" وَلستُ أدري لِمَ كَرَهتَ قُربِي وَهَويتَ بُعدِي وَاسْتَثقَلتَ رُوحِي وَنَفسِي وَاسْتَطَلتَ عُمرِي وَأيَّامَ مُقامي، وَلِمَ سَرَّتك سيِّئتي وَمُصيبَتي وَسَاءَتكَ حَسَنتي وَسَلامَتي، نَعَمْ حتَّى سَاءَك عَزائي وَتَجمُّلي بقدر ما سَرَّكَ جَزَعي وتضجُّري، وَحتَّى تمنَّيتَ أنْ أُخطِئ عَليكَ فَتجعل خَطأي حُجَّةً لكَ فِي إِبْعادِي، وَكَرَهتَ صوابي فِيكَ خَوفاً مِنْ أنْ تَجعلهُ ذَريعةً لكَ إلى تَقرُّبي. فَإِنْ كانَ ذلكَ هُو الَّذي أغضَبكَ وَكانَ هُوَ السبب لِمَوجدتكَ فليسَ- جُعلتُ فِداكَ- هَذا الحقدَ فِي طَبقةِ هَذا الذَّنبِ وَلَا هَذهِ المُطالَبة مِنْ شَكلِ هذهِ الجَريمةِ. وَلَو كانَ إذْ لَمْ يَكُن فِي وَزنهِ وَقعَ قَرِيباً وَإذْ لَمْ يَكُن عِدلَهُ وَقعَ مشبهاً، كانَ أهونُ فِي مَوضِع الضَّررِ وَأسهَلُ فِي مَخرَج السماعِ. فَأيّ شَيءٍ بَقّيت لِلعَدوِّ المُكاشِف وَلِلمًنافِق المُلاطِف َولِلمُعتَمِد المُصِرِّ وَلِلقَادرِ المُدِلِّ؟"
- رِسَالةُ أبو عُثمَان الجَاحِظ إلى الوَزير الزَّيَّات
- رِسَالةُ أبو عُثمَان الجَاحِظ إلى الوَزير الزَّيَّات
Forwarded from الجوهَرُ النَّضيدُ
«والعشقُ مُركب من أمرين: استحسان للمعشوق، وطمع في الوصول إليه، فمتى انتفى أحدهما انتفى العشق، وقد أعيت علة العشق على كثيرٍ من العقلاء.
إنّ كان لا يوجد سبيل لوصول العاشق إلى معشوقهِ قدرًا أو شرعًا، فمن علاجهِ كما يقول أبن القيم: إشعار نفسه اليأس منه فإن النفس متى يئست من الشيء استراحت منه ولم تلتفت إليه.
فإن لم يزل مرض العشق مع اليأس فقد انحرف الطبع انحرافًا شديدًا فينتقل إلى علاجٍ آخر، وهو علاج عقلهِ بأن يعلم بأن تعلق القلب بما لا مطمع في حصولهِ نوع من الجنون، وصاحبه بمنزلةِ من يعشق الشمس، وروحهُ متعلقة بالصعود إليها، والدوران معها في فلكها، وهذا معدود عند جميع العقلاء في زمرةِ المجانين.»
إنّ كان لا يوجد سبيل لوصول العاشق إلى معشوقهِ قدرًا أو شرعًا، فمن علاجهِ كما يقول أبن القيم: إشعار نفسه اليأس منه فإن النفس متى يئست من الشيء استراحت منه ولم تلتفت إليه.
فإن لم يزل مرض العشق مع اليأس فقد انحرف الطبع انحرافًا شديدًا فينتقل إلى علاجٍ آخر، وهو علاج عقلهِ بأن يعلم بأن تعلق القلب بما لا مطمع في حصولهِ نوع من الجنون، وصاحبه بمنزلةِ من يعشق الشمس، وروحهُ متعلقة بالصعود إليها، والدوران معها في فلكها، وهذا معدود عند جميع العقلاء في زمرةِ المجانين.»
" قَدْ كَانتْ فِي قَلبِي مِنْكَ هَفواتٌ غَفَرها الاِقتِدارُ، وَبَقيَتْ حَزَازات أخافُ مِنها عَليكَ: عِندَ نَظري إليكَ، فَإنْ أَتَاكَ ألفُ كتابٍ أَستَقدِمُكَ فِيهِ فَلا تَقدَمُ، وَحَسْبُكَ مَعرِفةً بِمَا أنا مُنْطوٍ لكَ عَليهِ، إطْلاعي إياكَ عَلى مَا فِي ضَميري مِنْكَ.. والسلام"
- رِسَالةُ المُعتَصِم إلى عبدِ الله بِنْ طَاهر| أوَّل الخلافة
- رِسَالةُ المُعتَصِم إلى عبدِ الله بِنْ طَاهر| أوَّل الخلافة
" أَمَّا بَعْدُ، فإنِّي مُذْ فَارَقتُكَ، وَغَابَ عَنِّي شَخصُكَ، وَبَعُدَ مِني قُربُكَ، أَجِدُ مِن نَفسِي مُنازِعًا إِلَيكَ، وَأمَلًا وَاقِفًا عَليْكَ، وَشوقًا مُزْعِجًا إِلَى قُرْبِكَ، والأَخْذِ بِالحظِّ مِنْكَ، وَإِنْ عَدَانِي عَنْ مُشاهَدَتِكَ بِاللِّقاءِ، أَوْ بِكِتابِ، تَقصِيرٌ مَشُوبٌ بِعذْرٍ، وَأنَا أَسأَلُ اَللَّه رَاغِبًا إِلَيهِ أنْ يجْمعَنَا فِي دَوَامٍ مِن نِعْمَتهِ، وظِلّ مِنْ كَرامَتهِ، وَكِفَاية مِن حِراسَتهِ"
- رِسَالةُ إِبْرَاهِيم بِنْ اَلمهْدِي فِي التَّشَوُّق
- رِسَالةُ إِبْرَاهِيم بِنْ اَلمهْدِي فِي التَّشَوُّق
" مَا أَعجَزَ تَعْدَادِي عَمَّا أَتَعرَّفُ مِنْكَ وَأَتَعَرَّفَهُ بِكَ دَانِيًا وَنَائِيًا، وَمَا أَدرِي مَا اِبْتَدَأْتَنِي بِهِ مِنْ مَعرُوفِكَ، أَرَهْنٌ لِشُكرِي؟ أَم مَا ثُنَّيْتَ بِهِ مِنْ بِرِّكَ، لِبَدْئِكَ بِعِنَايَتِكَ عَلَى نَأيكَ؟ أَم مَا أَلْبَسَتْنِي جَمَالَه، عَلَى لِسَانِكَ، بِإِطرَائِكَ وَثَنَائِكَ؟ أَمْ مَا عَقَدْتَهُ لِي عِنْدَ غَيْرِكَ بِتَلَطُّفِكَ وَتَأْتِيكَ؟ غَيْرَ أَنِّي أَعلَمُ أَنَّكَ لَمْ تُقَصِّرْ فِي اِستِحقَاقِ شُكْرٍ عَليَّ، وَأَرجُو أَلَّا أَكُونَ مُقَصِّرًا فِي مَعرِفَةِ ذَلِكَ مِنْكَ، وَمَنْ لَمْ يُقصِّر عِلمُهُ وَلَمْ يُؤَنِّ فِي شُكرِهِ إِلَّا مِنْ عِظَمِ اَلْمَعْرُوفِ عِنْدَهُ مَعَ جُهدِهِ، فَقَدْ دَخَلَ بِالعِلْمِ وَالجُهْدِ فِي اَلشَّاكِرِينَ، غَيْرَ أَنَّ اَلَّذِي آنسْتَنِي بِهِ مِنْ رِفْدكَ وَتَوطِيدِكَ، قَدْ زَادَنِي وَحشَةً إِلَيْكَ، وَإِنَّ حِفْظَ مَنْ حَفِظَنِي فِيكَ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُقَصِّرًا- قَدْ جَدَّدَ لِي اَلْمَعْرِفَةَ بوَثَارَة مَكَانِي عِنْدَكَ، وَلَقَدْ بَلَغَتُ أَنْ أَصلَحَتَ لِي اَلأُمُورَ وَالرِّجَالَ، وَأصلَحْتَنِي إِلَى صَلَاحِي لِنَفْسِكَ، فَلَيسَ كِتَابِي هَذَا بِاسْتِبْطَاءِ لِأَحَدٍ حَتَّى يَسْتَبْطِئهُ، وَلَا شُكرِي حَتَّى يَكُون اَلبَدءُ مِنْكَ، وَلَكِنْ رَوَّحْتُ عَنْ نَفْسِي بِذِكرِكَ، وَزِيَّنْتُهَا بِشُكْرِكَ، وَزَكَّيْتُهَا بِالإِقرَارِ بِفَضْلِكَ.."
- رِسَالةُ اِبْن طَيفُور فِي الشُّكْرِ
- رِسَالةُ اِبْن طَيفُور فِي الشُّكْرِ
" وَلَسْتُ- أُعزَّك اللهُ- وَاحِدًا مِنْ عَدَدٍ تُحَصِّلهُم وتُقَدِّمهُم، فَتُوَسِّعَ عَلَى نَفسِكَ فِي أَمرِي، أنَا وَاَللهِ وَاحِدُكَ، بِالأسْبابِ اَلتِي تَجتَمِع لِي فِيكَ وَبِكَ، ولَا تَجتَمِع فِي غَيرِي، مِن أخٍ ولَا وَلَدٍ ولَا صَاحِب، وَقَدْ كُنْتَ تَدَّخِرُني- أَعزَّكَ اَلله- لِطاعَتِكَ وَالوَفاءِ لَكَ، فَقد وَاَللهِ فَعلتُ غَيْرَ مُمتنٍّ بِذَلكَ، وَقَدْ كُنْتُ أَرجُو أَلَّا أُضَامَ فِي جِيرَتِكَ وَمعَكَ، فلَا تَخذُلنِي، فَإنِّي فِي حَالَةٍ إِنْ أُخْليتَني فِيهَا مِن نُصْرتِكَ، لَم يَرجِع عَليَّ مِن ذَلِكَ مِقدَارٌ فِي نِعْمَتي وَنفسِي، إِلَّا رَجَعَ عَليْكَ أَكثَرُ مِنْهِ فِي نِعْمَتكَ، وَقَدْرِكَ، وَالسَّلام"
- رِسَالةُ إِبْراهيم بِنْ العبَّاس إِلى عُمَر بِن فَرَج
- رِسَالةُ إِبْراهيم بِنْ العبَّاس إِلى عُمَر بِن فَرَج
مَا السَّبَب الَّذِي لِأجْلهِ يَلتَذُّ المُحِبُّ بِحُبِّهِ، وَإِنْ لَم يَظفَر بِحُبِّه؟
قِيلَ: اَلحُبُّ يُوجِبُ حَركَة النَّفْسِ، وَشدَّة طَلَبِهَا، وَالنَّفْسُ خُلِقَت مُتَحرِّكَة بِالطَّبْعِ، كَحركَة النَّارِ، فِالحبُّ حَرَكتُهَا الطَّبيعيَّة، فَكُلُّ مَنْ أحبَّ شيْئًا مِن الأشْياءِ؛ وَجدَ فِي حُبِّهِ لَذَّةً وَرُوحًا، فَإذَا خَلَا عَن اَلحُبِّ مُطْلَقًا تَعطَّلَت النَّفْسُ عَن حَركتِها، وَثَقُلت، وَكَسِلَت، وَفارقهَا خِفَّةُ النَّشَاطِ. وَلِهذَا تَجِد الكُسَالى أَكثَر النَّاسِ هَمًّا، وَغَمًّا، وحُزنًا، لَيْسَ لَهُم فَرَحٌ، وَلَا سُرُورٌ، بِخِلاف أَربَاب النَّشَاطِ، وَالجِدِّ فِي العَملِ أيِّ عَمَلٍ كَانَ، فَإِن كَانَ النَّشَاطُ فِي عَملٍ هُم عَالِمونَ بِحُسْنِ عَواقِبهِ، وَحَلاوَة غَايَتِهِ؛ كَانَ اِلتذاذُهم بِحُبِّهِ، وَنَشاطُهم فِيهِ أَقوَى.
- رِسَالة فِي أنَّ اللَّذَّة تَابِعةٌ لِلْمحَبَّةِ فِي الكمَالِ والنُّقْصان| اِبن قَيِّم الجَوْزيَّة
قِيلَ: اَلحُبُّ يُوجِبُ حَركَة النَّفْسِ، وَشدَّة طَلَبِهَا، وَالنَّفْسُ خُلِقَت مُتَحرِّكَة بِالطَّبْعِ، كَحركَة النَّارِ، فِالحبُّ حَرَكتُهَا الطَّبيعيَّة، فَكُلُّ مَنْ أحبَّ شيْئًا مِن الأشْياءِ؛ وَجدَ فِي حُبِّهِ لَذَّةً وَرُوحًا، فَإذَا خَلَا عَن اَلحُبِّ مُطْلَقًا تَعطَّلَت النَّفْسُ عَن حَركتِها، وَثَقُلت، وَكَسِلَت، وَفارقهَا خِفَّةُ النَّشَاطِ. وَلِهذَا تَجِد الكُسَالى أَكثَر النَّاسِ هَمًّا، وَغَمًّا، وحُزنًا، لَيْسَ لَهُم فَرَحٌ، وَلَا سُرُورٌ، بِخِلاف أَربَاب النَّشَاطِ، وَالجِدِّ فِي العَملِ أيِّ عَمَلٍ كَانَ، فَإِن كَانَ النَّشَاطُ فِي عَملٍ هُم عَالِمونَ بِحُسْنِ عَواقِبهِ، وَحَلاوَة غَايَتِهِ؛ كَانَ اِلتذاذُهم بِحُبِّهِ، وَنَشاطُهم فِيهِ أَقوَى.
- رِسَالة فِي أنَّ اللَّذَّة تَابِعةٌ لِلْمحَبَّةِ فِي الكمَالِ والنُّقْصان| اِبن قَيِّم الجَوْزيَّة
" يَكُونُ عِنْدَ فَقْدِ اَلصَّبْرِ بِمَا تَنطَوِي عَلَيهِ اَلضُّلُوعُ، فَالمُحِبُّ عِنْدَمَا يَفقِدُ كُلّ مَا كَانَ يَشهَدُهُ مِنْ صُوَرِ اَلتَّجَلِّي اَلْجَمَالِيِّ يَسكُبُ اَلدَّمعَ وَيَشكُو حُرقَةَ اَلشَّوقِ اَلَّذِي بِفُؤَادِهِ مِمَّا حَلَّ بِهِ فَلَا يَقدِرُ عَلَى اَلكِتْمَانِ وَالصَّبْرِ، وَيظهَرُ فِيهِ سُلطَان اَلْوَجدِ وَالإِفشَاءِ وَالإِعلَانِ فَتَأْبَى اَلدَّمعُ بِانْسِكَابِهَا إِلَّا اَلإِفشَاء وَالْبَوْح، فَإِنَّ اَلْوَجدَ أَمْلكُ، هُوَ أَبلَغُ فِي اَلمَحَبَّةِ مِنَ اَلكِتْمَانِ، فَإِنَّ صَاحِبَ اَلْكِتمَانِ لَهُ سُلطَانٌ عَلَى اَلْحُبِّ، اَلْبَائِح يَغلِبُ عَلَيهِ سُلطَان اَلحُبِّ، فَهُوَ أَعْشَقُ"
- رِسَالةٌ فِي البوح والإفشاء والإعلان لِلكبريتِ الأحمَر اِبْنُ عَرَبِي
- رِسَالةٌ فِي البوح والإفشاء والإعلان لِلكبريتِ الأحمَر اِبْنُ عَرَبِي
"ثم اعلم أنَّ الذي وُجِد في العِبرة وجَرَت عليه التجربة، واتَّسَق بهِ النظم، وقام عليه وزن الحُكم، واطَّرَد منه النَّسَق، وأثبتهُ الفحص، وشَهِدت له العقول، أنَّ من أَوَّل أسباب الخُلطة والدواعي إلى المحبَّة ما يُوجَد على بعض الناس من القبول عند أَوَّلِ وهلة، وقِلةِ انقباضِ النفوس مع أول المخالطة، ثم اتفاق الأسباب التي تقع بالموافقة عند أول المجالسة، وتَلاقِي النفوس بالمُشاكَلة عند أولِ المُخالَطة."
- أَبُو عُثْمَانَ الجَاحِظِ، مِن رَسائلهِ الخاصة.
- أَبُو عُثْمَانَ الجَاحِظِ، مِن رَسائلهِ الخاصة.
في الفِراق يقول الجاحِظ:
«ما ضاءَ لي نهارٌ، ولا دجا لي ليلٌ مذ فارقتُك، إلا وجدتُ الشّوقَ إليك قد حزَّ في كبِدي، والأسَفَ عليكَ قد أُسقِطَ في يدي، والنِّزاعُ نحوكَ قد خان جلَدي، فأنا بين حَشًا خافقةٍ ودمعةٍ مُهراقة، ونَفسٍ قد ذبُلت بما تُجاهِد، وجوانِحَ قد أُبلِيَت بما تُكابِد.»
«ما ضاءَ لي نهارٌ، ولا دجا لي ليلٌ مذ فارقتُك، إلا وجدتُ الشّوقَ إليك قد حزَّ في كبِدي، والأسَفَ عليكَ قد أُسقِطَ في يدي، والنِّزاعُ نحوكَ قد خان جلَدي، فأنا بين حَشًا خافقةٍ ودمعةٍ مُهراقة، ونَفسٍ قد ذبُلت بما تُجاهِد، وجوانِحَ قد أُبلِيَت بما تُكابِد.»
أوردُ لكم ما وُعِظَ بهِ مالكُ الأشترِ عندما وُلِّيَّ على مِصرْ:
"فَلْيَكُنْ أَحَبَّ الذَّخَائِرِ إِلَيْكَ ذَخِيرَةُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ، فَامْلِكْ هَوَاكَ، وَشُحَّ بِنَفْسِكَ عَمَّا لا يَحِـلُّ لَكَ، فَـإِنَّ الشُّحَّ بِالنَّفْسِ الإِنْصَافُ مِنْهَـا فِيَما أَحَبَّتْ وَكَرِهَتْ.
اِمْلِكْ حَمِيَّةَ أَنْفِكَ، وَسَوْرَةَ حَدِّكَ، وَسَطْوَةَ يَدِكَ، وَغَرْبَ لِسَانِكَ، وَاحْتَرِسْ مِنْ كُلِّ ذلِكَ بِكَفِّ الْبَادِرَةِ، وَتَأْخِيرِ السَّطْوَةِ، حَتَّى يَسْكُنَ غَضَبُكَ فَتَمْلِكَ الِاخْتِيَارَ، وَلَنْ تَحْكُمَ ذلِكَ مِنْ نَفْسِكَ حَتَّى تُكْثِرَ هُمُومَكَ.."
"فَلْيَكُنْ أَحَبَّ الذَّخَائِرِ إِلَيْكَ ذَخِيرَةُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ، فَامْلِكْ هَوَاكَ، وَشُحَّ بِنَفْسِكَ عَمَّا لا يَحِـلُّ لَكَ، فَـإِنَّ الشُّحَّ بِالنَّفْسِ الإِنْصَافُ مِنْهَـا فِيَما أَحَبَّتْ وَكَرِهَتْ.
اِمْلِكْ حَمِيَّةَ أَنْفِكَ، وَسَوْرَةَ حَدِّكَ، وَسَطْوَةَ يَدِكَ، وَغَرْبَ لِسَانِكَ، وَاحْتَرِسْ مِنْ كُلِّ ذلِكَ بِكَفِّ الْبَادِرَةِ، وَتَأْخِيرِ السَّطْوَةِ، حَتَّى يَسْكُنَ غَضَبُكَ فَتَمْلِكَ الِاخْتِيَارَ، وَلَنْ تَحْكُمَ ذلِكَ مِنْ نَفْسِكَ حَتَّى تُكْثِرَ هُمُومَكَ.."
«كنتُ أعرفُه معرفةَ الرأي كأنَّه في عقلي، ومعرفةَ القلبِ كأنَّه في دمِي.»
-الرّافعي يَصفُ أحد أصدقائه.
-الرّافعي يَصفُ أحد أصدقائه.
يقول أبن داود الأصبهاني وهو مصنفُ كتاب «الزهرة» في الآداب والشعر: والهجرُ الذي يتولدُ عَنْ الثقةِ بالوداد خيرٌ من الوصال الذي يقعُ من غير اعتماد. والهجر عندهُ على أربعةِ أضرب: هجرٌ ملال وهجر دلال وهجر مكافأة على الذنوب وهجر يوجبهُ البغض المتمكن في القلوب، فأما هجر الدلال فهو ألذ من كثيرِ الوصال وأما هجر الملال فيبطلهُ مر الأيام والليال إما بنأي الدار وإما بطولِ الاهتجار.
أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي قَد تَصَفَّحْتُ أَخْلَاقَكَ، وَتَدَبَّرْتُ أَعْرَاقَكَ، وَتَأَمَّلْتُ شِيمَكَ، وَوَزَنْتُكَ فَعَرَفْتُ مِقْدَارَكَ، وَقَوَّمْتُكَ فَعَلِمْتُ قِيمَتَكَ، فَوَجَدْتُكَ قَد نَاهَزْتَ الْكَمالَ، وَأَوْفَيْتَ عَلَى التَّمامِ، وَتَوَقَّلْتَ فِي دَرَجِ الْفَضَائِلِ، وَكَدْتَ تَكُونُ مُنْقَطِعَ الْقَرِينِ، وَقَارَبْتَ أَنْ تُلْفَى عَدِيمَ النَّظِيرِ، لا يَطْمَعُ فَاضِلٌ أَنْ يَفُوتَكَ، وَلا يَأْنَفُ شَرِيفٌ أَنْ يَقْصُرَ دُونَكَ، وَلا يَخْشَعُ عَالِمٌ أَنْ يَأْخُذَ عَنْكَ. وَوَجَدْتُكَ فِي خِلَالِ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ تَضْيِيعٍ وَإِهْمَالٍ لِأَمْرَيْنِ هُمَا الْقُطْبُ الَّذِي عَلَيْهِ مِدَارُ الْفَضَائِلِ، فَكُنْتَ أَحَقَّ بِالْعَذْلِ، وَأَقْمَنْ بِالتَّأْنِيبِ مِمَّن لَمْ يَسْبِقْ شَأْوَكَ، وَلَمْ يَتَسَنَّمْ رُتْبَتَكَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَلُومًا عَلَى تَضْيِيعِ الْقَلِيلِ مِمَّا أَضَاعَ الْكَثِيرَ، وَلَا يُسَامُ إِصْلَاحُ يَوْمِهِ وَتَقْوِيمُ سَاعَتِهِ مِمَّنِ اسْتَحْوَذَ الْفَسَادُ عَلَى دَهْرِهِ، وَلَا يُحَاسَبُ عَلَى الزَّلَّةِ الْوَاحِدَةِ مِمَّنْ لَا يَعْدِمُ مِنْهُ الزَّلَلَ وَالْعِثَارَ، وَلَا يُنْكَرُ الْمُنْكَرُ عَلَى مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرُوفِ؛ لِأَنَّ الْمُنْكَرَ إِذَا كَثُرَ صَارَ مَعْرُوفًا، وَإِذَا صَارَ مَعْرُوفًا صَارَ الْمُنْكَرُ الْمَعْرُوفُ مُنْكَرًا.
— الرسالة الثالثة كِتَاب كِتْمَانِ السِّرِّ وَحِفْظِ اللِّسَانِ، الجاحظ.
— الرسالة الثالثة كِتَاب كِتْمَانِ السِّرِّ وَحِفْظِ اللِّسَانِ، الجاحظ.
وَقَدْ بَلَغَنِي عَنْكَ فِي وِفَائِكَ وَفَضْلِكَ مَا حَرَّكَنِي لِوُدِّكَ، وَرَغَّبَنِي فِي خُلَّتِكَ، وَدَعَانِي إِلَى طَلَبِ وَصْلِكَ، فَأَجَبْتُ دُعَاءَكَ إِلَى الصِّلَةِ وَالْمُلَاطَفَةِ بِمَا أَحْسَسْتُ لَكَ مِنَ الثِّقَةِ، وَحَدَثَ لِي فِيكَ مِنَ الرَّغْبَةِ، فَاقْبَلْ مَا بَذَلْنَا مِنْ وُدِّنَا وَأَحْسِنِ الْإِجَابَةَ إِلَى مَا دَعَوْنَاكَ إِلَيْهِ مِنْ إِخَائِنَا، وَاتَّبِعْنَا بِإِحْسَانٍ إِذْ كَانَ الْابْتِدَاءُ مِنَّا، فَإِنَّ الْمُجِيبَ إِلَى الْجَمِيلِ شَرِيكُ الرَّاغِبِ فِيهِ، وَإِنَّ الْمُكَافِئَ بِهِ شَكْلٌ لِمُسْدِيهِ، وَلَا تُكْرِهَنَّ أَنْ تَكُونَ لَنَا إِذْ دَعَوْنَاكَ مُجِيبًا، وَإِذْ سَبَقْنَاكَ بِالْفَضِيلَةِ تَابِعًا، فَإِنَّا قَدْ أَحْسَنَّا إِجَابَةَ فَضْلِكَ، وَسَلَّسْنَا فِي اتِّبَاعِ مَا قَادَنَا إِلَيْكَ مِنْ مَحَاسِنِكَ، وَاعْلَمْ أَنَّكَ لَوْ كُنْتَ سَبَقْتَنَا إِلَى الصِّلَةِ، وَتَقَدَّمْتَنَا بِالرَّغْبَةِ، وَطَلَبْتَ فَضْلَنَا عَلَيْكَ بِالْمَوَدَّةِ، كُنْتَ لِذَلِكَ فِي الْفَضْلِ أَهْلًا، وَبِهِ جَدِيرًا، لِأَنَّ مِثْلَكَ فِي فَضْلِكَ عَطَّفَ عَلَى نَفْسِهِ، وَمِثْلَنَا رَغِبَ فِي صِلَتِهِ، فَقَدْ أَهْدَيْنَا إِلَيْكَ صَفْوَ وُدِّنَا، وَكَفَيْنَاكَ مَا كُنْتَ بِهِ جَدِيرًا مِنْ طَلَبِنَا وَدُعَائِنَا، فَأَحْسِنْ قَبُولَ هَدِيَّتِنَا، وَبَذْلَ الْحَقِّ فِي مُكَافَأَتِنَا، وَلَا يُفُوتَنَّكَ السَّبْقُ وَحُسْنُ الِاتِّبَاعِ مَعًا، وَالسَّلَامُ.
ـ جَرِيرُ بْنُ يَزِيدَ الْبَجَلِيّ
ـ جَرِيرُ بْنُ يَزِيدَ الْبَجَلِيّ
لما حضرت الحُطَيئةَ الوفاةُ اجتمع قومه إليه، فقالوا: «يا أبا مليكة، أَوْصِ.»
فقال: «ويلٌ للشِّعر من رواية السوء.»
قالوا: «أوصِ رحمك الله.»
قال: «مَن الذي يقول:
إذا انبضَ الرامونَ عنها ترنَّمتْ
ترنُّمَ ثُكلى أوجعتها الجنائزُ؟»
قالوا: الشماخ.
قال: «فأبلِغوا غطفانَ أنه أشعرُ العرب.»
قالوا: «ويحك، أهذه وصيّة؟ أوصِ بما ينفعك!»
قال: «أبلِغوا أهلَ ضابىء أنه شاعر، حيث يقول:
لكلِّ جديدٍ لذّةٌ، غير أنّني
رأيتُ جديدَ الموتِ غيرَ لذيذِ.»
قالوا: «أوصِ ويحك بما ينفعك!»
فقال: «أبلغوا أهلَ امرئ القيس أنه أشعرُ العرب، حيث يقول:
فيا لكِ من ليلٍ كأن نجومَهُ
بكلِّ مغارِ الفتلِ شُدّتْ بيذبلِ.»
قالوا: «اتَّقِ الله، ودعْ عنك هذا!»
قال: «أبلغوا النصارى أنّ صاحبَهم أشعرُ العرب، حيث يقول:
يغشَونَ حتى ما تَهِرُّ كلابُهم
لا يسألونَ عن السوادِ المقبلِ.»
قالوا: «هذا لا يُغني عنك شيئًا، فقل غيرَ ما أنت فيه.»
فقال:
«قد كنتُ أحيانًا شديدَ المُعتَمَدِ،
وكنتُ ذا غِربٍ على الخصمِ ألدّ،
فَوَرَّدتُ نفسي وما كادتْ تَرِدْ.»
قالوا: «يا أبا مليكة، ألك حاجة؟»
قال: «لا والله؛ ولكنّي أجزعُ على المديح الجيّدِ يُمدَحُ به من ليس له أهلًا.»
قالوا: «قل: لا إله إلا الله.»
فقال:
«قالتْ، وما فيها حَيْدةٌ وذُعرٌ،
عُوذٌ بربّي منكمُ وحَجْرُ.»
قالوا: «ما تقول في عبيدك وإمائك؟»
قال: «هم عبيدٌ قِنٌّ ما عاقبَ الليلُ النهارَ.»
قالوا: «فما تقول في مالك؟»
قال: «للأنثى من ولدي مثلُ حظِّ الذكر.»
قالوا: «ليس هكذا قضى الله لهنّ.»
قال: «لكنّني هكذا قضيتُ…»
فقال: «ويلٌ للشِّعر من رواية السوء.»
قالوا: «أوصِ رحمك الله.»
قال: «مَن الذي يقول:
إذا انبضَ الرامونَ عنها ترنَّمتْ
ترنُّمَ ثُكلى أوجعتها الجنائزُ؟»
قالوا: الشماخ.
قال: «فأبلِغوا غطفانَ أنه أشعرُ العرب.»
قالوا: «ويحك، أهذه وصيّة؟ أوصِ بما ينفعك!»
قال: «أبلِغوا أهلَ ضابىء أنه شاعر، حيث يقول:
لكلِّ جديدٍ لذّةٌ، غير أنّني
رأيتُ جديدَ الموتِ غيرَ لذيذِ.»
قالوا: «أوصِ ويحك بما ينفعك!»
فقال: «أبلغوا أهلَ امرئ القيس أنه أشعرُ العرب، حيث يقول:
فيا لكِ من ليلٍ كأن نجومَهُ
بكلِّ مغارِ الفتلِ شُدّتْ بيذبلِ.»
قالوا: «اتَّقِ الله، ودعْ عنك هذا!»
قال: «أبلغوا النصارى أنّ صاحبَهم أشعرُ العرب، حيث يقول:
يغشَونَ حتى ما تَهِرُّ كلابُهم
لا يسألونَ عن السوادِ المقبلِ.»
قالوا: «هذا لا يُغني عنك شيئًا، فقل غيرَ ما أنت فيه.»
فقال:
«قد كنتُ أحيانًا شديدَ المُعتَمَدِ،
وكنتُ ذا غِربٍ على الخصمِ ألدّ،
فَوَرَّدتُ نفسي وما كادتْ تَرِدْ.»
قالوا: «يا أبا مليكة، ألك حاجة؟»
قال: «لا والله؛ ولكنّي أجزعُ على المديح الجيّدِ يُمدَحُ به من ليس له أهلًا.»
قالوا: «قل: لا إله إلا الله.»
فقال:
«قالتْ، وما فيها حَيْدةٌ وذُعرٌ،
عُوذٌ بربّي منكمُ وحَجْرُ.»
قالوا: «ما تقول في عبيدك وإمائك؟»
قال: «هم عبيدٌ قِنٌّ ما عاقبَ الليلُ النهارَ.»
قالوا: «فما تقول في مالك؟»
قال: «للأنثى من ولدي مثلُ حظِّ الذكر.»
قالوا: «ليس هكذا قضى الله لهنّ.»
قال: «لكنّني هكذا قضيتُ…»
وما طاب لي عَيشٌ بعدها، ولا نسيتُ ذكرها، ولا أنستُ بسواها، ولقد عَفَّى حُبّي لها على كُل ما كان قبله، وحرَّم ما كان بعده!
- أبن حزم راثيًا محبوبته.
- أبن حزم راثيًا محبوبته.
«ولا يزال الرجل رفيعًا في نفسه؛ حتى يتسقّط أخبار النساء ويخوض في شأنهن فيَسْفَل.»
- أبي الفرج الأصفهاني
- أبي الفرج الأصفهاني
«والغِلُّ نَتِيجُ الحَسَدِ، وَهُوَ رَضِيعُهُ، وَغُصْنٌ مِنْ أَغْصَانِهِ، وَعَوْنٌ مِنْ أَعْوَانِهِ، وَشُعْبَةٌ مِنْ شُعَبِهِ، وَفِعْلٌ مِنْ أَفْعَالِهِ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ فَرْعٌ إِلَّا لَهُ أَصْلٌ، وَلَا مَوْلُودٌ إِلَّا لَهُ مُولِدٌ، وَلَا نَبَاتٌ إِلَّا مِنْ أَرْضٍ، وَلَا رَضِيعٌ إِلَّا مِنْ مُرْضِعٍ، وَإِنْ تَغَيَّرَ اسْمُهُ؛ فَإِنَّهُ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ، وَنَبْتٌ مِنْ نَبَاتِهِ، وَنَعْتٌ مِنْ نُعُوتِهِ..»
- مِن رسائل الجاحظ
- مِن رسائل الجاحظ
تَأْتِيهِ كَأَنَّهَا صُنِعَتْ لَهُ وَحْدَهُ، وَتَجْعَلُ لَهُ فِي الزَّمَانِ زَمَنًا قَلْبِيًّا يَحْصُرُ وُجُودَهُ فِي وُجُودِهَا.
- الرَّافِعِيُّ
- الرَّافِعِيُّ