زاد الخـطــيــب الـــدعـــــوي📚
8.4K subscribers
5 photos
212 files
3.2K links
الـشـبـكـة الـدعـــويــة الـرائـــدة
المتخصصة بالخطـب والمحاضرات
🌧 سـاهـم بالنشـر تؤجـر بـإذن اللـّـه
•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•

للتواصل مع إدارة القناة
إضغط على الرابط التالي
@majd321
Download Telegram
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
*القناعة غنى القلب*
*وراحــــــة الـعـيــش*
*للشيخ/ عبدالله البعيجان*
🕌🕌🕌🕌🕌🕌🕌

*الخطبة الأولى:*
إن الحمد لِلَّهِ، نحمده ونستعينه، ونعوذ باللَّهِ من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِه اللَّهُ فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له. أشهد أن لا إله إلَّا اللَّهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، صلى اللَّهُ وسلم عليه وعلى آله وأصحابه.

أمَّا بعدُ: فاتقوا اللَّهَ عبادَ اللَّهِ ما استطعتُم؛ فإنَّه (مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا)[الطلاقِ: ٤]، و(يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا)[الطلاقِ: ٥]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آلِ عمرانَ: ١٠٢].

أيُّها المسلمون: إنَّ اللَّهَ -تعالى- خلَق الخلقَ بحكمته، وأوجَدَهم بقدرته، وأسبَغ عليهم نعمه، وأوسَع عليهم فضلَه، وتفرَّد -سبحانه- بالخلق والأمر، والتقدير والتدبير، وقسَم بين عباده الأرزاق، وفاوَت بينَهم في الآجال، وفاضَل بينَهم في الأحوال؛ فمن الناس مَنْ رضي بما قسم اللَّهُ له، فاطمأنَّ قلبه، وسكنت نفسه، وطاب عيشه، ومنهم مَن أطلق بصرَه إلى ما في أيدي الآخَرين، فاستولى عليه السخطُ، وأضناه الطمعُ، وأصبح فقيرَ القلب وإن كثُر مالُه.

أيُّها الناسُ: لقد قدَّر اللَّهُ المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض، وكتب الآجال والأرزاق، فلا ينال العبدُ إلَّا ما كُتِبَ له، ولا يفوته ما قدَّره اللَّهُ عليه.

فيا من ضاق صدره من قِلَّة المال، ويا من أثقلته هموم المعيشة، ويا من أرهق نفسه في ملاحَقة ما عند الناس: اطمئنَّ إلى تدبير ربكَ، وخذ بالأسباب المشروعة، ولا تُعلِّق قلبكَ بما لم يُكتب لكَ؛ فالرزق مقسوم، والأجل معلوم، (وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى)[الشورى: ٣٦].

عبادَ اللَّهِ: نعيش في زمن كثُرت فيه المغرِيات، وتعاظمت فيه المنافَسة على الدنيا، وأصبح كثير من الناس يقيسون سعادتهم بما يملكون، وقيمتَهم بما يلبسون، ومكانتَهم بما يَعرضون.

تتوالى الصُّوَر والمقاطع أمام الأعين، وقد تميل النفس إلى المقارَنات، فيرى المرء نعمة غيره، وينسى نِعَمَ اللَّهِ عليه، ويرى ما ينقصه، فيغفل عمَّا عنده.

وفي خِضَمِّ ذلك تعظم الحاجة إلى القناعة، وتظلُّ دائمًا أعظم كنز يملكه الإنسان؛ فهي الغنى الحقيقيّ الذي يُحقِّق السعادة والرضا وراحةَ البال؛ حيث تتوقَّف النفس عن المقارَنة بالآخَرين، وعن التسخُّط والحسد والجشع، وتعيش بسلام لا تهزُّه عواصف الحرص والطمع.

عبادَ اللَّهِ: القناعة هي الرضا بما قسم اللَّهُ، وعدم التطلُّع إلى ما في أيدي الناس، والاستغناء بالموجود، وترك التشوُّف إلى المفقود.

القناعة أن ترى نِعَمَ اللَّهِ عليكَ قبل أن تعدَّ ما ينقصك.

القناعة كنز عظيم من أفضل النعم، بها يطيب العيش، ويشعر المرء بالرضا والطمأنينة، بها تكون السعادة والفَلَاح، وتتنزَّل السكينة، بها يكون الرضا والإنصاف، ويكفي العفاف، ويُغني الكفاف. يقول النبي -صلى اللَّهُ عليه وسلم-: "قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ"(رواه مسلم).

القناعة نعمة من أجلِّ النعم، وفضيلة من أعظم الفضائل والقِيَم، دعا الإسلام إليها، ورغَّب فيها، وحثَّ عليها، وجعلها من أسباب الغنى الحقيقيّ، وطِيب العيش، وسلامة الصدر؛ فقد أوصى النبي -صلى اللَّهُ عليه وسلم- أبا هريرة فقال: "وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ".

فالغنى، عبادَ اللَّهِ، ليس بكثرة الممتلكات، ولا بزيادة الأرصدة والحسابات، ولا بتعدُّد الدُّور والمركَبات، وإنَّما الغنى غنى النفس؛ أن يستغني العبد بربه، وأن يرضى بما آتاه اللَّهُ، وألَّا يكون أسيرًا لما لم يُعطَ. يقول النبي -صلى اللَّهُ عليه وسلم-: "لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ"(مُتفَق عليه).

فيا عبادَ اللَّهِ: اطلبوا الغنى الذي لا يُسلَب، والكنز الذي لا يُنهَب، والنعمة التي لا تزول، اطلبوا القناعة وغنى النفس.

إِنَّ الْغَنِيَّ هُوَ الْغَنِيُّ بِنَفْسِهِ *** وَلَوَ انَّهُ عَارِي الْمَنَاكِبِ حَافِ
مَا كُلُّ مَا فَوْقَ الْبَسِيطَةِ كَافِيًا *** فَإِذَا قَنِعْتَ فَكُلُّ شَيْءٍ كَافِ

فما أحوجنا، عبادَ اللَّهِ، إلى قناعة تعيد إلى بيوتنا السكينة، وإلى قلوبنا الرضا والطمأنينة، وإلى علاقاتنا المحبة! فكم من بيت أفسدته المقارنات! وكم من أسرة أثقلتها الديون بسبب التنافس! وكم من قلب أضناه النظر إلى ما عند الناس!

يا من ينظر إلى ما عند غيره: انظر إلى ما أنعم اللَّهُ به عليك.

يا من يُعدِّد ما فَقَدَ: عدِّد ما عندك من النعم.

يا من تشتكي ضيق العيش: لا تنسَ أن أعظم النعم قلب سليم، وإيمان ثابت، وصحة وعافية، وأهل وأمن، ونعم لا يُحصيها العدُّ، ولا يستوفيها الشكر.
يا من يشتكي قِلَّة المال: تأمَّل كم من نعمة منَّ اللَّهُ عليك بها لا تُشترى بكنوز الدنيا.

يا من يُراقب أرزاق الناس: غُضَّ طرفك عن أموالهم، وانظر إلى فضل اللَّهِ عليك.

يا من يُقارن حياتَه بحياة غيره: لا تُقارن ظاهر حياتك بظاهر حياتهم؛ فإنك لا تعلم ما وراء الشاشات والأبواب.

يا مَنْ يريد أن يعيش سعيدًا: تعلَّم أن تقول من أعماق قلبك: الحمد لِلَّهِ على ما أعطى، والحمد لِلَّهِ على ما منع، والحمد لِلَّهِ على ما أبقى، والحمد لِلَّهِ على ما صرَف.

أيُّها المؤمنون: إن القناعة لا تعني ترك العمل، ولا ترك السعي في الرزق، ولا أن تتخلَّى عن الطموح، ولا أن تستسلم للعجز أو ترضى بالتقصير، بل تعني أن تعمل وتسعى، وقلبك مُعلَّق بربك، راضٍ بعد بذل الأسباب بما قسم اللَّهُ لك، لا يستعبدُكَ الطمعُ، ولا يُرهقكَ التطلُّعُ إلى ما عند الآخَرين.

فاجمعوا، عبادَ اللَّهِ، بين السعي والرضا، وبين الأخذ بالأسباب والتوكُّل على ربِّ الأرباب، واعلموا أن من جعل همَّه جمع الدنيا لم يشبع منها، وأن من جعل همَّه رضا اللَّهِ كفاه اللَّهُ ما أهمَّه.

نسأل اللَّهَ أن يرزقنا قلوبًا قانعةً، ونفوسًا راضيةً، وأرزاقًا طيبةً، وعيشًا هنيئًا.

أقول قولي هذا، وأستغفر اللَّهَ، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.



الخطبة الثانية:
الحمد لِلَّهِ على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه.

عبادَ اللَّهِ: إن اللَّهَ -تعالى- يبتلي عباده بالخير والشر امتحانًا لهم، قال -تعالى-: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ)[الأنبياءِ: ٣٥].

فالفقير مُمتَحَن بفقره وحاجته، والغني مُمتَحَن بغناه وثروته، وإن من أعظم ما يُنعِم اللَّهُ به على العبد أن يرزقه قلبًا قانعًا، ونفسًا راضيةً، فيشكر في الرخاء والسرَّاء، ويصبر في البأساء والضرَّاء.

فكلٌّ من الغني والفقير بحاجة إلى القناعة، وقناعة الغني أن يكون راضيًا شاكرًا، وقناعة الفقير أن يكون راضيًا صابرًا.

أيُّها الناسُ: القناعة علاج لأمراض النفوس وضغائنها؛ من الكراهية والغِلِّ والحسد، من الضغائن والأحقاد، من الجشع وذُلِّ الطمع، من التسخُّط والتشكِّي والتذمُّر، من الاضطراب والجزع والقلق، من الأحزان والغموم والهموم.

عبادَ اللَّهِ: القناعة خُلُق يُكتسَب، وفضيلة تُربَّى عليها النفس، وإن من أعظم ما يُعين على القناعة الإيمان بالقضاء والقَدَر، خيره وشره، حلوه ومُرِّه؛ فالمؤمن يعلم أن ربه حكيم في تقديره، رحيم بعِبادِه، وأن ما أصابه لم يكن ليُخطئه، وما أخطأه لم يكن ليُصيبه، و"عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ".

وممَّا يُعين على القناعة تدبُّر حكمة اللَّهِ في تفاوت أرزاق الناس ومراتبهم، حتَّى تحصل عمارة الأرض، ويتبادل الناس المنافع والمصالح؛ قال -تعالى-: (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)[الزخرفِ: ٣٢].

فليس لأحد أن يحسد غيره على ما آتاه اللَّهُ من فضله، بل عليه أن يرضى بقسمة ربه، ويسأله من فضله، ويبذل ما يستطيع من الأسباب المشروعة، ولن تموت نفس حتَّى تستكمل رزقها وأجلها، فأجمِلوا في الطلب.

وممَّا يُعين على القناعة الاقتصاد في المعيشة، والاعتدال في الإنفاق، وعدم الإسراف والتبذير، قال -تعالى-: (وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا)[الإسراءِ: ٢٦-٢٧].

وبعد، عبادَ اللَّهِ: فرفقًا بالضعفاء والمساكين، رفقًا بالفقراء والمحتاجين، صونوا النعم عن المباهاة والاستعراض والتصوير، ولا تجعلوها سببًا في كسر قلوب إخوانكم وإضعاف القناعة لديهم؛ فإن من النعم ما يكون شكرُها في سترها.

وإن من المؤسف في زماننا أن يعمد بعضُ الناس إلى تصوير ما أنعم اللَّهُ به عليه من ملبس ومأكل ومشرب وسفر ومسكن ومركب، ثم يبثُّه للناس عبر وسائل التواصُل، وكأن النعمة لا تكتمل إلَّا إذا رآها الآخَرون. فما كل ما تملكه يَحسُن بكَ أن تُظهره، ولا كل ما تستطيع أن تفعله ينبغي أن تعرضه على الناس؛ فإن وراء الشاشات نفوسًا قد تغفل عن القناعة، فتفتح باب المقارنة، وقد تكون محتاجة إلى الضروريات، وأنت تستعرض الكماليات، فتُوجعها الحسرةُ، ويؤلمها العجز، وتثور الغيرة؛ فربَّ إنسان يرى ما عند غيره، وليس في يده ما يبلغ به ما يراه، فيعود إلى بيته مكسورًا وقلبه مُثقَل بالحسرة، وربَّ فقير يرى من النعيم ما لا يقدر عليه، وربَّ محروم يرى ما يتمنَّى ولا يجد سبيلًا إليه، وربَّ أب يعجز عن أن يُوفِّر لأبنائه
بعض ما يراه عند أبناء الناس.

فاتقوا اللَّهَ، عبادَ اللَّهِ، واحفظوا نعم اللَّهِ بالشكر، واحفظوا قلوب عباده بالرحمة، واعلموا أن من كمال المروءة أن تفرح بما أنعَم اللَّهُ عليكَ دونَ أن تجعل من فرحكَ سببًا لحزن غيركَ، ومن سعادتكَ سببًا لحسرة فقير، ومن نعمتك سببًا لزوال قناعة مسلم.

فيا مَنْ وسَّع اللَّهُ عليكَ: اشكر اللَّهَ، وأَطعِم من جاع، وأعطِ مَنْ حُرِم، وأدخل السرور على محتاج.

وإذا أردتَ أن تُظهر نعمة اللَّهِ عليك، فأظهر أثرها في صدقتك، وفي بِرِّكَ وإحسانكَ وصلتكَ، مع إخلاصكَ لربكَ، لا في صورة تُرهق قلوب الآخَرين.

فاستروا، عبادَ اللَّهِ، من نعم اللَّهِ ما يكون ستره أرفق بقلوب إخوانكم، وأبعد عن المباهاة، وأعون على القناعة.

اللهمَّ قنِّعنا بما رزقتنا، وبارك لنا فيه.
اللهمَّ أَغنِنا بحلالكَ عن حرامكَ، وبفضلكَ عمَّن سواكَ.
اللهمَّ اجعلنا لكَ ذاكرينَ، ولنعمكَ شاكرينَ.
اللهمَّ لا تجعل الدنيا أكبر همِّنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تَكِلْنا إلى أنفسنا طرفة عين.
اللهمَّ حبِّب إلينا الإيمان، وزيِّنه في قلوبنا، وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين.
اللهمَّ أعزَّ الإسلام والمسلمين، وانصر عبادكَ الموحِّدين، واجعل اللهمَّ هذا البلد آمنًا مطمئنًّا وسائرَ بلاد المسلمين.

اللهمَّ أَصلِح أحوالَ المسلمين، وأَصلِح ذاتَ بينهم، واجمع كلمتَهم على الحق، يا ربَّ العالمين.

اللهمَّ تقبَّل منا إنك أنت السميع العليم، وتُب علينا إنك أنت التوَّاب الرحيم.

اللهمَّ صلِّ وسلِّم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

*نشر العلم صدقة جارية فأعد نشرها*
*ولا تبخل على نفسك بالأجـر العظيم*
=======================
ـــــــ🕋 زاد.الـخـطــيــب.tt 🕋ــــــــ
منــبرالحكـمــةوالمـوعـظـةالحســنـة.tt
رابط التليجرام👈 t.me/ZADI2
للإشتراك بشبكة زاد الخطيب الدعوي
ارسل.اسمك.للرقم.730155153.tt
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
*نبأ وفاة النبي ﷺ*
*للشيخ/ عبدالله الرحيلي*
🕌🕌🕌🕌🕌🕌🕌

الخُطْبَةُ الأُولَى:
إن الحمد لله, نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله, صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه, وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد: فاتقوا الله حق التقوى، واذكروا سيرة نبيِّكم -صلى الله عليه وسلم- الرسولِ المصطفى؛ تسعدوا في الآخرة والأولى.

عباد الله: نبأ عظيم، وخطب جليل، مليءٌ بالآيات والعبر، فيه موعظة ومُدَّكر؛ إنه المصيبةُ العظمى، والفاجعةُ الكبرى، إنه نبأُ وفاةِ خير البشر -صلى الله عليه وسلم-.

عباد الله: لما كان أواخر شهر صفر من العام الحادي عشر, ابتدأ نبيَّنا -صلى الله عليه وسلم- وجعٌ شديد، أحسَّ بصُداع في رأسه، ثم حرارةٌ متَّقِدةٌ، كانوا يجدون شدّتها فوقَ اللحاف, و"لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- وَاشْتَدَّ بِهِ وَجَعُهُ.. اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِ عائشة فَأَذِنَّ لَهُ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- بَيْنَ رَجُلَيْنِ تَخُطُّ رِجْلَاهُ فِي الأَرْضِ".

وفي يومِ الأربعاء، قبل خمسة أيامٍ من وفاتِه -صلى الله عليه وسلم-, اشتد عليه وجعه فأمر أن يُصبّ عليه سبعُ قِرَب من الماء، ثم خرج إلى الناس فصلّى بهم وخَطَبهم, وكان مما قال: "إن عبدا خيَّره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده؛ فاختار ما عنده", فبكى أبو بكر -رضي الله عنه- وقال: "فديناك بآبائنا وأمهاتنا".

فَعَجِب الصحابة لجواب أبي بكر -رضي الله عنه-، فَكانَ رَسولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- هو المُخَيَّرَ، وكانَ أبو بَكْرٍ أعْلَمَ الناس به, فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : "لا تبكِ يا أبا بكر!؛ إن أمنَّ الناسِ عليَّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً؛ ولكن أخوةُ الإسلام ومودتُه".

في تلك الأيام العصيبة: دَعَا النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- فَاطِمَةَ ابْنتَهُ -رضي الله عنها- فِي مرضه، فَسَارَّهَا بِشَيْءٍ فَبَكَتْ، ثُمَّ دَعَاهَا فَسَارَّهَا فَضَحِكَتْ، قَالَتْ فاطمة -رضي الله عنهه- بعد ذلك: "سَارَّني النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ يُقْبَضُ فِي وَجَعِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ فَبَكَيْتُ، ثُمَّ سَارَّني فَأَخْبَرَنِي أَنِّي أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِهِ أَتْبَعُهُ فَضَحِكْتُ".

ومع شدِّةِ مرضِه كان يخرجُ يصلي بالناسِ، حتى جاء يوم صلى بهم المغرب، وعند العشاء اشتد عليه الوجع؛ فَقَالَ: "أَصَلَّى النَّاسُ؟", قالوا: لَا، هُمْ يَنتظِرُونَكَ, فقَالَ -صلى الله عليه وسلم-: "ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ", فَاغتَسَل فَذَهَبَ لِيَنُوءَ؛ فَأُغمِيَ عَليْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ "أَصَلَّى النَّاسُ؟", قالوا: لَا، هُمْ يَنتظِرُونَكَ, فقَالَ -صلى الله عليه وسلم-: "ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ", فَاغتَسَل فَذَهَبَ لِيَنُوءَ؛ فَأُغمِيَ عَليْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ "أَصَلَّى النَّاسُ؟", قالوا: لَا، هُمْ يَنتظِرُونَكَ, فقَالَ -صلى الله عليه وسلم-: "ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ", فَاغتَسَل فَذَهَبَ لِيَنُوءَ؛ فَأُغمِيَ عَليْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ "أَصَلَّى النَّاسُ؟", قالوا: لَا، هُمْ يَنتظِرُونَكَ.

وَالنَّاسُ عُكُوفٌ فِي الْمَسْجِدِ يَنتظِرُونَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم-، فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ, فصلى بهم أبو بكر ما بقيَ من الصلواتِ في حياةِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-

وَيَثْقُلُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- وَيَهُمُّهُ أَمْرُ صَلَاةِ الْمُسْلِمِينَ, ففي أثناء تلك الأيام العصيبة وجدَ -صلى الله عليه وسلم- من نفسِه خِفّة، "فخرجَ بين رجلين لصلاةِ الظهر، وأبو بكر يصلي بالناس، فلما رآه أبو بكر ذهبَ ليتأخَّر، فأومأَ إليه النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- ألا تأخَّرَ، فجلس جنبَ أبي بكر، فجعل أبو بكر يصلي بصلاةِ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-, والناسُ يصلون بصلاةِ أبي بكر، والنبيُّ -صلى الله عليه وسلم- قاعدٌ", واستمر المرضُ بالنبي -صلى الله عليه وسلم- .

وفي فجرِ يومِ الاثنين، الثاني عشر من ربيع الأولِ، أقبل المؤمنون إلى مسجدِ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-, واصطفوا لصلاتهم خلفَ أبي بكر -رضي الله عنه-، فبيْنَا هم كذلك رفع رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- السِّترَ المضروبَ على منزلِ عائشةَ -رضي الله عنها-، وبرزَ للناسِ، وَهُوَ قَائِمٌ كَأَنَّ وَجْهَهُ القمر، ثُمَّ تَبَسَّمَ فرِحاً بهم, فكاد المسلمون يفتتنون في صلاتِهم؛ ابتهاجاً برؤيتِه -صلى الله عليه وسلم-, فأخذوا يُفسِّحون له مكاناً، فأشار بيده أن اثبتوا على صلاتِكم.
قال أنس -رضي الله عنه-: "ما رأيت رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- أحسنَ هيئةً منه في تلك الساعة"، ثم رجعَ وأرخى السِّترَ, وكانت آخرَ نظرة نظرها إليهم, وانصرفَ الناسُ، وهم يظنون أن رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قد أفاقَ من وجعِه وبرأَ.

وجاءت ساعة الاحتضار، ودنا الموت وأزِف الارتحال, اشتدَّ المرضُ عليه -صلى الله عليه وسلم- في صباح يوم الاثنين، فكَانَ آخِرَ يَوْمٍ له مِنَ الدُّنْيَا، وَأوَّلَ يَوْمٍ مِنَ الآخِرَةِ, فأخذ يطرحُ خميصةً له على وجهِه، فإذا اغتمَّ كشفَها عن وجهِهِ، فقال منوِّها بالتوحيد داعيا إليه: "لعنةُ الله على اليهودِ والنصارى؛ اتخذوا قبورَ أنبيائِهم مساجدَ، يحذِّرُ ما صَنعوا", وكان يقولُ: "اللهمَّ أعنِّي على سَكَراتِ الموتِ".

ثم أوصى الأمة بقُرِّة عينها، فأخذ يردِّدُ وهو في تلك الحالِ: "الصلاةَ، الصلاةَ, وما ملكت أيمانُكم", قال أنسٌ: "حتى جعلَ يغرغرُ بها في صدرِهِ، وما يَفيضُ بها لسانُه", فكيف أنتم -أيها المؤمنون- مع صلتكم بربكم؟, وهل عملتم بوصية نبيكم -صلى الله عليه وسلم-؟.

كان نبينا -صلى الله عليه وسلم- مستنداً إلى صدر عائشة -رضي الله عنها-, وعنده عُلبة فيها ماء، فجعل يُدْخِل يده في الماء ثم يمسح بها وجهه ويقول: "لا إله إلا الله! إن للموت لسكرات".

فلما ثقُلَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جعَلَ يتغشَّاه الكربُ، فقالت فاطمةُ -رضي الله عنها- لما رأت ما نزلَ بأبيها: "وا كربَ أبتاه"، فقال -صلى الله عليه وسلم-: "ليس على أبيك كربٌ بعدَ اليومِ".

فلما ارتفع ضحى ذلك اليومِ نُزلَ برسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-, فأسندته عائشةُ -رضي الله عنها- إلى صدرِها, فلما حضره القبض غُشي عليه، حتى إذا أفاق شَخَصَ بصرُه نحو سقف البيت, ثم قال: "اللهم اغفر لي، وارحمني، وأَلْحِقْنِي بالرفيق الأعلى", "مَعَ الذينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا", قالت عائشة: فكان آخر كلمة تكلم بها: "اللهم الرفيق الأعلى", ثم قضى رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-, وَمَالَتْ يَدُهُ.

نعم! مَاتَ رَسُولُ اللهِ، مَاتَ خَيرُ خَلقِ اللهِ، مَات إِمَامُ النَّبِيِّينَ وَسَيِّدُ المُرسَلِينَ؛ مات وقد بلغ البلاغ المبين.

فأخذت فاطمة تبكي عندما مات وتقول: "يا أبتاه! أجاب رباً دعاه, يا أبتاه! مِنْ رَبِّهِ مَا أَدْنَاهُ, يا أبتاه! مَن جنة الفردوس مأواه, يا أبتاه! إلى جبريل ننعاه".

وتسرَّب النبأُ العظيمُ، وأظلمت على أهلِ المدينةِ أرجاؤُها وآفاقُها، قال أنس -رضي الله عنه- : "فما رأيتُ يوماً قط، أحسنَ ولا أضوأَ من يومٍ دخلَ علينا فيه رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-, وما رأيتُ يوماً كان أقبحَ ولا أظلمَ من يومٍ ماتَ فيه رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-".

فضجَّت المدينةُ بالبكاءِ، وكان موتُه -صلى الله عليه وسلم- قاصمةَ الظهرِ، ومصيبةَ العمرِ، اشتدت الرزيةُ بموتِه، وعظُمَ الخطبُ، وجلَّ الأمرُ، وأصيب المسلمون بنبيِّهم -صلى الله عليه وسلم-, فمنهم من دُهِشَ وصُعق، ومنهم من أُقعدَ فلم يُطِق القيامَ، ومنهم من اعتُقل لسانُه فلم يطق الكلامَ، ومنهم من أنكر ذلك بالكلية.

إذ قام عمر -رضي الله عنه- في الناس، وقال: "والله ما مات رسول الله!, وليبعثنَّه الله, فلَيُقَطِعَنَّ أيديَ رجالٍ وأرجلَهم", وماجَ الناسُ واضطربوا

فجاء أبو بكر على فرس، فنزل، فدخل المسجد، فلم يكلم الناس، فأتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو مُغشَّى بثوب، فكشف عن وجهه، فَقَالَ: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَيِّتونَ)[الزمر: 30], ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ وَبَكَى، ثُمَّ قَالَ: "بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، وَاللهِ لَا يَجْمَعُ اللهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ، أَمَّا الْمَوْتَةُ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْكَ، فَقَدْ مُتَّهَا", ثم أكَبَّ عليه فقبَّل رأسه، وبكى, ثم قال: "وا نبيّاه!"
ثم قبَّله أخرى ثم قال: "وا صفيّاه!", ثم قبَّله ثالثة وقال: "وا خليلاه! مات رسول الله!".

ثم خرجَ -رضي الله عنه- والناسُ في أمرٍ مريجٍ، وعمرُ يكلمُ الناسَ، فقال أبو بكر: "اجلس يا عمرُ"، فأبى -رضي الله عنه-، فتشهدَ أبو بكر -رضي الله عنه-، فأقبلَ الناسُ إليه وتركوا عمرَ, فقال أبو بكر: "أما بعدُ: فمن كان يعبدُ محمداً؛ فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد اللهَ؛ فإن اللهَ حيٌّ لا يموت، قال الله -تعالى-: (وَما مُحَمَّدٌ إِلّا رَسولٌ قَد خَلَت مِن قَبلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن ماتَ أَو قُتِلَ انقَلَبتُم عَلى أَعقابِكُم وَمَن يَنقَلِب عَلى عَقِبَيهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيئًا وَسَيَجزِي اللَّهُ الشّاكِرينَ)[آل عمران: 144]".
فلما سمِعَ الناسُ ذلك من أبي بكرٍ علموا أن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قد ماتَ، وكأنهم لم يعلموا من شدةِ ما أصابهم أن اللهَ أنزل هذه الآيةَ، حتى تلاها أبو بكر -رضي الله عنه-, قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "فما أسمعُ بشراً من الناسِ إلا يتلوها", قال عمر: "والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها، فعُقِرتُ حتى ما تقلني رجلاي، وحتى أني أهويتُ إلى الأرض، وعرفتُ حين تلاها أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد مات".

فما لبثَ الصحابةُ -رضي الله عنهم- أن اجتمعوا على أبي بكرٍ -رضي الله عنه-، وبايعوه بالخلافةِ قبلَ أن يدفنوا رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-.

وفي يومِ الثلاثاءِ اليومِ التالي لموتِه -صلى الله عليه وسلم- غُسِّل وكفِّن وصُّلي عليه، ثم دُفن في مكانه الذي توفي فيه, ولما دُفِنَ قالت فاطمة: "يا أنس! أطابَتْ نفوسُكُم أن تحثوا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- التراب؟!".

عباد الله: لقد خيَّم الخوفُ الأرجاء، فكان ذلك اليومُ يومَ حزن وبكاء، حتى قال أبو ذؤيب الهذلي: "قدِمتُ المدينة ولأهلها ضجيج بالبكاء, كضجيج الحجيج أهَلُّوا جميعاً بالإحرام"، فقلت: مَهْ! فقالوا: "قُبِض رسول الله -صلى الله عليه وسلم-".

وقال عثمان -رضي الله عنه-: "توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فحزن عليه رجال من أصحابه, حتى كاد بعضهم يوسوس، فكنت ممن حزن عليه، فبينما أنا جالس إذ مر بي عمر فسلم عليَّ، فلم أشعر به من الحزن".

إنه مُصاب تهون معه جميع المصيبات؛ كانت تتألم من مفارقته -صلى الله عليه وسلم- الجمادات! فكيف بقلوب المؤمنين والمؤمنات؟!.

اللهم فَصَلِّ وسلِّم عليه صلاة وسلاماً دائمين إلى يوم الدين، اللهم احشرنا في زمرته، واسقنا من حوضه، وأقِرَّ عيوننا في الجنة برؤيته، برحمتك يا أرحم الراحمين.

باركَ اللهُ لي ولكم في القرآنِ العظيمِ، ونفعني وإيَّاكم بما فيهِ من الآياتِ والعظاتِ والذكْرِ الحكيمِ، فاستغفروا اللهَ إنَّه هو الغفورُ الرحيمُ.


 

الخطبة الثانية:
الحمدُ للهِ العزيز الغفار, كَتَبَ الفَنَاءَ على أَهلِ هذه الدَّارِ، وجعلَ الآخرةَ دَارَ القرارِ، وصلَّى الله وسلَّم على النبي المُصطفى الْمُختَار، وعلى آلهِ وأصحابِه الأخيارِ, اللهمَّ إنِّا نشهدُ أنَّه بلَّغَ الرِّسالةَ، وأدَّى الأمانَةَ.

جزى اللهُ عنَّا كُلَّ خيرٍ مُحمَّداً *** فقد كَانَ مَهديَّاً وقد كانَ هَادِيَاً

لم يزل -صلى الله عليه وسلم- موصيا وناصحا لأمته, حتى وهو في سكرات الموت وشدته؛ (لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ)[التوبة: 128].

كان نبيكم -صلى الله عليه وسلم- يَجودُ بِنَفْسِهِ وينادي: "الصَّلاةَ الصَّلاة", فَمَا بَالُ كَثِيرٍ مِن الناس عن صلاتِهم ساهونَ, وفي غيِّهم ولهوهم سادرون؟!؛ (أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ)[المطففين: 4].

عباد الله : صلُّوا وسلِّموا -رعاكم الله- على محمد بن عبد الله؛ كما أمركم الله بذلك في كتابه، فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً)
وقال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى الله عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا".

اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد
وارضَ اللهمَّ عن الخلفاء الراشدين؛ أبى بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعلي، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين

اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واحمي حوزة الدين يا رب العالمين
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتبع رضاك يا رب العالمين
اللهم اشف مرضانا، وعاف مبتلانا، وارحم موتانا يا رب العالمين

اللهم بارك لمن حَضَرَ معنا صلاتنا هذه في علمه وعمره وعمله، وبارك له في بدنه وصحته وعافيته، وبارك له في أهله وولده، وبارك له في ماله ورزقه، واجعله يا ربنا مباركًا موفقًا مسددًا أينما حَلَّ أو ارتحل
اللّهم آت نفوسنا تقواها، زكِّها أنت خير من زكاها، أنت وليُّها ومولاها
اللّهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، والموت راحةً لنا من كل شر
اللّهم اغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات
ربنا إن ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار

عِبَادَ الله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) ، فَاذْكُرُوا اللهَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوْهُ على نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

*نشر العلم صدقة جارية فأعد نشرها*
*ولا تبخل على نفسك بالأجـر العظيم*
=======================
ـــــــ🕋 زاد.الـخـطــيــب.tt 🕋ــــــــ
منــبرالحكـمــةوالمـوعـظـةالحســنـة.tt
رابط التليجرام👈 t.me/ZADI2
للإشتراك بشبكة زاد الخطيب الدعوي
ارسل.اسمك.للرقم.730155153.tt
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
*الصبر على أقدار الله*
*للشيخ/ عبدالمحسن القاسم*
🕌🕌🕌🕌🕌🕌🕌

*الخطبة الأولى:*
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون)
(يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا)
(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيماً)

أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

أيها المسلمون، لقد قدر الله مقادير الخلائق وآجالهم، ونسخ آثارهم وأعمالهم، وقسم بينهم معايشهم وأموالهم، وخلق الموت والحياة ليبلوهم أيهم أحسن عملاً. والإيمان بقضاء الله وقدره ركن من أركان الإيمان، وما في الأرض من حركة أو سكون إلا بمشيئة الله وإرادته، وما في الكون كائن بتقدير الله وإيجاده. والدنيا طافحة بالأنكاد والأكدار، مطبوعة على المشاق والأهوال، والعوارضُ والمحنُ فيها هي كالحر والبرد لا بد للعبد منها، (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْء مّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مّنَ الأمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشّرِ الصَّـابِرِينَ) [البقرة:155]، والقواطع محن يتبين بها الصادق من الكاذب، (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ) [العنكبوت:20]

والنفس لا تزكو إلا بالتمحيص، والبلايا تُظهر الرجال، يقول ابن الجوزي: "من أراد أن تدوم له السلامة والعافية من غير بلاء فما عرف التكليف ولا أدرك التسليم".

ولا بد من حصول الألم لكل نفس، سواء آمنت أم كفرت، والحياة مبنية على المشاق وركوب الأخطار، ولا يطمع أحد أن يخلص من المحنة والألم، والمرء يتقلب في زمانه في تحول من النعم واستقبال للمحن.

آدم عليه السلام سجدت له الملائكة، ثم بعد بُرهة يُخرج من الجنة. وما الابتلاء إلا عكس المقاصد وخلاف الأماني، والكل حتم يُتجرّع مرارته، ولكن ما بين مقِلٍّ ومستكثر، يُبتلى المؤمن ليهذَّب لا ليعذَّب، فتن في السراء، ومحن في الضراء، (وَبَلَوْنَـاهُمْ بِالْحَسَنَـاتِ وَالسَّيّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) [الأعراف:168]

والمكروه قد يأتي بالمحبوب، والمرغوب قد يأتي بالمكروه، فلا تأمن أن توافيك المضرة من جانب المسرة، ولا تيأس أن تأتيك المسرة من جانب المضرة، قال عز وجل: (وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) [البقرة:216].

فوطّن نفسك على المصائب قبل وقوعها، ليهن عليك وقعها، ولا تجزع بالمصائب، فللبلايا أمد محدود عند الله، ولا تسخط بالمقال، فرب كلمة جرى بها اللسان هلك بها الإنسان، والمؤمن الحازم يثبت للعظائم، ولا يتغير فؤاده ولا ينطق بالشكوى لسانه، وخفف المصاب على نفسك بوعد الأجر وتسهيل الأمر، لتذهب المحن بلا شكوى، وما زال العقلاء يظهرون التجلد عند المصاب لئلا يتحملوا مع النوائب شماتة الأعداء، والمصيبة إن بدت لعدوّ سُرَّ واستبشر بها، وكتمان المصائب والأوجاع من شيم النبلاء، فصابر هجير البلاء، فما أسرع زواله، وغاية الأمر صبر أيام قلائل، وما هلك الهالكون إلا من نفاد الجَلَد، والصابرون مجزيون بخير الثواب، (وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) [النحل:96]، وأجورهم مضاعفة، (أُوْلَـئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ) [القصص:54]

بل وبغير حساب، والله معهم، والنصر والفرج معلق بصبرهم، وما منعك ربك ـ أيها المبتلى ـ إلا لتعطى، ولا ابتلاك إلا لتعافى، ولا امتحنك إلا لتصَفَّى، يبتلي بالنعم، وينعم بالبلاء، فلا تضيّع زمانك بهمّك بما ضمن لك من الرزق، فما دام الأجل باقياً كان الرزق آتيا، قال تعالى: (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) [هود:6]، وإذا أغلق عليك بحكمته طريقاً من طرقه فتح لك برحمته طريقاً أنفع لك منه.

بالابتلاء يُرفع شأن الأخيار، ويعظم أجر الأبرار، يقول سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاءٌ؟ قال: ((الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه، وإن كان في دينه رقة خفف عنه، وما يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة)) رواه البخاري.
وطريق الابتلاء معبر شاق، تعب فيه آدم، ورمي في النار الخليل، وأضجِع للذبح إسماعيل، وألقي في بطن الحوت يونس، وقاسى الضر أيوب، وبيع بثمن بخس يوسف، وألقي في الجب إفكاً، وفي السجن ظلماً، وعالج أنواع الأذى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وأنت على سنة الابتلاء سائر، والدنيا لم تصفُ لأحد، ولو نال منها ما عساه أن ينال، يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: ((من يرد الله به خيراً يصب منه)) رواه البخاري.

قال بعض أهل العلم: من خلقه الله للجنة لم تزل تأتيه المكاره، والمصيبة حقاً إنما هي المصيبة في الدين، وما سواها من المصائب فهي عافية، فيها رفع الدرجات، وحط السيئات، وكل نعمة لا تُقرّب من الله فهي بلية، والمصاب من حُرِم الثواب، فلا تأس على ما فاتك من الدنيا، فنوازلها أحداث، وأحاديثها غموم، وطوارقها هموم، الناس معذبون فيها على قدر هممهم بها، الفرح بها هو عين المحزون عليه، آلامها متولدة من لذاتها، وأحزانها من أفراحها، يقول أبو الدرداء رضي الله عنه: (من هوان الدنيا على الله أنه لا يُعصى إلا فيها، ولا ينال ما عنده إلا بتركها).

فتشاغل بما هو أنفع لك من حصول ما فاتك، من رفع خلل، أو اعتذار عن زلل، أو وقوف على الباب إلى رب الأرباب، وتلمّح سرعة زوال بليتك تهن، فلولا كرب الشدة ما رُجيت سعة الراحة، وأجمع اليأس مما في أيدي الناس تكن أغناهم، ولا تقنط فتُخذل، وتذكر كثرة نعم الله عليك، وادفع الحزن بالرضا بمحتوم القضا، فطول الليل وإن تناهى فالصبح له انفلاج، وآخر الهم أول الفرج، والدهر لا يبقى على حال، بل كل أمر بعده أمر، وما من شدة إلا ستهون، ولا تيأس وإن تضايقت الكروب، فلن يغلب عسر يسرين، واضرع إلى الله يزهو نحوك الفرج، وما تجرّع كأس الصبر معتصم بالله إلا أتاه المخرج، يعقوب عليه السلام لما فقد ولداً وطال عليه الأمد، لم ييأس من الفرج، ولما أُخد ولده الآخر لم ينقطع أمله من الواحد الأحد، بل قال: (عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا) [يوسف:83].

وربنا وحده له الحمد، وإليه المشتكى، فإذا تكالبت عليك الأيام، وأغلقت في وجهك المسالك والدروب، فلا ترجُ إلا الله في رفع مصيبتك ودفع بليتك، وإذا ليلة اختلط ظلامها، وأرخى الليل سربال سترها، قلب وجهك في ظلمات الليل في السماء، وارفع أكف الضراعة، وناد الكريم أن يفرج كربك، ويسهل أمرك، وإذا قوي الرجاء، وجمع القلب في الدعاء لم يرد النداء، (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوء) [النمل:62]، وتوكل على القدير، والجأ إليه بقلب خاشع ذليل يفتح لك الباب، يقول الفضيل بن عياض: "لو يئست من الخلق لا تريد منهم شيئاً لأعطاك مولاك كل ما تريد".

إبراهيم عليه السلام ترك هاجر وابنه إسماعيل بواد لا زرع فيه ولا ماء، فإذا هو نبيٌ يأمر أهله بالصلاة والزكاة، ومضى يونس مجرداً في العراء، ومن فوّض أمره إلى مولاه حاز مناه، وأكثر من دعوة ذي النون: (لاَّ إِلَـاهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَـانَكَ إِنّى كُنتُ مِنَ الظَّـالِمِينَ) [الأنبياء:87]، يقول العلماء: ما دعا بها مكروب إلا فرج الله كربه، يقول ابن القيم: "وقد جُرب أن من قال: (أَنّى مَسَّنِىَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) [الأنبياء:83]، سبع مرات كشف الله ضره"، فألقِ كنفك بين يدي الله، وعلّق رجاءك به، وسلِّم الأمر للرحيم، واسأله الفرج، واقطع العلائق عن الخلائق، وتحرّ أوقات الإجابة، كالسجود وآخر الليل، وإياك أن تستطيل زمن البلاء، وتضجر من كثرة الدعاء، فإنك مبتلى بالبلاء، متعبَّد بالصبر والدعاء، ولا تيأس من روح الله وإن طال البلاء، فالفرج قريب، وسل فاتح الأبواب فهو الكريم، (وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرّ فَلاَ كَـاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ) [يونس:107]، وهو الفعال لما يريد.

بلغ زكريا عليه السلام من الكبر عتيا، ثم وُهب بسيد من فضلاء البشر وأنبيائهم، وإبراهيم بُشر بولد وامرأته تقول بعد يأس من حالها: (ءأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـاذَا بَعْلِى شَيْخًا) [هود:72]، وإن استبطأت الرزق فأكثر من التوبة والاستغفار، فإن الزلل يوجب العقوبة، وإذا لم تر للإجابة أثراً فتفقد أمرك، فربما لم تصدق توبتك فصححها، ثم أقبل على الدعاء، فلا أعظم جوداً ولا أسمح يداً من الجواد، وتفقد ذوي المسكنة، فالصدقة ترفع وتدفع البلاء، وإذا كشفت عنك المحنة فأكثر من الحمد والثناء، واعلم أن الاغترار بالسلامة من أعظم المحن، فإن العقوبة قد تتأخر، والعاقل من تلمَّح العواقب، فأيقن دوماً بقدر الله وخلقه وتدبيره، واصبر على بلائه وحكمه، واستسلم لأمره.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَـانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) [التوبة:51].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه ثم توبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً مزيداً. أما بعد:

أيها المسلمون، الأحوال لا تثبت على حال، والسعيد من لازم التقوى، إن استغنى زانته، وإن افتقر أغنته، وإن ابتلي جملته، فلازم التقوى في كل حال، فإنك لا ترى في الضيق إلا السعة، ولا في المرض إلا العافية، ولا في الفقر إلى الغنى، والمقدور لا حيلة في دفعه، وما لم يُقدّر لا حيلة في تحصيله، والرضا والتوكل يكتنفان المقدور، والله هو المتفرد بالاختيار والتدبير، وتدبيره لعبده خير من تدبير العبد لنفسه، وهو أرحم به منه بنفسه، يقول داود بن سليمان رحمه الله: "يستدل على تقوى المؤمن بثلاث: حسن التوكل فيما لم ينل، وحسن الرضا فيما قد نال، وحسن الصبر فيما قد فات"، ومن رضي باختيار الله أصابه القدر وهو محمود مشكور ملطوف به، وإلا جرى عليه القدر وهو مذموم غير ملطوف به، ومع هذا فلا خروج عما قُدّر عليك.

قيل لبعض الحكماء: ما الغنى؟ قال: قلة تمنيك، ورضاك بما يكفيك.

يقول شريح رحمه الله: "ما أصيب عبد بمصيبة إلا كان له فيها ثلاث نعم: أنها لم تكن في دينه، وأنها لم تكن أعظم مما كانت، وأن الله رزقه الصبر عليها إذ صبر".

عباد الله : صلُّوا وسلِّموا -رعاكم الله- على محمد بن عبد الله؛ كما أمركم الله بذلك في كتابه، فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً)
وقال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى الله عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا".
اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد
وارضَ اللهمَّ عن الخلفاء الراشدين؛ أبى بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعلي، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين

اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واحمي حوزة الدين يا رب العالمين
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتبع رضاك يا رب العالمين
اللهم اشف مرضانا، وعاف مبتلانا، وارحم موتانا يا رب العالمين

اللهم بارك لمن حَضَرَ معنا صلاتنا هذه في علمه وعمره وعمله، وبارك له في بدنه وصحته وعافيته، وبارك له في أهله وولده، وبارك له في ماله ورزقه، واجعله يا ربنا مباركًا موفقًا مسددًا أينما حَلَّ أو ارتحل
اللّهم آت نفوسنا تقواها، زكِّها أنت خير من زكاها، أنت وليُّها ومولاها
اللّهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، والموت راحةً لنا من كل شر
اللّهم اغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات
ربنا إن ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار

عِبَادَ الله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) ، فَاذْكُرُوا اللهَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوْهُ على نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

*نشر العلم صدقة جارية فأعد نشرها*
*ولا تبخل على نفسك بالأجـر العظيم*
=======================
ـــــــ🕋 زاد.الـخـطــيــب.tt 🕋ــــــــ
منــبرالحكـمــةوالمـوعـظـةالحســنـة.tt
رابط التليجرام👈 t.me/ZADI2
للإشتراك بشبكة زاد الخطيب الدعوي
ارسل.اسمك.للرقم.730155153.tt
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
*أعمال تدخل الجنة*
*للشيخ/ أسامة خياط*
🕌🕌🕌🕌🕌🕌

*الخطبة الأولى:*
الحمد لله الذي جعل جنات الفردوس للمتقين نُزُلاً، ويسَّر لهم سُبُلَها فجعلَها للسالِكين منهم ذُلُلاً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له جعل لعباده في الجنة من النعيم المُقيم ما لا يبغُون عنه حِوَلاً، وأشهد أن سيِّدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه الداعِي إلى سبيلِ ربِّه قولاً وعملاً، اللهم صلِّ وسلِّم على عبدِك ورسولِك محمدٍ، وعلى آله وصحبِه صلاةً وسلامًا نرجُو بها ما هو خيرٌ ثوابًا وخيرٌ أمَلاً.

أما بعد: فاتقوا الله - عباد الله -، وتزوَّدوا ليوم المعاد بخير زادٍ؛ فالسعيدُ من تزوَّد من دُنياه لأُخراه، واتَّقَى اللهَ مولاه، وسلكَ إليه سبيلَ كل مُخبِتٍ أوَّاه.

عباد الله: مطمَحُ آمال المتقين، وغايةُ مقصِد الأوَّابين، ومُنتهَى أمانِي المُخبِتين: النظرُ إلى وجه الربِّ الكريم في جناتِ الفردوس مُنعَّمين، مع النبيين والصدِّيقين والشهداء والصالحين، في نعيمٍ مُقيمٍ هو حُسنُ المآب الذي وعدَ الله به عبادَه في قولِه - عزَّ اسمُه -: (هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ * جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ * مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ * وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ * إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ) [ص: 49- 54].

إنه النعيمُ المُقيمُ الذي أخبرَ عنه الصادقُ المصدوقُ - الذي لا ينطِقُ عن الهوى - بقولِه - صلواتُ الله وسلامُه عليه -: «قال الله - عز وجل -: أعدَدتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأَت، ولا أُذنٌ سمِعَت، ولا خطَرَ على قلبِ بشر، مِصداقُ ذلك في كتاب الله: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [السجدة: 17]» (أخرجه الشيخان في "صحيحيهما" من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -).

وأخبرَ عنه أيضًا بقولِه في الحديث الذي أخرجه الإمام البخاري والإمام مسلمٌ في "صحيحيهما" من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -، أنه قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «لَقابُ قوسِ أحدِكم في الجنة خيرٌ مما طلَعَت عليه الشمسُ أو تغرُب».

وفي "صحيح الإمام البخاري - رحمه الله -" من حديث سهلِ بن سعدٍ الساعدي - رضي الله عنه -، أنه قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «موضِعُ سوطٍ في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها».

وإذا كانت الجنةُ مُفتَّحةَ الأبواب للمتقين إكرامًا من الله -تعالى- ومزيدَ تفضُّلٍ منه وإنعامٍ، وإشارةٍ إلى تصرُّفهم وذهابِهم وإيابِهم، وتبوُّؤهم في الجنة حيث شاؤُوا، ودخول الملائِكة عليهم كل وقتٍ بالتُّحَف والألطافِ من ربِّهم، ودخول ما يسُرُّهم عليهم كل وقتٍ.

وهي إشارةٌ أيضًا إلى أنها دارُ أمنٍ لا يحتاجُون فيها إلى غلقِ الأبواب، كما كانُوا يحتاجُون إلى ذلك في الدنيا؛ فإن من أبلَغِ ضُروبِ الإكرام - يا عباد الله - وأجلِّها: أن يُدعَى المُنعَّمون المُكرَّمون إلى دخول الجنة من أيِّ أبوابِها شاؤُوا.

جاء هذا في بيانِ الجزاء الضافِي والأجر الكريم الذي جعلَه الله لأعمالٍ عمِلُوها، مُخلِصين لله فيها، مُتابِعين مُقتَدين فيها برسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -.

وفي الطَّليعةِ من ذلك: أن يقدَمَ العبدُ على ربِّه يوم القيامة مُوحِّدًا إياه، عابدًا له وحدَه، بصرفِ أنواعِ العبادةِ كلِّها له - سبحانه -؛ من صلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ وحجٍّ، وتوبةٍ وإنابةٍ وخضوعٍ وخشوعٍ، وخشيةٍ ورجاءٍِ ومحبَّةٍ وذبحٍ ونذرٍ، واجتنَبَ الشركَ وكل ما حرَّم الله عليه، وفي مُقدِّمة ذلك الدمُ الحرامُ فلم يُصِب منه شيئًا، وسمِعَ وأطاعَ لوليِّ الأمر المُسلم في منشَطِه ومكرَهِه، وعُسرِه ويُسرِه، وأَثَرَةٍ عليه.

فإنه يُثابُ على ذلك بأن يدخُل من أيِّ أبوابِ الجنَّة شاء، كما جاء في الحديث الذي أخرجَه الإمام أحمدُ في "مسنده"، وابن ماجه في "سننه" بإسنادٍ صحيحٍ، عن عُقبة بن عامر الجُهنيِّ - رضي الله عنه -، أنه قال: سمعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ليس من عبدٍ يلقَى اللهَ - عز وجل - لا يُشرِكُ به شيئًا، ولم يتندَّ بدمٍ حرامٍ، إلا دخلَ من أيِّ أبوابِ الجنةِ شاء».

وفي "المسند" للإمام أحمد بسندٍ حسنٍ، عن عُبادة بن الصامِت - رضي الله عنه -، أنه قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «من عبَدَ اللهَ لا يُشرِكُ به شيئًا، فأقامَ الصلاة، وآتَى الزكاة، وسمِعَ وأطاع؛ فإن الله تعالى يُدخِلُه من أيِّ أبوابِ الجنة شاء، ولها ثمانيةُ أبواب ..» الحديث.
ومن ذلك: ما جاء في "الصحيحين" من حديث عُبادة بن الصامِت - رضي الله عنه -، أنه قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «من قال: أشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، وأن مُحمدًا عبدُه ورسولُه، وأن عيسَى عبدُ الله وابنُ أمَتِه، وكلمتُه ألقاها إلى مريم وروحٌ منه، وأن الجنة حقٌّ، وأن النارَ حقٌّ؛ أدخلَه الله من أيِّ أبوابِ الجنة الثمانية شاء».

وفيه - كما قال أهلُ العلم بالحديث -: دلالةٌ على فضلِ هذه الشهادة العظيمة؛ وما ذلك إلا لأن هذه الشهادة تقتَضِي قِيامَ الشاهِد بما عليه من الحق، واستقامَتَه على ذلك؛ إذ الشهادةُ الصادقةُ تقتَضِي العملَ بما أوجبَه عليه الله ورسولُه.

فإن نكَصَ على عقِبَيه، وأصرَّ على المعصية، وتجافَى عن الطاعة؛ كان ذلك دليلاً بيِّنًا على خلَلٍ في شهادتِه، ونقصٍ في عهدِه والتِزامِه.

وما جعل الله عليه هذا الثوابَ العظيمَ أيضًا: أن يتوضَّأَ المُسلمُ، فيُحسِنُ وضوءَه باستِيفاءِ أركانِه وواجِباتِه وشُروطِه وسُنَنه وآدابه، ثم يُعقِبُ ذلك بالشهادتَين ويقول: «اللهم اجعَلني من التوابين، واجعَلني من المُتطهِّرين».

فقد أخرج الترمذي في "جامعه" بإسنادٍ صحيحٍ، عن أمير المؤمنين الفاروق عُمر بن الخطَّاب - رضي الله عنه -، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «من توضَّأ فأحسنَ الوضوءَ، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن مُحمَّدًا عبدُه ورسولُه، اللهم اجعَلني من التوابين، واجعَلني من المُتطهِّرين؛ فُتِحَت له ثمانيةُ أبوابِ الجنة يدخُلُ من أيِّها شاء».

ووعدَ الله بهذا الجزاء أيضًا: من تجهَّمَت له الأيام، ونزَلَ به قضاءُ الله تعالى بقبضِ ثلاثةٍ من ولدِه، هم ثمراتُ فؤادِه، وفلَذَاتُ كبدِه، ورياحِينُ حياتِه، لم يبلُغ أحدٌ منهم سنَّ التكليفِ الشرعيِّ، فكان عند الله من المُكرَمين بهذا الإكرام؛ لقاءَ صبره على قدَرِ الله، واحتِسابِه الأجر على مُصابِه، رجاءَ حُسن العاقبة فيه، وجميل الموعودِ عليه الوارِد في الحديث الذي أخرجَه الإمام أحمد في "مسنده"، وابن ماجه في "سننه" بإسنادٍ حسنٍ، عن شُرحبِيل بن شُفعة، أنه قال: لقِيَني عُتبةُ بن عبدٍ السُّلَميُّ، فقال: سمعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ما من مُسلمٍ يموتُ له ثلاثةٌ من الولَد لم يبلُغُوا الحِنثَ؛ إلا تلقَّوه من أبوابِ الجنةِ الثمانية من أيِّها شاءَ دخل».

وفي "مسند الإمام أحمد" أيضًا، و"سنن النسائي" بإسنادٍ صحيحٍ، عن مُعاوية بن قُرَّة، عن أبيه - رضي الله عنه -، أنه قال: أن رجُلاً أتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ومعه ابنٌ له، فقال له - صلى الله عليه وسلم -: «أتُحبُّه؟». فقال: أحبَّك الله كما أحبُّه، فمات - يعني الابن -.ففقَدَه النبي - صلى الله عليه وسلم - - فقَدَ أباه -، فسألَ عنه، فجاء فقال له - صلى الله عليه وسلم -: «أما يسُرُّك ألا تأتِيَ بابًا من أبوابِ الجنةِ إلا وجدتَه عنده يسعَى يفتَحُ لك؟».

وجعل الله للمرأة الصالِحة نصيبًا موفورًا من هذا الموعود؛ جزاء ما استَجابَت لله فأطاعَته، بالمُحافَظة على ما افترَضَه عليها من الصلوات الخمسِ فأحسَنَت أداءَها، وصامَت فريضةَ الله في شهر رمضان، وأدَّت ما لزوجِها من حقوقٍ عليها، فأطاعَته بالمعروف، وحفِظَته في نفسِها ومالِه، فلم تخُنْه فيما ائتَمَنَها عليه، مُبتغِيَةً بذلك وجهَ ربِّها، عامِلةً في كل شأنِها بما يُرضِيه، واستحقَّت عنده - سبحانه - هذا الجزاءَ الذي جاء في الحديث الذي أخرجَه ابن حبَّان في "صحيحه" بسندٍ صحيحٍ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا صلَّت المرأةُ خمسَها، وصامَت شهرَها، وحصَّنَت فرْجَها، وأطاعَت زوجَها؛ قيل لها: ادخُلي الجنةَ من أيِّ أبوابِ الجنة شِئتِ». فلَهنيئًا لها ولهؤلاء العامِلين من قبلِها.

عباد الله: إن مدارَ هذه الأعمال الوارِدة في هذه النصوصِ النبوية الكريمة، إن مدارَها وروحَها وأساسَها طاعةُ الله ورسولِه، فأطيعُوا اللهَ ورسولَه - يا عباد الله -، (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب: 71].

نفعَني الله وإياكم بهديِ كتابه، وبسُنَّة نبيِّه - صلى الله عليه وسلم -
أقولُ قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولكافَّة المسلمين من كل ذنبٍ، إنه هو الغفور الرحيم.


الخطبة الثانية:
إن الحمد لله نحمده ونستعينُه ونستغفِرُه، ونعوذُ بالله من شُرور أنفُسنا ومن سيِّئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، صلواتُ الله وسلامُه عليه وعلى آله وصحبِه.
أما بعد، فيا عباد الله: إن الإصلاحَ بين المُتنازِعين، والتقريبَ بين المُختصِمين من الإخوة في الدين بابٌ من أعظمِ أبوابِ الخير الذي يُحبُّه الله ورسولُه، ويدعُو إليه، ويحُثُّ عليه بأبلَغ عبارة، وألطَف إشارة، مع جميلِ الموعود عليها؛ حيث قال - سبحانه -: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [الحجرات: 10]، وقال - عزَّ من قائل -: (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء: 114].

ومعناه - كما قال ابنُ جريرٍ - رحمه الله -: "لا خيرَ في كثيرٍ من نجوَى الناس - يعني: كلامَهم جميعًا - إلا من أمَرَ بصدقةٍ، أو معروفٍ، والمعروفُ هو كلُّ ما أمَرَ الله به أو ندَبَ إليه من أعمال البرِّ والخير، أو إصلاحٍ بين الناس، وهو الإصلاحُ بين المُتبايِنين أو المُختَصِمين بما أباحَ الله الإصلاحَ بينهما؛ ليتراجَعَا إلى ما فيه الأُلفةُ واجتماعُ الكلِمة، على ما أذِنَ الله وأمَرَ به".

"ثم أخبرَ - جلَّ ثناؤُه - بما وعدَ من فعلَ ذلك فقال: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) أي: فسوفَ نُعطِيه جزاءً لما فعلَ من ذلك أجرًا عظيمًا، ولا حدَّ لمبلَغ ما سمَّى الله عظيمًا يعلمُه سِواه". اهـ كلامُه.

وجعلَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لإصلاحِ ذاتِ البَين منزلةً رفيعةً، ومقامًا كريمًا، فقال - عليه الصلاة والسلام -: «ألا أُخبِرُكم بأفضَلِ من درجَة الصيام والصلاة والصدقة؟». قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «إصلاحُ ذاتِ البَين»، قال: «وفسادُ ذاتِ البَين هي الحالِقة»؛ أخرجه الإمام أحمد في "مسنده"، وأبو داود في "سننه"،والترمذي في "جامعه" بإسنادٍ صحيحٍ.

والحالِقَة هي: الخصلةُ التي من شأنِها أن تحلِقَ الدينَ وتستأصِلَه كما يستأصِلُ المُوسَى الشعَرَ.

وفي الحديث: حثٌّ وترغيبٌ في إصلاحِ ذاتِ البَين، واجتِنابِ الإفسادِ فيها؛ لأن الإصلاحَ سببٌ للاعتِصام بحبلِ الله، وعدم التفرُّق بين المُسلمين. وفسادُ ذاتِ البَين ثُلمةٌ في الدين؛ فمن تعاطَى إصلاحَها ورفعَ فسادَها نالَ درجةً فوقَ ما ينالُه الصائِمُ القائمُ المُنشغِلُ بخُويصَة نفسِه.

هذا، وقد وفَّق الله وليَّ أمرنا خادم الحرمين الشريفين - حفظه الله - إلى الأخذِ بهذا النهجِ الإسلاميِّ السَّديد، في الإصلاحِ بين الإخوة، فتولَّى أمرَ الإصلاحِ بين البلدَين العربيَّين المُسلِمَين: مصرَ وقطرَ، ورعَى جهودَ الوساطَة الخيِّرة بينهما. فكان سعيُه مشكورًا، وعملُه - إن شاءَ الله - عملاً صالِحًا مبرورًا.

نسألُ الرحمنَ الرحيم ربَّ العرش الكريم أن يتقبَّلَه منه، وأن يُعظِمَ له الأجر، ويُجزِلَ المثوبَةَ، ويُحسِنَ الجزاءَ بمنِّه وكرمِه، إنه أكرمُ مسؤول.

كما نسألُه - سبحانه - أن يجزِيَ قادةَ هذَين البلدَيْن العزيزَين خيرَ الجزاء، وأن يُثيبَهم أحسنَ المثوبَة على ما أبدَوه من استِجابةٍ جميلةٍ لا ريثَ فيها ولا إبطاء، ومن تعاوُنٍ كريمٍ يدلُّ على خُلُقٍ رضِيٍّ وحسٍّ صادقٍ قويٍّ، ورغبةٍ في الخيرِ لا حدودَ لها، وأملٍ بإعادة المياه إلى مجارِيها.

حِرصًا على المصالِح العُليا للأمة عامَّةً، وللبلَدَين العربيَّين المُسلمَين خاصَّةً، ولإرساء قواعد يُحتَذَى بها في سبيل إنهاء الخُصومَات، وإهالَة الترابِ على الخِلافات بين الإخوة في الدين، وإعادة رُوح المودَّة والتصافِي والتآخِي الذي يُحبُّه الله ويأمرُ به، ويحُثُّ عليه، ويعِدُ العامِلين عليه وإحيائِه والحفاظِ عليه بالأجر العظيم، والثوابِ الحسن، والدرجات العُلَى.

إنه - سبحانه - أكرمُ من أعطَى، وأجودُ من أثابَ، وأسخَى من وهَب.

فاتقوا الله - عباد الله -، واعمَلوا على الدوامِ على إصلاحِ ذاتِ البَين بين الإخوة في الدين.

وصلُّوا وسلِّموا على خاتَم النبيين، وإمام المُرسَلين، ورحمةِ الله للعالَمين؛ فقد أُمِرتُم بذلك في الكتاب المُبين: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسلِّم على عبدِك ورسولِك محمدٍ، وارضَ اللهم عن خُلفائه الأربعة: أبي بكرٍ، وعُمر، وعُثمان، وعليٍّ، وعن سائر الآلِ والصحابةِ والتابعين، ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوِك وكرمِك وإحسانِك يا أكرمَ الأكرمين.

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، واحمِ حوزةَ الدين، ودمِّر أعداء الدين، وسائرَ الطُّغاةِ والمُفسِدين، وألِّف بين قلوب المسلمين، ووحِّد صفوفهم، وأصلِح قادتَهم، واجمَع كلمتَهم على الحقِّ يا رب العالمين.
اللهم انصُر دينكَ وكتابكَ، وسُنَّةَ نبيِّك محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وعبادكَ المؤمنين المُجاهِدين الصادقين.

اللهم آتِ نفوسَنا تقواها، وزكِّها أنت خيرُ من زكَّاها، أنت وليُّها ومولاها.
اللهم أصلِح لنا دينَنا الذي هو عصمةُ أمرنا، وأصلِح لنا دُنيانا التي فيها معاشُنا، وأصلِح لنا آخرتَنا التي إليها معادُنا، واجعل الحياةَ زيادةً لنا في كل خيرٍ، والموتَ راحةً لنا من كل شرٍّ.
اللهم إنا نسألُك فعلَ الخيرات، وتركَ المُنكرات، وحبَّ المساكين، وأن تغفِرَ لنا وترحمَنا، وإذا أردتَ بقومٍ فتنةً فاقبِضنا إليك غيرَ مفتُونين.
اللهم اشفِ مرضانا، وارحم موتانا، وبلِّغنا فيما يُرضِيكَ آمالَنا، واختِم بالصالِحات أعمالَنا.

اللهم احفظ المُسلمين في كل ديارِهم، اللهم احفَظهم في اليمن، وفي العراق، وفي سُوريا، وفي مصر، وفي ليبيا، وفي إفريقيا الوسطَى، وفي الصومال، وفي جميع الديار والأمصار يا رب العالمين.
(رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [الأعراف: 23]،
(رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ)[آل عمران: 8]،
(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [البقرة: 201].

وصلِّ اللهم وسلِّم على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وصحبِه أجمعين، والحمدُ لله رب العالمين.

*نشر العلم صدقة جارية فأعد نشرها*
*ولا تبخل على نفسك بالأجـر العظيم*
=======================
ـــــــ🕋 زاد.الـخـطــيــب.tt 🕋ــــــــ
منــبرالحكـمــةوالمـوعـظـةالحســنـة.tt
رابط التليجرام👈 t.me/ZADI2
للإشتراك بشبكة زاد الخطيب الدعوي
ارسل.اسمك.للرقم.730155153.tt
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
كُنْ قَوِيَّاً:
عَلَّمَنِي الطُّوفَان ..👌 
د. محمد سعيد بكر 
7 - 10 - 2026م
ليس الطوفان مجرد درس عابر، ولا مدرسة ابتدائية، ولا حتى جامعة أو كُلية، بل هو كتاب مفتوح، ومنهاج شامل متكامل .. فقد علمنا ولا يزال يُعلمنا ويُلهمنا بفضل الله تعالى .. فجزى الله خيراً من أطلق شرارته، ومن أعدَّ له عدته، ومن أنار بدمه وروحه شعلته .. ومما تعلمناه من هذا الطوفان المجيد ما يأتي:
١. أن الإخلاص واليقين والتوكل، هي أعمدة الثبات وعناوين النصر ولو بعد حين. 
٢. أن الإعداد التكاملي التراكمي فريضة الوقت وكل وقت.
٣. أنه لا مستحيل في عالم الإرادات والنوايا والمقاصد الكريمة.
٤. أن الكتمان والعمل الهادئ والتمويه الذكي والمباغتة من ركائز العمل الأمني الناجح.
٥. أن التضحية والبذل ليس مجرد تنظير ولا كلمات تُرصف في وقت الدعة ومساحات الراحة، بل هي الاختبار الحقيقي لنجاح الأعمال النهضوية المتقدمة.
٦. أنه لا تعويل على شعوب أنهكها الضعف والخور، ولا على أنظمة تعشق مصالحها وتعبد أهواءها.
٧. أن الخيانة من الداخل أسوأ من تسلط الأعداء من الخارج.
٨. أنه كلما كنت جاداً في عملك، صلباً في مواقفك، تكالبت عليك كلاب الدنيا وذئابها، فليس لك إلا الله، مُعينك ورازقك ومسددك.
٩. أنه لابد أن يصحب العمل الجهااادي عملاً سياسياً راسخاً، وعملاً إعلامياً احترافياً، وعملاً إغاثياً مميزاً، وعملاً صحياً لا يتوقف.
١٠. أن معاركنا مع خصومنا التاريخيين لا يمكن أن تُحسم بضربة واحدة قاضية، بل يمكن حسمها بتراكم النقاط، وهذا يتطلب زمناً وصبراً ومصابرة.
١١. أن في الأمة من يعشق الجهاااد ويحب البذل والتضحية ويفتخر بالشهداء .. وإذا قيل له: تقدم، وخذ مكانك، وحقق دورك .. تراجع، وغلّف خذلانه لإخوانه بالحكمة وضرورة التريث، وعدم التهور.
١٢. أن دَور النساء لا يقل عن دور الرجال في المعامع والمعارك .. فالمرأة تربي، وتُعد، وتُحفز، وتحمي، وتستر، وتتقدم الصفوف إن لزم الأمر وتخلف الرجال.
١٣. أن صناعة القادة في الظروف الطبيعية قد يحتاج وقتاً مضاعفاً عن الوقت المطلوب لإعدادهم في الظروف الاستثنائية، فلا خوف على أمة ارتقى قادتها في ميادين الشرف، إنما الخوف عليها إن ماتوا وقد أتخمهم الترف.
١٤. أننا أمة مُكبَّلة، مُقيَّدة، معتقلة؛ فنحن أحوج إلى طوفان التحرر مِن الاستبداد مِن حاجة أولئك الذين صنعوا طوفان التحرر من الاحتلال.
١٥. أن في الأمة طاقات عظيمة، وفيها عقول جبارة، ولديها مخزون ورصيد من العبقرية كبير، وهذا يتطلب من يكتشف ويُنمِّي ويستثمر، بما يخدم نهضة الأمة وتحررها وخلاصها.
١٦. أن كثرة الضربات وتراكم الأزمات، لا تزيد أصحاب المشروع إلا رسوخاً وثباتاً وإبداعاً.
١٧. أنه لا مكان للضعفاء في عالم الأنذال والجبناء والخبثاء، وأن القوة هي التي تصنع مجداً، وتجعلك محترماً حتى في نظر الخصوم والأعداء.
١٨. أن إحسان الظن بالمجرمين والمستبدين وأذناب المحتلين دليل غفلة، ولن يجني الغافلون إلا مرارة وعلقماً.
١٩. أن دَور المرجفين المنافقين من بني جلدتنا لا يقل خطورة عن دور المحتلين الغاصبين، وإن كانوا في ظاهر الأمر معنا، فهم في الحقيقة سهام مسمومة في ظهورنا.
٢٠. أن هنالك من لا يكتفي بممارسة دور الجبان، بل يغلف جبنه بثياب الحكمة، ويؤصل لهذا الجبن بآيات كريمة، وأحاديث صحيحة، وهو يعلم أنه كذاب أشِر، وغشاش مُدلس.
٢١. أن الجهاااد، والمقاومة، والطوفاان والثورة، وغيرها من الأعمال المتقدمة إنما هي اضطرار أكثر من كونها اختيار، فالعقلاء يختارون مساحات الراحة، ولا يحبون المغامرة (غالباً) .. ولكن النبلاء لا يقبلون الذل والهوان، فيضطرون لركوب الأهوال ابتغاء مرضات الله، وأخذاً بأسباب الخلاص.
٢٢. أن لطف الله ورحمته وعنايته حاضرة في المعامع والمعارك، صحيح أن الجرح كبير، ولكن لولا عناية الله ولطفه ورحمته لكان الجرح أعظم وأشد وأكبر.
٢٣. أن للمقاطعة السياسية والاقتصادية والثقافية والسياحية أثرها البالغ في إساءة وجوه الصهاينة والمطبعين، ولا يجوز التقليل من شأنها والتهوين من أثرها في الصراع.
٢٤. أنه لا يجوز الاستهانة بأي دعم وإسناد لإخواننا في ثغور الرباط والجهاد، فالمقال، والمسيرة، والاعتصام، والمهرجان، والدرهم والدينار، والدعاااء، كل ذلك له أثره البالغ، وصدق الله: "لينفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ۚ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا ۚ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا" (الطلاق: 7).
٢٥. أن تأثير الأعمال الجهااادية والقفزات النوعية أعظم بكثير مما يُرى بالعين المجردة، فالبطولة مُلهِمةٌ للأجيال، والخير المترتب عليها قائم وقادم بعون الله تعالى.