قناة عبدالرحمن السديس
24K subscribers
878 photos
231 videos
34 files
145 links
قناة علمية.
عبدالرحمن بن صالح السديس
الرياض.
‏تويتر https://x.com/assdais?t=bamsawh__YRgDV1YxYVNdQ&s=35
يوتيوب
https://youtube.com/@assdais?si=crAripvh6ZLH8bnv
Download Telegram
من عجيب أخبار سرعة ختم القرآن!

قال ابن الدبيثي: «علي بن أبي الأزهر المقرئ، أبو الحسن، يُعرف بابن البُتتي..

كان حافظا للقرآن المجيدَ حَسَن القراءة له، سريع التلاوة، ذكر لي أنه سَمعَ شيئًا من الحديث.

وكان بالقراءة أكثر اشتغالاً، وله في كثرة القراءة طبقة لم يُدركها بعده أحد، وذلك أنَّه قرأ على شَيْخنا أبي شُجاع ابن المقرون في يومٍ واحدٍ -من طلوع الشَّمْس إلى غُروبها- القرآن الكريم ثلاث مَرَّات، وقرأ في المَرَّة الرابعة إلى آخر سورة الطُّور!
وذلك يوم الخميس ثامن رجب سنة ثمان وخمسين وخمس مئة بمَشْهَدِ من جماعة من القُرَّاء وغيرهم.
ولم يُخْفِ شيئًا من قراءته ولا فَتَرَ، وما سَمِعْنا أنَّ أحدًا قبله بلغَ هذه الغاية
».

«ذيل تاريخ مدينة السلام» ٥٧٣/٤.
من خبايا الزوايا

شجاعة النبي ﷺ والصديق رضي الله عنه

قال ابن تيمية: «قال الرافضي: الرابع: أنه كان أشجع الناس.. [يعني عليا]

والجواب: أنه لا ريب أن عليا -رضي الله عنه- كان من شجعان الصحابة، وممن نصر الله الإسلام بجهاده، ومن كبار السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، ومن سادات من آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله، وممن قتل بسيفه عددا من الكفار.

لكن لم يكن هذا من خصائصه، بل غير واحد من الصحابة شاركه في ذلك، فلا يثبت بهذا فضله في الجهاد على كثير من الصحابة، فضلا عن أفضليته على الخلفاء، فضلا عن تعيين للإمامة.

وأما قوله: «إنه كان أشجع الناس»؛
فهذا كذب، بل كان أشجع الناس رسول الله ﷺ، كما في الصحيحين عن أنس قال: «كان النبي ﷺ أحسن الناس، وكان أجود الناس، وكان أشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق ناس قبل الصوت، فتلقاهم النبي ﷺ راجعا وقد سبقهم إلى الصوت، وهو على فرس لأبي طلحة عري، في عنقه السيف، وهو يقول: «لن تراعوا».
قال البخاري: استقبلهم وقد استبرأ الخبر».

وفي المسند عن علي رضي الله عنه قال: «كان إذا اشتد البأس اتقينا برسول الله ﷺ، فهو كان أقرب إلى العدو منا».

والشجاعة تفسر بشيئين:
أحدهما: قوة القلب وثباته عند المخاوف. والثاني: شدة القتال بالبدن، بأن يقتل كثيرا، ويقتل قتلا عظيما.
والأول: هو الشجاعة، وأما الثاني فيدل على قوة البدن وعمله.
وليس كل من كان قوي البدن كان قوي القلب، ولا بالعكس.

ولهذا تجد الرجل الذي يقتل كثيرا ويقاتل إذا كان معه من يؤمنه؛ إذا خاف أصابه الجبن، وانخلع قلبه.
وتجد الرجل الثابت القلب، الذي لم يقتل بيديه كثيرا، ثابتا في المخاوف، مقداما على المكاره.
وهذه الخصلة يحتاج إليها في أمراء الحروب وقواده ومقدميه أكثر من الأولى؛ فإن المقدم إذا كان شجاع القلب ثابتا، أقدم وثبت ولم ينهزم؛ فقاتل معه أعوانه.
وإذا كان جبانا ضعيف القلب؛ ذل ولم يقدم ولم يثبت، ولو كان قوي البدن.


والنبي ﷺ كان أكمل الناس في هذه الشجاعة، التي هي المقصودة في أئمة الحرب، ولم يقتل بيده إلا أبي بن خلف؛ قتله يوم أحد، ولم يقتل بيده أحدا لا قبلها ولا بعدها.
وكان أشجع من جميع الصحابة، حتى إن جمهور أصحابه انهزموا يوم حنين، وهو راكب على بغلة، والبغلة لا تكر ولا تفر، وهو يقدم عليها إلى ناحية العدو، وهو يقول:
«أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب»
فيسمي نفسه، وأصحابه قد انكفوا عنه، وعدوه مقدم عليه، وهو مقدم على عدوه على بغلته، والعباس آخذ بعنانها وكان علي وغيره يتقون برسول الله ﷺ؛ لأنه أشجع منهم، وإن كان أحدهم قد قتل بيده أكثر مما قتل النبي ﷺ.
وإذا كانت الشجاعة المطلوبة من الأئمة شجاعة القلب؛ فلا ريب أن أبا بكر كان أشجع من عمر، وعمر أشجع من عثمان وعلي وطلحة والزبير، وهذا يعرفه من يعرف سيرهم وأخبارهم.

فإن أبا بكر رضي الله عنه باشر الأهوال التي كان يباشرها النبي ﷺ من أول الإسلام إلى آخره، ولم يجبن ولم يحرج ولم يفشل، وكان يقدم على المخاوف: يقي النبي ﷺ بنفسه، يجاهد المشركين تارة بيده  وتارة بلسانه وتارة بماله، وهو في ذلك كله مقدم..».

«منهاج السنة» ٧٥/٨-٧٩، واستمر الحديث إلى٨٩، راجعه؛ فإنه فاخر جدا.
Media is too big
VIEW IN TELEGRAM
‏هل تبطل صلاة المصلي إذا انحنى لأخذ منديل؟
قناة عبدالرحمن السديس
معنى الجَد

في الصحيح أن النبي ﷺ كان يقول بعد الركوع وبعد الصلاة:
«اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجَد منك الجَد».

قال أبو عبيد: «قوله: الجد -بفتح الجيم- لا غير، وهو: الغنى والحظ في الرزق.
ومنه قيل: لفلانٍ في هذا الأمر جَد: إذا كان مرزوقا منه.
فتأويل قوله: لا ينفع ذا الجد منك الجد: أي: لا ينفع ذا الغنى منك غناه، إنما ينفعه العمل بطاعتك.
قال أبو عمر ابن عبدالبر: «وقد روي هذا الحديث بكسر الجيم، وقد كان عبد الملك بن حَبِيب
يقول: لا يجوز فيه إلا الكسرُ،
وهو الاجتهاد.
قال: والمعنى فيه: أنه لا ينفع أحدًا في طلب الرزق اجتهاده، وإِنَّما له ما قَسَمَ الله له منه، وليس الرزق على قدر الاجتهاد، ولكن الله يُعطي مَن يشاء ويمنع، لا إله إِلا هو الحليم الكريم.
قال أبو عمر: هذا أيضًا وجهٌ حَسَنٌ مُحتمل غيرُ مَدْفُوع، والله أعلم بما أرادَ رسول الله بقوله ذلك».
«الاستذكار» ٢٤٩/١٤.

وقال أبو عبيد: «وقد زعم بعض الناس أنه إنما هو: «ولا ينفع ذا الجد منك الجد» -بكسر الجيم-.
والجد إنما هو الاجتهاد في العمل
.
وهذا والتأويل خلاف ما دعا الله عز وجل إليه المؤمنين، ووصفهم به، لأنه قال في كتابه: ﴿يا أيها الرسل كلوا من الطيبات، واعملوا صالحا﴾ فقد أمرهم بالجد والعمل الصالح.
وقال: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا﴾. وقال سبحانه: ﴿قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾. إلى آخر الآيات.
وقال سبحانه: {جزاء بما كانوا يعملون} في آيات كثيرة.
فكيف يحثهم على العمل، وينعتهم به، ويحمدهم عليه، ثم يقول: إنه لا ينفعهم؟!».
«غريب الحديث» ٣٢٥/١.

فإن كان أبو عبيد يعني ابن حبيب بهذا الرد، فما ذكر لا يرد على كلامه.
قال ابن قتيبة: «سألت عن قوله: «لا يزال الناس بخير ما أخذوا  العلم عن أكابرهم»؟

❁ يريد لا يزال الناس بخير ما كان علماؤهم المشايخ، ولم يكن علماؤهم الأحداث؛ لأن الشيخ قد زالت عنه ميعة الشباب، وحدَّه، وعجلته، وسفهه، واستصحب التجربة، والخبرة، فلا تدخل عليه في علمه الشبهة، ولا يغلب عليه الهوى، ولا يميل به الطمع، ولا يستزله الشيطان استزلال الحدث.
ومع السن: الوقار، والجلالة، والهيبة.
والحدث قد تدخل عليه هذه الأمور التي أُمنت على الشيخ، فإذا دخلت عليه وأفتى؛ هلك وأهلك».

«المسائل والأجوبة» (١٥) ص٥٩.
Forwarded from ثلاثون ثانية
Media is too big
VIEW IN TELEGRAM
حرر ما تسمع | الشيخ: عبدالرحمن بن صالح السديس
قال ابن قتيبة: «سألتَ عن قول النبي ﷺ للمستحاضة: «خذي فِرْصَةً مُمَسَّكَةً».
وقلتَ: إن بعض الفقهاء يذهب إلى أنها المطيبة بالمسك، وبعضهم يذهب إلى أنها المأخوذة من مسك شاة، وهو الجلد؟

❁ ولا أرى هذين التفسيرين صحيحين، ومَن كان منهم يستطيع أن يمتهن المسك هذا الامتهان حتى يمسح به دم الحيض؟!
ولا نعلم في الصوف لتتبع الدم معنى يخصه دون القطن، والخرق.

والذي عندي في ذلك -والله أعلم- أن الناس يقولون للحائض: احتملي معك كذا؛ يريد:  عالجي به قبلك، واحتشي به، وأمسكي معك كذا، يكنون به، فيكون ذلك أحسن من الإفصاح.
فقوله: «خذي معك فرصة»؛ أي: قطعة من قطن، أو صوف، أو خرقة.
وقوله: «ممسكة»: أي محتملة، يريد: تحتملينها معك تمسح القبل.

والعرب تقول: مسكت كتابي، بمعنى: أمسكت، وتمسّكت، وقال الله عز وجل: ﴿والذين يمسكون بالكتاب﴾، والكتاب على هذا ممسك».

«المسائل والأجوبة» (١٨) ص٦٣.

الحديث في الصحيحين عن عائشة: «أن امرأة من الأنصار قالت للنبي ﷺ: كيف أغتسل من المحيض؟
قال: خذي فرصة ممسكة، فتوضئي ثلاثا، ثم إن النبي ﷺ استحيا، فأعرض بوجهه، أو قال: توضئي بها. فأخذتها فجذبتها، فأخبرتها بما يريد النبي ﷺ».
وفي لفظ لهما: «فرصة مَِسك».

وقد يكون ذكر الصوف من باب التمثيل، أو كان هو الأكثر استعمالا؛ فذكر لذلك. والله أعلم.
الموقف من الكلام المتناقض للعالم!


قال ابن جني -رحمه الله- وأجاد وأفاد:

«‌‌باب في اللفظين على المعنى الواحد يردان عن العالم متضادين

وذلك عندنا على أوجه:

❍ أحدها: أن يكون أحدهما ‌مرسلا والآخر معللا. فإذا اتفق ذلك؛ كان المذهب الأخذ بالمعلل، ووجب مع ذلك أن يتأول المرسل..

❍ ومن ذلك: أن يرد اللفظان عن العالم متضادين على غير هذا الوجه، وهو: أن يحكم في شيء بحكم ما، ثم يحكم فيه نفسه بضده، غير أنه لم يعلل أحد القولين؛ فينبغي حينئذ أن يُنظر إلى الأليق بالمذهب، والأجرى على قوانينه؛ فيجعل هو المراد المعتزم منهما، ويتأول الآخر إن أمكن..

❍ ومن ذلك: أن يرد اللفظان عن العالم متضادين، غير أنه قد نص في أحدهما على الرجوع عن القول الآخر؛ فيعلم بذلك أن رأيه مستقر على ما أثبته ولم ينفه، وأن القول الآخر مطّرح من رأيه.

❍ فإن تعارض القولان مرسلين غير مبان أحدهما من صاحبه بقاطع يحكم عليه به؛ بُحث عن تاريخهما، فعلم أن الثاني هو ما اعتزمه، وأن قوله به انصراف منه عن القول الأول؛ إذ لم يوجد في أحدهما ما يماز به عن صاحبه.

❍ فإن استبهم الأمر فلم يعرف التاريخ؛ وجب سبر المذهبين، وإنعام الفحص عن حال القولين؛
- فإن كان أحدهما أقوى من صاحبه؛ وجب إحسان الظن بذلك العالم وأن ينسب إليه أن الأقوى منهما هو قوله الثاني، الذي به يقول وله يعتقد، وأن الأضعف منهما هو الأول منهما الذي تركه إلى الثاني. 

- فإن تساوى القولان في القوة؛ وجب أن يعتقد فيهما أنهما رأيان له؛ فإن الدواعي إلى تساويهما فيهما عند الباحث عنهما؛ هي الدواعي التي دعت القائل بهما إلى أن أعتقد كلًّا منهما.

❍ هذا بمقتضى العرف، وعلى إحسان الظن؛ فأما القطع البات؛ فعند الله علمه.

❍ وعليه طريق الشافعي في قوله بالقولين فصاعدًا.[!]

❍ وقد كان أبو الحسن [الأخفش] ركابًا لهذا الثبج، آخذًا به، غير محتشم منه، وأكثر كلامه في عامة كتبه عليه. 

❍ وكنت إذا أَلزَمت -عند أبي علي [الفارسي] رحمه الله- قولا لأبي الحسن شيئًا لا بد للنظر من إلزامه إياه؛ يقول لي: مذاهب أبي الحسن كثيرة!

❍ ومن الشائع في الرجوع عنه من المذاهب ما كان أبو العباس [المبرد] تتبع به كلام سيبويه وسماه «مسائل الغلط». 
فحدثني أبو علي عن أبي بكر [ابن السراج] أن أبا العباس كان يعتذر منه ويقول: «هذا شيء كنا رأيناه في أيام الحداثة، فأما الآن فلا».

❍ وحدثنا أبو علي قال: كان أبو يوسف [القاضي] إذا أفتى بشيء أو أملَّ شيئًا؛ فقيل له: قد قلت في موضع كذا غير هذا؛ يقول: «هذا يعرفه من يعرفه».أي: إذا أنعم النظر في القولين وُجدا مذهبًا واحدًا.

❍ وكان أبو علي -رحمه الله- يقول في (هيهات): «أنا أفتي مرة بكونها اسمًا سمي به الفعل؛ كـ(صه) و(مه)، وأفتي مرة أخرى بكونها ظرفًا، على قدر ما يحضرني في الحال». 
وقال مرة أخرى: «إنها وإن كانت ظرفًا؛ فغير ممتنع أن تكون مع ذلك اسمًا سمي به الفعل كـ(عندك) و(دونك)». 

❍ وكان إذا سمع شيئًا من كلام أبي الحسن [الأخفش] يخالف قوله يقول: «عكّر الشيخ»!

«الخصائص» ١ /٢٠٠-٢٠٦. باختصار التمثيل وتوابعه.

وتنظر هذه التغريدة وما تحتها👇🏻 فلها صلة
https://x.com/assdais/status/1641170008309915649?t=rc45UAbhRcqPl7KCH4h6uA&s=35
قال ابن نباتة:
لم ندرِ ما فيه من وصفٍ فنحصره ..
وصاحب البيت أدرَى بالذي فيه


هذا المثل؛ تمثل به جمع، منهم الحافط ابن حجر في صدر شرحه «نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر»، فقال: «فبالغت في شرحها، في الإيضاح والتوجيه، ونبهت على خفايا زواياها؛ لأن صاحب البيت ‌أدرى بما فيه، وظهر لي أن إيراده على صورة البسط أليق، ودمجها ضمن توضيحها أوفق».

وكثر تمثل الناس به في تقديم شرح المؤلف لكلامه وأنه أنفع من غيره وأعلم بكلام نفسه..

وهذا الاطلاق فيه نظر، وقد أحسن أبو حيان في صدر شرحه «التذييل والتكميل» في بيان الفرق بين شرحه وشرح ابن مالك، فقال:
«فالشارح لكلام غيره ليس كالشارح لكلام نفسه، ذلك ينظر إليه بعين الاستدراك والانتقاد، وهذا يشرح كلام نفسه وله فيه حسن الاعتقاد».
أيهما أفضل يمين الصف مع بُعده أو يساره مع قربه؟

ذكر ابن مفلح في «الفروع» ١٥٨/٢-١٦١:
‏❍ «يمينه أفضل»
ثم قال:
‏❍ «قال الأصحاب: كلما قرب من الإمام أفضل»
‏ ثم قال:
‏❍ «ويتوجه احتمال: أن بُعد يمينه؛ ليس أفضل من قرب يساره، ولعله مرادهم».
ونقله صاحب «الإنصاف» ٤٠٥/٣، ولم يتعقبه.
وقال صاحب «المبدع» ٣٧٧/١:
«فائدة: يمينه.. أفضل.. فكلما قرب منه؛ فهو أفضل.. ومرادهم: أن بُعد يمينه؛ ليس أفضل من قرب يساره».

وقال ابن نصر الله في «حواشي الفروع»:
«وإنما قال: يتوجه احتمال؛ لأن ظاهر كلامهم أن الأبعد عن اليمين؛ أفضل ممن على اليسار ولو كان أقرب، وهو أقوى عندي، لخصوصية جهة اليمين بمطلق الفضل، كما أن من وقف وراء الإمام أفضل -ولو كان في آخر الصف- ممن هو على يمين الإمام ملتصقا به»(١).

وهذا الذي قرر ابن نصر الله؛ اعتمده جماعةٌ من المتأخرين، انظره في «المنتهى» و«الإقناع» وما تفرع عنها من شروح.

فرجح الجهة على القرب مطلقا؛ لفضل اليمين، وبأن القرب لم ينفع الملاصق للإمام؛ فالذي خلفه في الصفوف أفضل؛ ولو بعدوا.

ويمكن أن يدفع قوله؛ بأن هذا الملاصق عن يمين الإمام وما نفعته الجهة هنا.
فعادت المفاضلة بين جهة اليمين والقرب، فيفضل اليمين مع التساوي والتقارب، أما مع بعد اليمين وقرب اليسار؛ فيكون ما قاله ابن مفلح أمتن. والله أعلم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) كلام ابن نصر الله هذا من «حاشية الخلوتي على منتهى الإرادات» ٢٨٩/١، ونقل بعضه في الإقناع وشرحه وغيرهم.
وليس في مطبوع «حواشي الفروع» ط أسفار، مع أن المحقق في مقدمة التحقيق ص٥٧ نقل بعضه عن صاحب «الإقناع»، لإثبات صحة نسبة الكتاب لمؤلفه، لكنه لم يشر إلى أنه ليس في نسخته، لا في المقدمة ولا في موضعه من الكتاب؛ فصار نقله له عكس مقصوده!
حثو التراب في وجه المداح!

قال ابن قتيبة: «سألت عن قول رسول الله ﷺ: «إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب»؟

وهذا عندنا أريد به المداحون بالباطل، كالرجل يلقى الرجل، فيستنزل ما عنده بتقديم مدحه، ويجعل ذلك ذريعة إلى ما أمله منه، كما يفعل الشعراء، فيقولون: أنت أسرع من الريح، وأشد إقداما من السيل، وأهيب من الليل، وأجرأ من الليث.
وإنما كره هذا لأنه كذب؛ ولأنه داعية إلى العجب والكبر؛ ولذلك قال عمر: «المدح هو الذبح».
ولم يرد به من مدح رجلا بما فيه، فقد مُدح رسول الله ﷺ في الشعر، وفي الخطب، وفي المخاطبة، فلم يحث في وجوه المداحين التراب، ولا أمر بذلك؛ كقول أبي طالب فيه:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل.
وكقول العباس:
من قبلها طبت في الظلال وفي ... مستودع حيث يخصف الورق.
وكمدح حسان بن ثابت في كثير من شعره، وكعب بن زهير، وهذا يكثر جدا.
وكان أبو بكر يقول عند المدحة: «اللهم اغفر لي ما لا يعلمون، واجعلني خيرا مما يظنون».
ولم يبلغنا أنه -ولا أن غيره- حثا في وجه مادح ترابا..
-إلى أن قال-
وأما حثو التراب في وجوههم؛ فله معنيان:
أحدهما: أنه أراد بذلك التغليظ عليهم في رد ما أتوا به، ولم يرد إيقاع الفعل.. (ذكر أمثلة)
والمعنى الآخر: أن يقال للمادح بالباطل: بفيك التراب..».
«المسائل والأجوبة» (٤٠) ص١٤٥.

هذا مثال للتحذير من النفي وعدم الاغترار بالإطلاقات.
ففي صحيح مسلم عن همام بن الحارث: «أن رجلا جعل يمدح عثمان، فعمد المقداد فجثا على ركبتيه -وكان رجلا ضخما- فجعل يحثو في وجهه الحصباء!
فقال له عثمان: ما شأنك؟
فقال: إن رسول الله ﷺ قال: إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب».
وفي رواية مرسلة عند أحمد: «قال الزبير: أما المقداد فقد قضى ما عليه».
وللخبر روايات متعددة، وقد رواه أمم قبل مسلم وبعده من طرق.

فهذا المقداد -وهو من السابقين الأولين- فعله، ولم يغلطه عثمان -وهو خليفة راشد- وكذا من حضرهم.
وإنما قل فعله -والله أعلم- لأنه صعب؛ لا يطيقه أكثر الناس.

ومن جنسه ما في الصحيحين من طريق عمرة عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: «لما جاء قتل زيد بن حارثة، وجعفر، وعبد الله بن رواحة، جلس النبي ﷺ يعرف فيه الحزن -وأنا أطلع من شق الباب-،
فأتاه رجل فقال: يا رسول الله، إن نساء جعفر، وذكر بكاءهن، فأمره بأن ينهاهن، فذهب الرجل، ثم أتى فقال: قد نهيتهن، وذكر أنهن لم يطعنه، فأمره الثانية أن ينهاهن، فذهب، ثم أتى فقال: والله لقد غلبننا،
فزعمتْ: أن النبي ﷺ قال: فاحث في أفواههن التراب.
فقلت: أرغم الله أنفك، فوالله ما أنت بفاعل، وما تركت رسول الله ﷺ من العناء».

فأم المؤمنين عائشة فهمت أن الأمر على ظاهره، لكن هذا الرجل أعجز من أن يقوى عليه، فقالت له ما قالت.
والله أعلم.
معنى «التحيات لله» لابن قتيبة .pdf
548.8 KB
هذا جواب بديع نافع، لابن قتيبة في كتابه «المسائل والأجوبة» على اعتراض خالد بن يزيد على تفسير أبي عبيد الذي رواه عن أبي عمرو الشيباني أن:
معنى «التحيات لله» أي: الملك لله.

وفي هذا الجواب لفتة لطيفة لما يحشد له بعض الناس في الاستدلال؛ لما لا ينفع اعتراضه؛ لقلة انتباهه للفرق بين المسائل ودقتها، لكنها تغر من يكون من جنسه!
كتاب.pdf
3.9 MB
المكافأة وحسن العاقبة 👆

هذا الكتاب ممتع للغاية، اتهمه بأنه لا يدع قارئه يفلت منه حتى ينهيه، لذلك أنصحك ألا تطلع عليه وأنت مشغول:)

اشتمل على مقدمة يسيرة ثم باب في المكافأة على الحسن ضمنه ٣٢ خبرا،
ثم باب في المكافأة على القبيح ضمنه ٢٢ خبرا،
ثم باب من ابتلي فصبر فكان ثمرة صبره حسن العاقبة ضمنه ١٩ خبرا،
ثم خاتمة يسيرة.
والكتاب نحو ١٤١ صفحة سوى مقدمة المحقق والفهرس.

وهو مع ما تضمنه من العبر: يحفز على المروءة وفعل الخير، وينفر عن اللؤم والخبث، ويعين على الصبر، ويشرع أبواب الفأل والرجاء، ويبهج النفس بلطف الحكيم وخفي تدبيره تعالى.

ويحسن أن تقرأ بعض أخباره في المجالس، أو تلخص وتحكى لمن لا يقرأ.
قناة عبدالرحمن السديس
كنايات العرب وذوقهم

قال الخطابي: «من عادة العرب التعفف في ألفاظها، واستعمال الكناية في كلامها، وصون الألسن عما تصان الأبصار والأسماع منه».
.
قال الجاحظ: «ويقال لموضع الغائط: الخلاء، والمذهب، والمخرج، والكنيف والحشّ، والمرحاض، والمرفق.
وكل ذلك كناية واشتقاق.
وهذا أيضا يدلك على شدة هربهم من الدناءة والفسولة، والفحش والقذع».

«الحيوان» ٢٩٥/٥.
سبب كثرة الكناية عما يستقبح

قال أبو حيان: «حدثني ابن فارس: جرى بين يديه أسماء الفرج وكثرتها، فقال بعض الحاضرين:
ماذا أراد العرب بتكثيرها مع قُبحها؟

فقال: لما رأوا الشيء قبيحا؛ جعلوا يكنون عنه، وكانت الكناية عند فُشُوِّها؛ تصير إلى حد الاسم الأول؛ فينتقلون إلى كناية أخرى، فإذا اتسعت أيضا رأوا فيها من القبح مثل ما كنوا عنه من أجله، وعلى هذا، فكثرت الكنايات، وليس غرضهم تكثيرها».

«أخلاق الوزيرين» ص٣٨٧.

#عادات_العرب #ذوق #العربية.

ابن فارس: هو صاحب كتاب «مقاييس اللغة» وغيره.
هل هذا 👆 يعارض ما ورد من تصريح بما يكره سماعه في مواضع كثيرة من كلامهم شعرا ونثرا؟

لا، لأن هذه الكنايات لأسماء أشياء يتكرر ذكرها جدا في مختلف الأحوال.

وما يأتي في كلامهم من تصريح بما يستحيى منه، يكون عارضا لسبب ما اقتضى ذلك؛ روعي فيه الحال أو السامع، وقد يشذ عن هذا نزر يسير!