مدونة سَـــارَة
1.16K subscribers
51 photos
6 videos
شوارد الأفكار والكَلِم

@Sarah_A92
Download Telegram
فضل الأب

على فضل الأب في حيواتنا وعلّو منزلته وكونه سند المرء في دنياه غير أنّ ذكره محدود في السياقات الأدبية والسّرد العام؛ ولذا أرى في نفسي إجلالًا لكل من يجلّ أباه ويباهي به، بل وأعرف قدر المرء بقدر والده عنده، وأستدلّ على الوالد المربّي العظيم من أخلاق ذرّيته، سيّما الرجال في مروءتهم ومعاملتهم، والإناث في بُعد شأوهنّ وحسن إدارتهنّ لحياتهن.

قرأتُ مؤخرًا أبياتٍ وردت على لسان ابنٍ يرثي أباه -رحم الله صفيّه وحفظ من بقي بعين رعايته وغفر لمن اختارهم ربي في جواره-؛ ووددتُ والله لو أنّ أبياته هذه تبلغ الآفاق، وتشعل جذوة النّور في صدر كلّ مقصّر ليرعوي، ويتمتّع بقرب والده ما دام حيًّا💔

«لو أمطرت ذهبًا من بعد ما ذهبا
‏لا شيء يعدل في هذا الوجود أبا
‏يا ليتني ما تركت الموت يسبقني
‏لكنه قدرٌ غالبته غلبا
‏ما زال في جبهتي من عطر قبلته
‏مازال يطعمني التفاح والعنبا
‏مازلت في حجرِه طفلاً يلاعبني
‏تزداد بسمته لي كلما تعبا
‏لم يحنِ ظهر أبي ما كان يحمله
‏لكن ليحملني من أجلي انحدبا

وكنت أحجب في نفسي مطالبها
‏فكان يكشف عما أشتهي الحجبا
‏أغفو وأمنيتي سرٌّ ينام معي
‏أصحو وإذ بأبي ما رُمت قد جلبا
‏كفّاه غيمٌ، وما غيم ككف أبي
‏لم أطلب الغيث إلا منهما انسكبا
‏يا ليتني خاتمٌ في خنصرٍ وكما
‏قد شئت يا أبتي قلّبته انقلبا
‏يا ليتني الأرض تمشي فوقها فأرى
‏من تحت نعلك أني أبلغ الشهبا

مهما كتبت به شعرًا فإن أبي
‏في القدر فوق الذي في الشعر قد كتبا
‏يامن لديك أب أهملت طاعته
‏لا تنتظر طاعةً إن صرت أنت أبا
‏فالبر قرضٌ إذا أقرضته لأبٍ
‏يوفيكه ولدٌ والبر ما ذهبا
‏لا تنتظر موته، صل في الحياة أبا
‏لا ينفع الدمع فوق القبر إن سكبا»
بعد وفاة والدي أنظر للآباء نظرة حُبٍ عظيمة كما لو أنني أود أن أخبر العالم أن الأمان رب ثم أب ..
‏لقد تعلمت الصبر منه، ولم أتعلم الصبر عنه.
‏«وإن كان لا بدّ من سعادةٍ في هذه الحياة، فسعادتها أن يعيش المرء فيها معتقدًّا أن لا سعادة فيها؛ ليستطيعَ أن يقضي أيامه المقدرة له على ظهرها هادئ القلب ساكن النفس، لا يكدِّر عيشهُ أملٌ كاذب و لا رجاء خائب.»
-مصطفى المنفلوطي
قرأتُ مرّة كلامًا كان فحواه:
"إذا كان لك شهور ما تواصلت معي وبعدين جيت كلمتني عشان محتاج خدمة، أو نصيحة، أو أي شي، فأنت مرحب بك ومافي أي حرج أو عيب، لأني أعرف مشاغل الحياة وتحدياتها و مقدّر أنك شايف إني أقدر أساعدك فخلك من الفلسفة الي منتشرة وكلام الناس عن المصالح!
نعم الناس مصالح والله خلقنا عشان نساعد بعضنا ونوقف مع بعضنا، وانسى کلام الناس عن الرفض والكراهية!
أنا موجود لك في أي وقت یا صدیق و يا غریب، باللي أقدر عليه، الدنيا لازالت بخير والناس لبعضها"

- أحب هالمنطق لأنه من منطلق حديث نبويّ يقول فيه ﷺ: "أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله عزّ وجلّ سرور يدخله على مسلم، أو يكشف عنه كربة أو يقضي عنه ديناً أو يطرد عنه جوعاً..."
وكثيرًا ما نجد لذة في العطاء مختلفة سواء طُلب قبلاً أم جاء الأمر كمبادرة واستباقًا لما في الخواطر.
وبذلك يتمايز الكريم عن الشحيح، فشح النفس أسوأ طباع النفس البشريّة..
وما أنبل وأكرم ذلك الأعرابي الذي أعطى ما في جرّته من مالٍ لمن هم أفقر منه، وحين سُئل عن سبب ذلك قال:

يجود علينا الخيّرون بمالهم * ونحن بمال الخيّرين نجود

فلم ينسب المال له رغم امتلاكه بحيازته، فأيّ كرم بلغت نفسه!
ومن يتأمل نهج الإسلام يجده يحثه على المشاركة والمعاونة، بخلاف اللافتات التي ترفع الآن تحت ما يسمى عزل الإنسان عن الآخر وجعل عطاءه محدودًا بمصلحة، أو منفعة متبادلة، أو جعله معتدًا بنفسه بحيث يحملها ما لا يطيق، نائيًا عن طلب العون ممن هم أهل لذلك.
حين تتفكر في من هم أقل منك، الأمر لا يعني أن تطمئن؛ لمجرد أن حالتك أفضل بمراحل منهم؛ لأن هذه أنانية محضة، تتعارض مع سمات النفس التي جُبلت على الإيثار، بل الذي يسمو بهذه النفس ويجعلها تنشغل عن علو مقامات الآخرين، أن تعلم أن لك شأنًا كذلك، فتشمر عن سواعد عونك، وتلتفت لمن هم بحاجتك.
أسباب الحب حصرها الغزالي في مدى (حسن وإحسان) المحبوب..
نحب الآخر لخصاله التي نستحسنها، وتستمر المحبة بالإحسان الذي نستقبله منه.

- إحياء علوم الدين
رغم أني في عشر الثلاثين إلا أني عانيتُ من لغوب الحياة ما يلعج فؤادي، وقاسيتُ من لأواءِ تجاربها ما يهدّ عزائمي، ورأيتُ من تغير وجوه الناس، وتكشف غدراتهم
وتتابع إساءاتهم ما ملأ روحي كلوماً غائرة، وأثار في كبدي قروحًا ناكئة، فاستولى عليّ الحزنُ حتى صرفَ عن حياتي بهجتها ..

وتسكع قلبي في بيداء الكآبة حتى كاد يرد مخوفَ معاطبها وطفقتُ أبحثُ عن حياةٍ غير هذه الحياة وأفتشُ عن صحبٍ غير هؤلاء الصحب
فظفرت ببغيتي عندما ولجتُ عالم القرآن، وأدركتُ حاجتي حين اهتزت حبال حنجرتي متغنيةً بكلام الله، فوجدتُ الحياة التي لابؤس فيها، وعثرتُ على الصاحب الذي لاأخشى بوائقه، فوالذي نفسي بيده إن الحياة مع القرآن ﴿لهي الحيوان لو كانوا يعلمون﴾ الحياة مع القرآن هي النعيم المعجل، والعيش المرغد
الحياةُ مع القرآن نعمةٌ لا تعادلها نعمة، ومنّة لا تضارعها منة، وأنسٌ لا يجاريه أنسٌ ..

عاش عمر رضي الله عنه مع القرآن فقرعته زواجره، وهزته مواعظه حتى أنه خرج ليلةً فسمع: ﴿والطور ۝ وكتاب مسطور ۝ في رق منشور ۝ والبيت المعمور ۝ والسقف المرفوع ۝ والبحر المسجور ۝ إن عذاب ربك لواقع﴾
فقال: قسمٌ و ربِّ الكعبة حق.
فمرض شهرًا يعوده الناس لا يدرون ما مرضه ..

وعاش ابنُ عباس -رضي الله عنهما- مع القرآن حتى صار القرآنُ جليسَ فكره، وأنيسَ قلبه، وشاغلَ عقله حتى أنه كان يقول ( والله لو أضعتُ عقالَ بعيري لوجدتُ ذلك في كتابِ الله )!
عاش خالدُ بن الوليد رضي الله عنه مع القرآن حتى أنه في آخر حياته أمسك بالمصحف وبكى وقال: شغلني عنك الجهاد !

عاش عكرمةُ بن أبي جهل رضي الله عنه مع القرآن حتى كان إذا رأى المصحف يأخذه فيضعه على وجهه، ويبكي، ويقول: كتاب ربي، وكلام ربي ..
وقضى ابن تيمية رحمه الله جُلّ حياته في الدعوة والجهاد ومناكفة أهل البدع فلما سُجن في آخر حياته أقبل على القرآن تلاوة وتدبرًا ثم قال: ندمتُ على تضييع أكثر أوقاتي في غير معاني القرآن ..
وعاش العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله مع القرآن حتى قالَ عن نفسه: لا توجد آية في القرآن إلا ودرستها على حِدَة!

6236 آية في كتاب الله، كل آية خصص لها وقتًا يفردها به بالدراسة العميقة والتدبر الطويل!
وأفنى المحدّث أبو إسحاق الحويني زهرةَ عمره، وميعةَ شبابه في التدريس والخطابة والتصنيف فلما منع أقبل على القرآن تدبرًا فعاش مع كلام الله أجمل عيش وأهنأه وانغمس في معانيه فلاحتْ له أنوار هداياته، وانكشفت له أسرار دلائله فقال بعينٍ دامعة، ونبرة حزينة: فيا ليتني أعطيتُ القرآن عمري ..
لقد أحصى أحدُ المشايخ المعاصرين (18) عالمًا ندموا في آخر حياتهم أن لم يكن أكثر شغلهم بالقرآن ..

إن الحياةَ مع القرآن حياةٌ مطمئنةٌ، وسكينةٌ دائمةٌ لا يعرفها إلا من عاش مع القرآن.
إن صحبة القرآن هي الصحبة التي يثبت نفعها يوم يفر منك أباك وأمك، وأخاك وصاحبك، وزوجتك وأولادك، وقبيلتك وعشيرتك فتلتفت فلا تجد إلا صاحبك الوفي القـرآن يقف معك يجادل عنك ويشفع لك قال ﷺ: (اقرَؤوا القرآنَ؛ فإنَّهُ يأتي يومَ القيامةِ شَفيعًا لأصحابِه)
لن أقول جرّب العيش مع القرآن لتذق لذة السعادة، بل تيقّن أنك في خير منذ اللحظة التي تقرر فيها صحبة القرآن ..

ختامًا يا سادة، أقولها بلسان محبٍ ناصحٍ:
لا تغادر دنياك قبل أن تذوق أطيب ما فيها: العيشَ مع كتاب الله.

- عبدالله الحويّل
يتحدث أبو حيان التوحيدي في كتابه المقابسات عن جماليّة النص فيقول:

‏{الكلام ينبعث إمّا من عفو البديهة، وإما من كدّ الرويّة، وإما أن يكون مركبًا منهما، وفيه قواهما، فضيلة عفو البديهة أنّه يكون أصفى، وفضيلة كدّ الرّويّة أنه يكون أشفى، وفضيلة المركّب منهما أنه يكون أوفى}
من مباهج هذه الأيام أن يكون فيها ما يجددها ويغير معناها ومبناها فكما يقول الرافعي عن مثل هذا اليوم: "ليس العيد إلا إشعار هذه الأمة بأن فيها قوة تغيير الأيام، لا إشعارها بأنّ الأيام تتغير".
وكل عام وأنتم بخير 🎈✨
الاتزان يدور حول ثلاث محاور:
اتزان يتعلق بالجانب الروحي الإيماني، واتزان يتعلق بالجانب النفسي بعد ذلك، واتزان يتعلق بالجانب الاجتماعي، وجميعها قد وردت في حديث النبي ﷺ حين قال:
"إنّ لربك عليك حقًا، ولنفسك عليك حقًا، ولِأهلك عليك حقًا، فأعْطِ كُلَّ ذي حق حقه"
فطغيان جانب على آخر يخل بهذه المنظومة التي قسمت احتياج الإنسان في هذه الجوانب.
صباح الخير 🤍
"أما بعد: فإني أعيذك بالله أن تقع رهينًا للذكريات، أسيرًا لما فات، قد امتلأ صدرُك بالحنين، وصوتُك بالأنين، يستدرُّ دمعَك نَوحُ الحمائم، ورَوحُ النسائم، ويستثير شجاك ادّكار مرابع الصبا، ومراتع الظبا، ويقُدُّ حشاك منظر الديار قد اندرست، والآثار قد انطمست، كأن لم تغن بالأمس، ولم تكُن ملء العين والنفس"
أحيانًا يكون دافع النجاح هو {الاستمرارية}، الذكاء يغيب ويحضر، والتخطيط يخطىء ويصيب، والحماس يذوي ويعود.
جاء في بعض القواميس:
‏وأصل كلمة عذاب: الاستمرار.
‏ومنه يُقال:
‏ماءٌ عذب، لاستمراره في الحلق.
أرى الحزن لا يجدي على من فقدته
ولو كان في حزني مزيد لزدته
تغيرت الأحوال بعدك كلها
فلست أرى الدنيا على ما عهدته
عقدت بك الأيمان بالنجح واثقا
فحلت يد الأقدار ما قد عقدته
وكان اعتقادي أنك الدهر مسعدي
فخانتني الأيام فيما اعتقدته
أردت لك العمر الطويل فلم يكن
سوى ما أراد الله لا ما أردته
فيا وحشة من مؤنس قد عدمته
ويا وحدة من صاحب قد فقدته
وداع دعاني باسمه ذاكرا له
فأطربني ذكر اسمه فاستعدته
فقدت أحب الناس عندي وخيرهم
فمن لائمي فيه إذا ما نشدته


إلى وقت قريب وأنا أردد ماذكر الصنعاني في هذه الأبيات..حتى خشيتُ على نفسي الهلاك
رغم أني قد فرغت من كل فرح في الداخل،
حتى خرجت كل الألوان من قلبي، فأنا مازلت في كل يوم أُقتل بالانتظارات الطويلة والذكرى التي تجعل أبي حاضرًا يتوسدّ قلقه علينا كيف صرنا بعده!!
هو الفقد حجر في صحراء حارقة تكوي كبدك
وجمرةٌ تُخرس الريح بتلظيها فتهدأ الريح
وهي لاتزال متقدّة..
الفرق بين التباهي والاعتزاز بما لديك من نعم هو فرق جوهري، بمقدورك إظهاره كانتقاص لمن حولك، وبمقدورك إظهاره كنقيضه، يقول ﷻ:{إن يعلم الله في قلوبكم خيرًا يؤتكم خيرًا}، لذا فإن كل ما يصدر عن الإنسان هو ترجمان للشعور.


——————————
- المباهاة: التفاخر على سبيل الازدراء والكبرياء.
- ‏الاعتزاز: الفخر بما لديك من قِيم على سبيل الأنفة دون انتقاص أحد.
"على الإنسان أن يُدرك أنّ أوقات الانشغال نعمة، وأنّ التَّعّب المُثمر نعمة، وكلّ دقيقةٍ تقضيها في الاشتغال على نفسك وعقلك وقلبك، هي استثمارٌ مؤجّل لو لَم تَرَ النتائج الآن! النَّفس تَميل لراحتها، ولاتعلَم أنّها ترتاح بالتَّعَب..

كلّ لحظة قراءةْ استصعَبتَها لكنّك أكمَلتَ الكتاب، كلّ مشروعٍ لم تتركه في المنتصف، كلّ فكرةٍ عزمت على إتمامها، كلّ لحظةٍ استثمرت ما فيها، كلّ برنامجٍ ودورةٍ ومحاضرةٍ ولقاءٍ أخذت منه حدّ الارتواء!

كلّ دفترٍ ملأته، و قلمٍ أنهَيتَه، وكتابٍ قرأته، وحقيبةٍ حملتها، وخطىً سِرتَها، وساعة خَلَوتَ بها، ‏كلُّ هذا يشهد لك، كلّه ذاتَ يومٍ يَرفَعُك".
السلام على المؤثرين علينا، الذين اختاروا الانحياز إلى جانبنا في لحظة احتياج، السلام على أولئك الذين صوبوا أفعالنا الصحيحة، وغمرونا بالكلمات الحانية، الذين استقبلونا بالصدق، في حين كذبنا غيرهم، وأبصرت بصائرهم حقيقتنا دون تشذيب، الذين قالوا لنا كل شيء حينما كانت تطحننا رحى الأسئلة.
السلام على العهود حين حلّت الوعود، وعلى الذين وصلوا حتى نالوا، السلام على الذين أناخوا رواحلهم حين رأوا منا تأخرًا، أملاً في مرافقتنا وإيناسنا حين كنا في عتمات الظنون، وعلى الذين فعلوا حين قالوا وقبل أن تنبس شفاههم وتتفاخر.