه مسلم في صحيحه عن حذيفة بن اليمان].

وهذه صفة أهل النار ويقول صلى الله عليه وسلم: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش» [رواه البخاري].

ومن المعروف أن الدينار مملوك والعبد مالك للدينار، فكيف يكون الدينار هو المالك والعبد هو المملوك؟

من ذلك يتبين لنا أن العبد إذا انشغل بجمع الدينار وتركَ عبادة الله كان عبدًا للدينار من دون الله ولذلك يدعو الرسول - صلى الله عليه وسلم - على هذا الصنف فيقول: «تعس وانتكس».

وأعجب من ذلك أن يكون المال سببًا في الانتكاس الكلي وهو الردة، فقد ثبت عند الإمام مسلم أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أرسل عمر رضي الله عنه لجمع الزكاة فذهب إلى ابن جميل وكان فقيرًا فأغناه الله فطلب عمر منه الزكاة فمنع ولم يعترف بها قال تعالى: ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ
لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴾ [التوبة: 55-57].

الحادي عشر من أسباب الثبات على الدين والصلاح كثرة ذكر الله تعالى، كيف لا وقد قال جل شأنه: ﴿ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ [الرعد: 28].

وقال - صلى الله عليه وسلم -: «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت» [صحيح البخاري باب فضل الذكر «7 /168»].

وقد أمر الله تعالى عباده بالإكثار من ذكره فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيرا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً ﴾ [الأحزاب: 41-43]، فذكر الله كثيراً وتسبيحه كثيراً سبب لصلاته سبحانه وصلاة ملائكته التي يخرج بها العبد من الظلمات إلى النور، فيا حسرة الغافلين عن ربهم، ماذا حُرموا من خيره وفضله وإحسانه.

اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، اللهم ثبتنا على الطاعة يا رب العالمين..

عباد الله : صلُّوا وسلِّموا -رعاكم الله- على محمد بن عبد الله؛ كما أمركم الله بذلك في كتابه، فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً)
وقال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى الله عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا".
اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد
وارضَ اللهمَّ عن الخلفاء الراشدين؛ أبى بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعلي، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين

اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واحمي حوزة الدين يا رب العالمين
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتبع رضاك يا رب العالمين
اللهم اشف مرضانا، وعاف مبتلانا، وارحم موتانا يا رب العالمين
اللهم وفِّق ولي أمرنا وولي عهده لرضاك، وأعنهما على طاعتك يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم احفظ جنودنا، واحم حدودنا وثغورنا ، يا رب العالمين، واحفظ رجال أمننا يا رب العالمين
اللهم اشف مرضاهم، وارحم موتاهم، وتقبلهم في الشهداء يا ربَّ العالمينَ
اللهم بارك لمن حَضَرَ معنا صلاتنا هذه في علمه وعمره وعمله، وبارك له في بدنه وصحته وعافيته، وبارك له في أهله وولده، وبارك له في ماله ورزقه، واجعله يا ربنا مباركًا موفقًا مسددًا أينما حَلَّ أو ارتحل
اللّهم آت نفوسنا تقواها، زكِّها أنت خير من زكاها، أنت وليُّها ومولاها
اللّهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، والموت راحةً لنا من كل شر
اللّهم اغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات
(رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)[الْأَعْرَافِ: 23]
(رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)[الْبَقَرَةِ: 201]

عِبَادَ الله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) ، فَاذْكُرُوا اللهَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوْهُ على نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
🎤
*خطبة جمعة بعنوان:*
*كيف نتعامل مع الابتلاء ؟*
*للشـيخ / حـسـان العـماري*
🕌🕌🕌🕌🕌🕌🕌

*الخطبة الأولى:*
الحمد لله الذي جعل بعد الشدة فرجاً، وبعد الضر والضيق سعة ومخرجاً، ولم يخل محنة من منحة، ولا نقمة من نعمة، ولا نكبة ورزية من موهبة وعطية.
خلق فقدَّر ودبّر فيسر، فكل عبد إلى ما قَدَّره عليه وقضاه صائر.
أحمده -سبحانه- على خفيّ لطفه، وسعت عفوه، وجزيل بره المتظاهر.
أكرم مسؤول، وأعظم مأمول، عالم الغيوب، ومفرّج الكروب، ومجيب دعوة المضطر المكروب.

سهرت أعينٌ ونامت عيون *** في شئون تكون أو لا تكونُ
فاطرح الهم ما استطعت *** فحملانك الهموم جنونُ
إن ربا كفاك ما كان بالأمس *** سيكفيك في غدٍ ما يكونُ

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ كثير الخير دائم السلطان، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صاحب الآيات والبرهان، اللهم صل على محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيراً. أما بعد:

عباد الله: لقد جبلت الدنيا على كدر؛ فكم من مصائب وكوارث وأزمات؛ يتعرض لها الإنسان في حياته، سواء كان ذلك في نفسه، أو في أهله وماله وأولاده، أو في جسده، أو في دينه، ومجتمعه وأمته، وقد يبتلى المرء في طعامه وشرابه وحريته، وهذا الابتلاء جعله الله سنة في خلقه لم يستثن منه أحدا، حتى أنبياءه ورسله، وهم أقرب الخلق وأحبهم إليه؛ روى الإمام أحمد في مسنده وابن حبانَ في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - أنّه قال: قلت: يا رسول الله أيُّ الناسِ أشدّ بلاء؟ فقال: "أشدُّ الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثلُ فالأمثل، يُبتلى الرجل على حسَب دينه، فإن كان في دينِه صلبًا اشتدَّ بلاؤه، وإن كان في دينه رقَّة ابتُلِي على قدرِ دينِه، فما يبرَح البلاءُ بالعبدِ حتّى يتركَه يمشِي على الأرض وما عليه خَطيئة"[السلسلة الصحيحة (143)].

وقال - تعالى -: (الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَذِبِينَ)[العنكبوت: 1-3].

وذكر - سبحانه وتعالى - الابتلاء وقرنه بخلق الإنسان، ومازال نطفة ليدرك أن حقيقة الابتلاء، وكيف يتعامل معه ويستفيد منه؟ وكيف يستثمره ليواصل مسيرة الحياة، قال - تعالى -: (إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) [الإنسان: 2-3].

وجعل - سبحانه وتعالى - الابتلاء في الدنيا بما فيها سنة ماضية في الأمم والأفراد والشعوب، وجعل الآخرة للجزاء، قال - تعالى -: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)[الكهف: 7].

عباد الله: هذا الابتلاء وهذا الامتحان عاشه محمد - صلى الله عليه وسلم -، وهو سيد ولد آدم، وأحب خلق الله إليه؛ صابراً ومحتسباً، واثقاً من ربه؛ أنه لن يضيعه ولن يتركه، فكان له النصر والتمكين والرفعة في الدنيا والآخرة.

وابتلي موسى - عليه السلام - وهو الذي قال الله فيه: (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى) [طه: 13].

وقال - تعالى -: (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي)[طه: 39].

وعندما وقف موسى - عليه السلام - أمام فرعون يدعوه إلى هدى الله، بعد أن مارس الفساد والظلم والاضطهاد على قومه، فذبح أبناءهم واستحيى نساءهم، قال له فرعون : (وما رب العالمين) الذي تدعو إليه: (قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ) [الشعراء: 24].

وعندما جاء موسى - عليه السلام - بالبينات على صدقه، قال فرعون لمن حوله: (إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ) [الشعراء: 34].

ولأن فرعون رجل ديمقراطي أراد أن ينتصر على موسى أمام الجماهير وجمع السحرة والناس في يوم مهيب: (قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحىً) [طه: 59].

وعندما وجد السحرة أن ما جاء به موسى ليس بسحر، بل هي معجزة عظيمة آمنوا واتبعوا موسى - عليه السلام -، فبدأ التهديد والإرهاب والحصار والتقطيع؛ لعلهم أن يعودوا كما كانوا، فقالوا لفرعون بلسان الواثق بربه: (قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) [طه: 72].

وانتصر موسى - عليه السلام - وقومه وأغرق الله فرعون وجنده.

وابتُلي نبي الله يوسف - عليه السلام - بالطعن في أمانته؛ حينما قال إخوته: (إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ)[يوسف: 77].
وأُلقِيَ في غيابة الجب كما تلقى الأحجار، وبيع في سوق النخاسة كما يباع العبيد، وشري بثمن بخس دراهم معدودة، وكان من اشتراه فيه من الزاهدين، وخدم في البيوت كما يخدم العبيد، واتهم في عرضه تهمة يتنزه عنها العقلاء فكيف بالأنبياء؟ وألقي بسببها في السجن كما يلقى المجرمون، فلبث فيه بضع سنين.

وغيرهم من الأنبياء والصالحين، والناس في كل زمان ومكان يتعرضون لهذا الابتلاء في حياتهم وأهليهم، ووظائفهم وأولادهم، بل يتعرضون للابتلاء في مجتمعهم وأمتهم، وقد يبتلون في عبادتهم وطاعتهم ودينهم.

وقد يبتلى العالم في علمه، والتاجر في تجارته، وَأَصْحَابُ الْولَايَاتِ فِي ابْتِلَاءٍ عَظِيمٍ بِإِقَامَةِ شَرْعِ اللهِ - تعالى - فِي وِلَايَاتِهِمْ، وَالْحُكْمِ بِالْعَدْلِ فِي رَعَايَاهُمْ، كَمَا أَنَّ رَعَايَاهُمْ مُبْتَلُونَ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِمَنْ أَقَامَ حُكْمَ الشَّرِيعَةِ فِيهِمْ، وَبُرْهَانُ ذَلِكَ أَنَّ دَاوُدَ - عليه السلام - لَمَّا حَكَمَ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ عَلِمَ أَنَّهُ قَدِ ابْتُلِيَ بِذَلِكَ: (وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ * فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ)[ص: 24-25].

وَقد يُبْتَلَى الناس ببَعْضِهمْ البِعْضٍ، فِي تَفَاوُتِ أَرْزَاقِهِمْ، وَرِفْعَةِ دَرَجَاتِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَرْضَى وَيَقْنَعُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْخَطُ وَيَطْمَعُ؛ ومنهم من يشكر النعمة، ومنهم من يجحد ويتكبر ويتنكر لها، وينسى أن المنعم هو الله؛ حتى ظهرت الخصومات بين الناس، وسفكت لأجل ذلك الدماء، وحل التقاطع والهجران، قال - تعالى -: (وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ)[الأنعام: 165].

أيها المؤمنون -عباد الله-: إن هذا الابتلاء الذي يتعرض له المسلم في حياته، بما فيه من مشقةٍ وشدةٍ، وعسر ومعاناة؛ إلا أن فيه منحا إلهية، وجوائز ربانية، جعلها الله لعباده المؤمنين، وللمجتمع والأمة المسلمة؛ فمن ذلك: تكفير الذنوب والخطايا، ورفع الدرجات، وتطهير النفوس وتزكيتها، وربطها بخالقها، والتمكين والنصر، والتمييز والتمحيص، بين العباد، ومعرفة أهل الصدق، والصبر والإيمان، وكشف وفضح أهل الخيانة والكذب والنفاق، قال - تعالى -: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَهِدِينَ مِنكُمْ وَلصَّبِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَرَكُمْ)[محمد: 31].

وقال - تعالى -: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) [البقرة: 155].

والمسلم يحتاج إلى أن يحسن التعامل مع الابتلاء، وكيف يستثمره ويستفيد منه؛ فيقوي إيمانه بالله عندما يدرك أن قدر الله لا مناص منه، فيربي نفسه على التسليم والرضا بما قدر الله، قال - تعالى -: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)[الحديد: 22].

فلا يكمل إيمان عبد، ولا يستقيم حتى يؤمن بالقدر خيره وشرّه، ويعرف أن من صفته تعالى أن يُقَّدر ويلطف، ويبتلي ويخفف، ومن ظن انفكاك لطفه عن قدره، فذلك لقصور نظره: (إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ)[يوسف: 100].

وعن الوليد بن عبادة قال: دخلت على أبي وهو مريضٌ أتخايل فيه الموت، فقلت: يا أبتاه أوصني واجتهد لي؟ فقال: اجلسوني؛ فلمّا أجلسوه، قال: يا بني إنك لن تجد طعم الإيمان، ولن تبلغ حقيقة العلم باللَّه -تبارك وتعالى-، حتى تؤمن بالقدر خيره وشره، قلت: يا أبتاه وكيف لي أن أعلم ما خير القدر وشره؟ قال: تعلم أنّ ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، يا بني إني سمعت رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يقول: "أوّل ما خلق اللَّه القلم، قال: اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة... يا بني إن مِتّ ولست على ذلك دخلت النّار" [صحيح- رواه أحمد في " المسند " (5 / 317)، ورواه أبو داود (4700) وابن أبي عاصم في " السنّة " (1 / 48) (رقم: 103)].

قال ابن تيمية - رحمه الله - في مجموع الفتاوى (18/ 213): "هذا الحديث .. دلت عليه النصوص، وهو قول جمهور السلف.."..

ومن ذلك: أن ينظر المسلم إلى الجزاء والثواب، والأجر الذي يناله من هذا الابتلاء جراء صبره وثقته بما عند الله، قال النبي - عليه الصلاة والسلام -: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى مِنْ مَرَضٍ فَمَا سِوَاهُ إِلَّا حَطَّ اللَّهُ بِهِ سَيِّئَاتِهِ كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا"[رواه مسلم -4663- (12/443)].

وعنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "إِنَّ اللَّهَ قَالَ: إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي بِحَبِيبَتَيْهِ فَصَبَرَ عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا الْجَنَّةَ"[رواه البخاري -5221 - (17/391)] ويريد بحبيبتيه عينيه.
عن أبي موسى - رضي الله عنه -، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا مات ولد العبد قال الله - تعالى- لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: فماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله - تعالى -: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد"[صحيح الجامع رقم (807)، السلسلة الصحيحة رقم(1408)].

يا له من أجرٍ عظيم، وثواب جزيل لا يناله إلا الصابرون.

اللهم أصلح لنا ديننا ودنيانا وآخرتنا، ووفقنا إلى ما تحب وترضى، وارزقنا الصبر واليقين.

قلت قولي هذا واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه


الخطبة الثانية:
الحمد لله حمدا يليق بجلال الله، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن سار على طريقته ونهجه، أما بعد:

عبادَ اللهِ: إن مما يخفى على كثير من الناس أن النعم ابتلاء، فيظنونها تكريماً من الله لهم، لا اختباراً لشكرهم، فيسيئون استخدامها، ويغترون بها، ولا يبالون إن كان ذلك يسخط الرب أم لا، فيفسدون ولا يصلحون، وعلى الله يستعلون، وبالله ونعمه يجحدون، وبآلائه يكذبون، هذا قارون: (إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا ءَاتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ * قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ) [القصص 76-78].

والله - عز وجل - ذكر لنا أنه يبتلي عباده بالخير كما يبتليهم بالشر، فيقول - سبحانه وتعالى -: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) [الأنبياء 35].

ومن هنا يستثمر العبد هذا الابتلاء بالتوبة والرجوع إلى الله، وترك الذنوب والمعاصي، والإقبال على الطاعات والعبادات، قال تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)[البقرة: 153].

عبادَ اللهِ: وعلى المسلم أن يبذل الأسباب الشرعية والمادية ليدفع عنه البلاء، فإذا ابتلي في جسده بحث عن العلاج، وإذا ابتلي في رزقه مشى في مناكب الأرض يبحث عن العمل، وإذا ابتلي بتسلط ظالم دفعه بكل الوسائل الممكنة، ولا يستسلم لذلك بحجة أنه ابتلاء، قال تعالى: (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ) [الشورى: 41].

وإذا كان الابتلاء للمجتمع والأمة بشكل عام، سواء كان بالاختلاف والتفرق، أو الأزمات الاقتصادية، أو بتسلط العدو، أو بالأمراض والأوبئة، أو بالكوارث، وغيرها؛ سارع الجميع إلى التعاون والتراحم والتآلف، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتقديم النفع، وسعى الجميع إلى رأب الصدع، وإصلاح الوضع، وقول كلمة الحق، وبذل كل واحد من الأسباب ما يستطيع، ونأى كل واحد بنفسه عن أن يكون سبباً في إثارة النعرات، وإزهاق الأرواح، وسفك الدماء، وترويع الآمين، فيلقى الله وهو عليه غضبان.

وعلى الجميع التضرع إلى الله والدعاء بأن يرفع البلاء، ويلطف فيه، ويكتب الأجر والثواب، قال -تعالى-: (فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)[الأنعام43].

اللهم إنا نسألك الصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء.

عباد الله : صلُّوا وسلِّموا -رعاكم الله- على محمد بن عبد الله؛ كما أمركم الله بذلك في كتابه، فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً)
وقال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى الله عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا".
اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد
وارضَ اللهمَّ عن الخلفاء الراشدين؛ أبى بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعلي، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين

اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واحمي حوزة الدين يا رب العالمين
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتبع رضاك يا رب العالمين
اللهم اشف مرضانا، وعاف مبتلانا، وارحم موتانا يا رب العالمين
اللهم بارك لمن حَضَرَ معنا صلاتنا هذه في علمه وعمره وعمله، وبارك له في بدنه وصحته وعافيته، وبارك له في أهله وولده، وبارك له في ماله ورزقه، واجعله يا ربنا مباركًا موفقًا مسددًا أينما حَلَّ أو ارتحل
اللّهم آت نفوسنا تقواها، زكِّها أنت خير من زكاها، أنت وليُّها ومولاها
اللّهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، والموت راحةً لنا من كل شر
اللّهم اغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات
(رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)[الْأَعْرَافِ: 23]
(رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)[الْبَقَرَةِ: 201]

عِبَادَ الله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) ، فَاذْكُرُوا اللهَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوْهُ على نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

*نشر العلم صدقة جارية فأعد نشرها*
*ولا تبخل على نفسك بالأجـر العظيم*
=======================
ـــــــ🕋 زاد.الـخـطــيــب.tt 🕋ــــــــ
منــبرالحكـمــةوالمـوعـظـةالحســنـة.tt
رابط التليجرام👈 t.me/ZADI2
للإشتراك بشبكة زاد الخطيب الدعوي
ارسل.اسمك.للرقم.730155153.tt
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
🎤
*خطبة جمعة بعنـوان:*
*بعض بشارات القرآن الكريم*
*للشيخ/ عبدالعزيز بن يحيى البرعي*
🕌🕌🕌🕌🕌🕌🕌🕌

*الخطبـة الأولـى:*
إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.
من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

*﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾*

*﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾*

*﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا ۞ لَكُمْ أَعْمَٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾*

أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

أيها المسلمون " كلامنا في هذا المقام المبارك عن بعض البشارات في القرآن الكريم يقول الله جل وعلا في كتابه الكريم *﴿ وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُوا۟ ٱلطَّٰغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ لَهُمُ ٱلْبُشْرَى ﴾* فبشرهم الله سبحانه وتعالى *﴿ لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ ۚ فَبَشِّرْ عِبَادِ ﴾﴿ ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُۥٓ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَىٰهُمُ ٱللَّهُ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمْ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَٰبِ ﴾* ذكر الله عز وجل في صفات المبشرين في هذا السياق وفي هذه الآية أنهم اجتنبواْ الطاغوت وهي الأصنام وتركواْ عبادتها وأنابواْ إلى الله جل وعلا أي تركواْ ما كانواْ عليه من المعاصي والآثام من قطيعة الرحم ومن قتل النفوس ومن الفواحش وغيرها مما كانواْ عليه في الجاهلية *﴿ وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُوا۟ ٱلطَّٰغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ لَهُمُ ٱلْبُشْرَى ﴾* ثم قال *﴿ فَبَشِّرْ عِبَادِ ﴾﴿ ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُۥٓ ﴾*

وأحسن القول هو كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثم كلام الصالحين وما كان كلاماً بعد كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من كلام الناس مما يسمعه في المجالس وغيرها فمرده إلى كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فما كان من حق قبله وما كان من باطل رده فيتبع أحسنه هكذا اتباع الأحسن بعرض ما تسمع على كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فالمطلوب منك أن تقبل كلام الله وكلام رسوله وتتبع كلام الله وكلام رسوله ثم قال *﴿ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَىٰهُمُ ٱللَّهُ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمْ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَٰبِ ﴾*

والمراد بأولي الألباب من صفت عقولهم وأذهانهم فمن لم يتبع أحسن الأقوال فليس بمهتد وليس بعاقل العاقل هو الذي يسمع الحق فيقبله ويسمع الباطل فيرده سواءً كان من المعاصي أو البدع أو الشركيات أو الكذب أو غير ذالك من الأقوال فهو مع كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يدور معه حيثما دار.

ويقول الله عز وجل *﴿ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُو۟لَٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّۦنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُو۟لَٰٓئِكَ رَفِيقًا ﴾﴿ ذَٰلِكَ ٱلْفَضْلُ مِنَ ٱللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيمًا ﴾* فبشر الله عز وجل هؤلاء الموصوفين في هذه الآية بأنهم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وهم الذين عناهم الله عز وجل في سورة الفاتحة بقوله *﴿ ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ ﴾﴿ صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ ﴾*

جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال يا رسول الله إنك أحب إلي من نفسي وأحب إلي من أهلي وأحب إلي من ولدي وإني إذا كنت في البيت فذكرتك فلا أصبر حتى آتي فأنظر إليك وإنك قال فتذكرت موتي وموتك فعلمت أنك ستكون في الجنة مع النبيين إذا دخلت الجنة كنت مع النبيين وإذا دخلت الجنة خشية أن لا أراك فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بشيء حتى نزل عليه جبريل بهذه الآية التي سمعتم *﴿ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ ﴾* يعني إذا كنت على طاعة الله ورسوله فستراني وأراك.