وما أعجب أن تكون جريمتي ضدّك
امرأةٌ رقيقة الملمس ، تتفنّن في تحويل رقتها إلى سكينٍ يقطعك ببطء ، وإلى عذابٍ يلتف حولك .
امرأةٌ رقيقة الملمس ، تتفنّن في تحويل رقتها إلى سكينٍ يقطعك ببطء ، وإلى عذابٍ يلتف حولك .
كثيرًا ما حلمتُ بإنجازٍ يزلزل الأرض من حولي ، لا شهادة تُعلّق على الجدار ، ولا منصبٍ يتباهى به العابرون ، إنما جريمةٌ تُدوَّن لا كوصمةٍ ، بل كوسامٍ يسطع فوق صدري ، أردتُ أن أرتكب خطيئةً يتردّد صداها في الشوارع والجرائد والنشرات ، جريمةً تُصبح حديث المجالس ، وتغدو للرأي العام قضيةً كبرى ، حتى لا يُذكر اسمي بعدها إلا مقرونًا بالذهول ، تمنّيتُ أن تكون تلك الجريمة سقفًا أعلى من كل إنجازاتي المألوفة ، أن تُكتب أول سطرٍ في سيرتي الذاتية ، فأتقدّم بها بثقةٍ قائلة: "لقد صنعتُ من الفعل المارق أعظم إنجازاتي" ، وأيُّ جريمةٍ أبهى من أن أُدخل بها موسوعة "غينيس" لا بطول قامةٍ ولا بسرعة ركضٍ ، بل بأن أكون امرأةً رقيقة الملامح ، تمكنت من قتلك بأشنع الطرق وأعنفها عذابًا ، امرأةً جعلت من رهافتها خنجرًا مسنونًا ، ومن نعومتها سوطًا يلسعك ، وسيهمس الناس: "لقد تجاوزتْ حدود الإعجاز ، فجعلت من القسوة عملًا بطوليًّا" .
لم تعد لك منزلةٌ في خرائط وجداني ، فقد أسقطتُ اسمك من سجلاتي ، وطردتُ صورتك من مجال رؤيتي ، وإن أبصرتُ ظلال امرأةٍ تدنو من مدارك ، سأجعلك تحت ركام هذه الأرض .
أتنفس بين أنياب السمّ ، عالقة في قفصٍ ضيق الجدران وينضح بالسموم ، أمدّ يدي لأمزق القيود فلا أُمسك إلا بجرحٍ جديد ، وكل شهيقٍ هو معركة ، وكل زفيرٍ محاولةٌ للنجاة من هواء مسموم يندسّ إلى صدري بوقاحة ، وهذا السمّ ليس بعيدًا عني ، إنه يقطن قربي ، يلتصق بي كظلٍّ شرير ، يزحف في مسامي كأفعى باردة ، إنه يتخلّل هواء المكان الذي أُقيم فيه ، يندسّ في التفاصيل ، يترك سُمّه في عروقي دون إذن ، ولا أستطيع بتره ، ولا أملك أن أهجره دفعةً واحدة ، إنها معركةٌ يومية بيني وبين سمٍّ يجاورني ، ولا أملك رفاهية أن أُزيله ، لكنني أقاتل لأُبقيه خارج حدود روحي ، وأحمي داخلي من أن يتحول إلى مقبرة ، وأخرج من هذه المعركة كمن يزحف خارج ميدان حربٍ دامٍ ، مثقّلةً بالكدمات ، محاطةً بالدخان ، لكنني ما زلت حيّة ، ورغم كل بقعةٍ تخدش نافذة روحي ، تذكرني بأني قاومت ، وأنني رغم السموم التي تحاصرني ، لم أسمح لها أن تتعشّش في قلبي .
في كل مرةٍ تسألني ، وألوذُ بالصمت كأن الإجابات انزلقت من بين خُصلات شعري وأنا أُمشّطه ، كنتُ أعلم أنها لم تغب قط ، وكنتُ أُخفيها عنك كما يُخفى النصل في غمده ، إذ أعرف أن حروفها حادة ، تقطع ، وتُدمي ، وما كنتُ يومًا امرأةً تُسعدها مشاهدة الجروح ، ولا تُفتنها الدماء النازفة من صدور الآخرين ، لذا آثرتُ أن أبتسم ، وأدع الحقيقة تُهامسني سرًّا ، بينما تُخيَّل لك أنها ضاعت بين أسناني أو اختبأت في أطراف شعري .
أشعر وكأن في صدري نايًا مكسورًا ، وحين أمدُّ يدي لألتقط من اللغة ما يوازي هذا الزحام ، تتساقط الحروف هزيلة ، ولا تحتمل وزن المعنى ، فأبدو كمن يحاول أن يغترف البحر بكفٍّ مثقوبة .
نحن في سجنٍ متقن البناء ، والكل هنا متورط بشيءٍ ما ، فمنهم من يفاوض اللحظة الأخيرة على فسحةِ نجاة ، ومنهم أناسٌ يحملون خطاياهم كقناديل سوداء تتبعهم ظلالُها حتى في وضح النهار ، وآخرون يذوبون في قلبٍ متورِّمٍ بالعشق ، وهناك من يخدعون الدقائق على أن تبقى لهم حياة كاملة في ساعةٍ يتيمة ، إنه العالم : سجنٌ متأنّق ، والجميع هنا مُدانٌ بما هو عليه .
2
حاولتُ إنهاءي والتخلص مني بطرائق شتى وبأساليبٍ رحيمةٍ وأخرى عاصفة ، لكن هذه الحياة الموبوءة تتشبث بي ، وها أنا أتهيّأ الآن لأستجمع ما تبقى من عزيمتي لأنتزعك من روحي انتزاعًا أخيرًا ، أرجو أن يعقبه صمتٌ يساوي الموت في طمأنينته .
ربما حين تبتلع الشمس ظلال الأرض ، وتتحول الأزمنةُ إلى رمادٍ معلَّقٍ في فضاءٍ أخرس ، قد يجرؤ قلبك على ابتلاع الحب كلقمةٍ أخيرة في وليمة الكون ، لكنك لست من سلالة الخلود ، ولا شهابًا يقطع ملايين السنين ، بل كائنٌ محدود النفس ، يذوب عمرك مثل قطرة ندى أمام شمسٍ حارقة ، والحب الذي تتردّد في احتضانه ليس حدثًا كونيًا يحتاج ملايين السنين ، بل ومضةٌ تأتي في لحظة ، فإن لم تُدركها تذوب كما يذوب الثلج على حد الأصابع ، وأعلم أنّ القلوب التي تخشى الحب ، تخسر ما هو أخلد من الزمن :
"فرصة أن تكون حيًّا حقًا ، ولو لبرهة واحدة" .
"فرصة أن تكون حيًّا حقًا ، ولو لبرهة واحدة" .
كنتُ أعيشُ بسمعٍ مكسوٍّ بالغفلة ، لا أُصغي إلى وشوشةِ إذاعةٍ قديمةٍ تتناثر من مسجل جدتي ، ولا إلى راديو يثرثر في زحام المركبات ، حتى جئت أنت ، فانقلبت قوانينُ الحواس ، وأرهفتُ أذني حتى لارتجافةٍ خفيّةٍ في صدرك ، وأصغيتُ إلى تعبك قبل أن تنطق ، كنتُ كلما اقتربتُ منك أصيرُ أذنًا كاملةً وروحًا مُنصتة ، بينما أنت تمضي حولي ببرود قارئٍ لا يتعنى لفهم نصٍّ جليٍّ ماثل .
واليوم لا أرى في المرآة سوى موتٍ متكرر ، وجسدٍ ينهض صباحًا ليؤدي طقوس الحياة الرتيبة ، فيما هو في داخله جثّةٌ تُصفق للحياة كي لا يفضح أحدٌ رائحتها .
3
أنا امرأةٌ بارعة التقمص ، أخلعُ وأرتدي الملامح كما تشاء اللحظة ، أُوهمك بقلقٍ أموميٍّ وأنا نائمةٌ عند التاسعة ليلًا ، أُظهر لك حبًّا متأجّجًا ولا موطئ لك في فؤادي ، أُسقيك حنانًا متخيلًا بينما أختنق بثقل صوتك ، أمسح على حكاياتك كأمٍّ رؤوم وفي داخلي صمتٌ يزجر كل كلمةٍ زائدة ، امرأةٌ ممعنةٌ في فنّ الإيهام إلى حد أن تُصدق ما لا وجود له ، ثم تدفعك إلى العالم الآخر .
1
أَطْلال مُفردة.
امرأةٌ بارعة التقمص
يؤسفني أن تفهم أخيرًا أنني لست امرأةً واحدة ، بل طيفٌ من وجوهٍ تتناوب الأدوار .
3
لم أعد أريدك مسرحًا لأوجاعي ، ولا منصة أرمي بها فوضاي ، فلن أمارس عربدتي عليك ، ولن أُقحمك في متاهات عللي النفسية ، ولن أدرجك في قوائم ممتلكاتي ، كما أني لن أعلق على صدرك خرائب نفسي التي كنت أنت معمارها الأول ، ومع ذلك فإني اليوم لا أحمل عنفًا عليك ، ولا لك مرافئ في فؤادي ، غير أنك كنت السوط الذي أخمد صوتي ، والجدار الذي ارتطمت به كلما حاولت التعبير ، فأنت من أعدم حقي ، وسحق رغبتي في أن أكون حرّةً بك .