كثيرًا ما أجدني أسيرُ ضد انحيازاتي ، أُغلق على إرادتي بابًا وأمضي حيث لا أرغب ، وأُقحم نفسي في أفعالٍ كريهة ، وأنا أعلم في اللحظة ذاتها أنها لا تشبهني ، لكنني أتمادى كمن يجرح كفّه عمدًا ليُري غيره أثر الدم ، لا رغبة في داخلي ، ولا قبول ، بل عنادٌ مسعور ، وأندفع إليها كوحشٍ أعور ، غاضب ، يعضّ ما يراه أمامه حتى لو كان لحمه ، أفعل ما يبغضه قلبي ، وأُمارس ما تصرخ به حواسي رفضًا ، لأُطفئ جمرةً في صدري ، إنه العنف الداخلي الأعظم : أن تصبح خصم نفسك ، أن ترى يديك تخونانك ، أن تجرح ذاتك باسم القوة والعناد ، وتفيق بعدها على جسدٍ مجروح وروحٍ ممزقة ، بلا بطولة ولا انتصار .
1
كأني أعيش على تخومِ الشك ، في منطقةٍ رمادية بين اليقين والظن ، أتحسس الخديعة كما يتحسسُ الأعمى ملامح الجدار ، أعرف أنها قريبة مني ، تهمس لي من وراء الأبواب ، وأشعر بأنفاسها على كتفي ، لكني أتغافل عنها ، وأغمض عيني عمدًا ، خشية أن أراها ، فيتصدّع ما تبقى من ثقتي بالعالم ، ثمّة ما يُدار في الخفاء ، وما أراه من صدق ليس إلا تمثيلًا مُتقنًا لخداعٍ جميل أُريد له أن يُبهجني ، وتلك البسمة ظلًا يخفي طعنةً ناعمة ، ومع ذلك ، لا أفتش عن الدليل ، لأن الدليل حين يأتي لا يكتفي بالكشف ، بل يُمزق ، ولهذا أهربُ من الحقيقة لأحفظ قلبي ، لا لأُنكرها ، وأدّعي الغفلة لأبقى على بقايا أمانٍ هشٍّ أستندُ إليه ، فكم هو قاسٍ أن تدرك أنك كنت تُصلي في محراب الوهم ، وتؤمنُ بصدقٍ مصنوعٍ على مقاس ضعفك ، وتغفو مطمئنًّا في حضن خديعةٍ أتقنت كيف تُشبه الحُب .
في داخلي مدينةٌ كانت تشع بحضورك ، مزدحمةً بالموسيقى ، تضحك فيها الأرصفة وتتمايل النوافذ طربًا بك ، لكن هذه المدينة اليوم أعلنت حالة الطوارئ ؛ مظاهراتٌ تملأ ساحاتها ، واللافتات كلها تندّد بأفعالك ، والاقتصاد العاطفي هناك ينهار ، والمشاعر تبيع ما تبقى منها في السوق السوداء ، تتظاهر الأرواح ضدك ، وتُجبر القلوب العمالية على البطالة ، بعدما تشقّقت الأرصفة وانهارت الأسواق العاطفية بعد أن فقدت عملتها الوحيدة : الاطمئنان ؛ ورغم كل الحروب التي تُقام هناك ، ورغم البيانات التي تُنكر وجعي ، ما زالت المدينة تحترق بصمت ، وتزعم أنها بخير ، بينما تتهاوى أنقاضها في داخلي ببطءٍ مؤلمٍ ومدروس ، كما لو أنّها تموت وهي تُصفّق .
لم أكن طلسمًا يعجز عن فكه العارفون ، ولم أكن عصيّة الفهم كما توهّمت ، كنتُ فقط امرأةً تحكمها أمواجُ مزاجٍ متقلب ، تُحبك حين تستشعر فيك دفئًا ، وتنفر منك حين تراك بردًا ، لم أكن جافة القلب ، لكنني كنتُ أخشى أن يطل ما في داخلي على العلن ، أن تُرى ارتعاشاتي حين أُحب ، أو يُفضح اضطرابي حين أشتاق ، فآثرتُ أن أضع على قلبي غطاء وأدّعي الإتزان ، لم أكن أنانية ، أوزع مني ما يكفي الجميع ، حتى فرشاة مكياجي تقاسمُها الغريبات ، غير أنك كنت الاستثناء الذي تتبدل عنده قوانيني ، والمساحة التي يتحول فيها كرمي إلى احتكارٍ خفيّ ، لأنك ببساطة الشيء الوحيد الذي لا أطيق أن يُشاركني فيه أحد ، ولم أكن قاسية ، لكن القسوة كانت اللغة الوحيدة التي أجيدها حين أشعر بالتهديد ، أما عن برودي ، فلم يكن سوى حيلةٍ أُتقنها لأخمد بك حرائقي ، أطفئك قبل أن تحرقني ، وتبًا لك ، يا من لم ترى سوى السطح مني ، حتى لو كنت تحت هذه الأرض لن تفهمني .
منذ ثلاثة أيام وأنا أعيش في دوامةٍ من الخوف ، وكأن قلبي أُلقي في بحرٍ مظلمٍ لا يرى له ضفافًا ، وأعيش قلقًا يشبه فزع أمٍ فقدت صغيرها حين ابتلعه الغياب ، أشعر كأني في حربٍ لا تُرى ، سلاحي فيه الصبر ، وجرحي هو الانتظار ، وكل لحظة تمر دون أن تلوّح لي بعلامة نجاة ، تزيد من وجعي عمرًا ، وتُشيّخ قلبي قبل أوانه .
المحزن أنك لم تغب ، بل تآكلت من ذاكرتي كما تتقشر الجدران القديمة من أثر الوقت ، شيئًا فشيئًا ، حتى صرت في داخلي مزيجًا من حضورٍ باهتٍ وغيابٍ لا يُنكر ، أحاول أن أستعيدك ، فيتساقط منك جزءٌ في كل محاولة ، كأن الذاكرة تقتص من ملامحك عقوبةً لي على التعلق الطويل ، أراك أحيانًا كما يُرى الحلم بعد الاستيقاظ ، مموّهًا ، بلا ملامحٍ واضحة ، فقط شعورٌ غامض بأنك كنت هنا ذات زمنٍ لا أستطيع الوصول إليه ، وحتى تفاصيلك التي كانت يومًا تملأ المساحة من حولي ، هجرتني بهدوء وغادرت بصمتٍ يشبه خيانةً مهذّبة ، فتسللت مع الغبار الذي يعلو الرفوف المنسية ، صرت أثرًا بلا شكل ، ووجودًا يزحف نحوه العدم ، حتى باتت الذاكرة تُعيدك إليّ ناقصًا ، كصفحةٍ أكلتها النار من أطرافها وبقي وسطها سالمًا .
أمسكت بخصلاته شعرةً شعرة ، أسأل كل واحدة: يحبني أم لا؟ ومع آخر خصل من شعر رأسه جاء الجواب بلا رحمة: لا يحبني ، لم يرضني هذا فانتقلت إلى حاجبيه ، كل شعرة تأتيني بنفس الجواب: لا يحبني ، وعندما لامست رموشه ، حمل آخر رمش الحقيقة المنتظرة: يحبني .
هكذا تعلمت أن الحب يُقرأ بين التفاصيل الصغيرة ، وأن الإجابة أحيانًا تختبئ حتى في آخر لحظة .
هكذا تعلمت أن الحب يُقرأ بين التفاصيل الصغيرة ، وأن الإجابة أحيانًا تختبئ حتى في آخر لحظة .
1
ما عدتُ أفهمني ، كأنني نصٌ كُتب بأيدٍ كثيرة ، كل سطرٍ فيه يناقض الآخر ، وكل جملةٍ تمحو ما قبلها ، أشعر أن قلبي أصبح مجلسًا للمتضادات ، أُجلس فيه مشاعري المتنافرة حول مائدةٍ واحدة ، وأراقبها تتجادل بصوتٍ خافت في أعماقي ، الحنين يجادل النسيان ، والطمأنينة تتناحر مع القلق ، والحبّ يمد يده للكراهية ثم يسحبها ، أعيش كل شيء دفعةً واحدة ، دون فسحةٍ للالتقاط ، كأنني أتنفس كل فصول العام في دقيقةٍ واحدة ، صيفٌ يلهبني وشتاءٌ يبللني ، ربيعٌ يزهر في صدري وخريفٌ يسرق مني أوراقي ، وكأن الزمن في داخلي يدور حول نفسه حتى يتعب .
3
لم يرد أن يرى أنثى تحن وتذود ، بل أراد وحشًا يُداعب جراحه ، كان يطلب قسوتي ويفتش بين حروفي عن شرارة تكذب رقتي ، كان يحاول إيقاظ الشر النائم في أنوثتي ، وبشهوةٍ متلعثمة يطالب بوجهي الآخر ، ووفقًا لمتطلباته سأكون أسوأ امرأةٍ مرت على قلبه ، ستكون جروحه وقودًا لجنوني ، ودموعه لن تفتح له نافذة توبتي ، سأقتله يوميًا بذنوبه ، وسأمارس عليه عنفًا باردًا وممنهجًا: التجاهل الذي يستند إلى علم دقيق ، والإيماءات القصيرة التي تحيل نعمة التفاصيل إلى موضة منقضية .
في رأسي مقابرٌ وأعراس ، بكاءٌ وضحك ، مديحٌ وشتائم ، في رأسي صوتٌ يقتل ، وصوتٌ يبكي ، وأفكارٌ تتناحر كأممٍ صغيرة فقدت السلام منذ زمنٍ بعيد ، هناك جرائم تُرتكب بصمت ، ووفياتٌ لا تشهدها أعين وإصابات لا يُعلن عنها ، في رأسي كل فكرةٍ تخرج جريحة ، وكل ذكرى تُدفن حيّة ، أُصادق بعض مخاوفي لأنها الوحيدة التي تفهمني ، وأقتل بعض آمالي لأنها تفضح هشاشتي ، هناك أُميت من أحب ، وأُبقي على من أكره ، لأن قلبي لا يعرف العدل ، في رأسي أُشيّع يوميًا فكرةً إلى مثواها الأخير ، وأُلقي بظنٍّ جديد ، هناك الموت أو الموت .
2
ستون ثانية ، هي كل ما أحتاجه لأُفصح لك عن كثافة هذا الحب ، عن انحسار العتمة من زوايا قلبي حين يضمني دفؤك ، وعن منافع حضورك التي لا تُعدّ ولا تُحصى ، في دقيقةٍ واحدة أستطيع أن أُحدثك عن جودة أيامي حين تجدد ولاء محبتك ، وعن الآثار الإيجابية التي يتركها عناقك في داخلي ، وفيها أستطيع أن أصف لك كيف تنبت في قلبي حدائق من الاطمئنان كلما اقتربت ، وكيف تُصبح المسافات بيننا قابلة للذوبان ، وأستطيع أيضًا أن أشرح لك أسباب سعادتي حين أراك ، ومواسم انطفائي حين تغيب ، فستون ثانية كافية لأخبرك عن أضرار غيابك التي لا تُرى بالعين ، لكن القلب يمرض تحت وطأتها .
1
أمضي في حياتي كسلحفاةٍ قررت أن تُلقي بنفسها في ماراثونٍ خُلق لغيرها ، أزحف بخطواتي الثقيلة كمن يحمل على ظهره ذاكرة الأرض كلها ، وأمشي في طريقٍ يركض فيه الجميع كأن الريح تهديهم خفةً لا تُمنح لي ، وأتابع زحفي رغم جفاف المسافة وقسوة الطريق ، مدركةً أن هذا الماراثون أطول مما ينبغي ، وأثقل مما أحتمل ، غير أنني أوقن بأن خطوةً صغيرة تُنتزع من بُطء الزمن أحق بالبطولة من قفزةٍ تُمنح بكرم الريح .
ليلة كهذه ، مُبللة بالاحتمالات ، ممتلئة بالسكينة ، صالحة لاختطافي ، أملك لنا ضياعًا فريدًا ، ضياعًا صنع لأجلنا ، ضياعًا لا يُراد الهرب منه ، بل البقاء فيه ، فالوقت موات ، والقلب مستعد ، وأعدك بأنني سأقبل حضورك قبلةً تلو أخرى ، حتى يتهالك الليل وينهض الفجر وهو يعرف أنني أمضيتُ ليلتي كلها أتعلم تفاصيلك من جديد .
قبيل نومي ، أختبر فكرة غيابك كما يُختبر الجرح قبل أن يُمسَّ حقيقةً ، وأسمح لخيالي أن يدفعني نحو الفكرة التي لا أطيقها: أنك لست هنا ، وأن الحياة تمضي من دونك ، وأترك المشهد يتسع حتى تغمر الدموع عينيّ ، وفي الدقائق الأخيرة قبل أن يطبق النوم جفونه عليّ ، أحاول فهم الدافع الذي يجرني إلى هذا المشهد كل ليلة: لماذا أستدعي الألم؟ ولماذا أجرب الغياب قبل أن يقع؟ ، ولا أجد جوابًا يقينًا ، سوى أنني أظن بومضةٍ تشبه البصيرة ، أنني أهيّئ نفسي لشيءٍ قد يطل من المستقبل .
كلما اقتربت منك ازدادت في داخلي قدرة غريبة على تبرير ما يجرحني ، فأحببتُ أذاك كما يُحب العاشق نصل السيف الذي يلمع بيد محبوبه ، لا أعلم كيف تصبح الطعنة منك لمسةً حنونة ، وكيف يصير الألم الذي يُتعب غيري راحتي ، فكل أذى يأتي منك أحتضنه ، أقربه ، وأضعه في الجهة الأشد دفئًا من صدري ، أنت وجعي المفضل ، وجرحي الذي لو خُيّرت بين شفائه وبقائه لآثرتُ بقاءه ، لأنك أنت مصدره ، وأنت آخر ما أريد أن أتخلى عنه .